الاثنين 15 رمضان 1440

ترجمة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله

التعريف بالشيخ

هو الإمام الزاهد الورع، بقية السلف: عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز.
وُلِدَ في مدينة الرياض في الثاني عشر من ذي الحجة سنة 1330هـ في أسرة معروفة بالعلم والفضل، فمن أعيان هذه الأسرة:
  • الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز (ت1342هـ)، تولى القضاء في الحلوة في حوطة بني تميم، وولي الإرشاد في هجرة الأرطاوية لدى قبيلة مطير.
  • الشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز (ت1385هـ)، تولى القضاء بعدد من مدن المملكة، وهي: الطائف، وبيشة، وحريملاء، والحوطة.
  • الشيخ مرشد بن عثمان بن باز، تولى القضاء في الأفلاج، وغيرهم.
وكان شيخنا - رحمه الله - بصيرًا في أول حياته، ثم أصابه مرض في عينيه سنة 1346هـ أدى إلى ضعف بصره، وفي مستهل محرم 1350هـ ذهب بصره تمامًا، وكان عمره تسعة عشر عامًا. [1]

أسرته

والد الشيخ:
هو عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز، وقد توفي في ذي القعدة سنة 1333هـ، وعمر الشيخ ثلاث سنوات.

والدة الشيخ:
هي هيا بنت عثمان بن عبدالله بن خزيم، تزوَّجت أولًا فهد بن مضحى، وأنجبت له منيرة، ثم تزوجت عبدالرحمن بن سيف، وأنجبت له إبراهيم، ثم تزوَّجت والد الشيخ، وأنجبت له محمدًا وشيخنا، وتوفيت سنة 1356هـ، والشيخ في السادسة والعشرين من عمره.

إخوة الشيخ:
  • محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن آل باز، الأخ الشقيق للشيخ.
  • عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن آل باز، وهو أخ غير شقيق للشيخ، فهو أخوه من أبيه فقط.
  • إبراهيم بن عبدالرحمن بن سيف، وهو أخ غير شقيق للشيخ، فهو أخوه من أمه فقط.
  • منيرة بنت فهد بن مضحى، وهي أخت غير شقيقة للشيخ، فهي أخته من أمه فقط. [1]

زوجات الشيخ:
تزوَّج الشيخُ - رحمه الله - أربع زوجات، هن:
  • فاطمة بنت عبدالله بن سليمان بن سحمان، اختارها بواسطة أمه والعارفين بها، وقد تزوجها سنة 1354هـ وعمره 24 عامًا، ثم طلَّقها سنة 1357هـ، ولم تلد له.
  • هيا بنت عبدالرحمن بن عبدالله بن عتيق، تزوَّجها سنة 1357هـ بعد قدومه إلى الدِّلم، وأنجبت له ولدين وثلاث بنات، وبقيت معه إلى وفاته - رحمه الله.
  • طرفة بنت محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن باز، وهي ابنة عم شيخنا، وقد استمر الزواج ستة أشهر ثم طلَّقها، ولم تلد له.
  • منيرة بنت عبدالرحمن بن حمد الخضير، تزوَّجها سنة 1386هـ، وأنجبت له ولدين وثلاث بنات، وبقيت معه إلى وفاته - رحمه الله. [2]
أبناء الشيخ:
للشيخ - رحمه الله - عشرة من الأبناء، أربعة ذكور، وست إناث:
أما الذكور فهم:
  • عبدالله - وبه يُكنى الشيخ، وعبدالرحمن، وكلاهما من زوجته هيا بنت عبدالرحمن بن عبدالله بن عتيق.
  • أحمد، وخالد، وكلاهما من زوجته منيرة بنت عبدالرحمن بن حمد الخضير.
وأما الإناث فهن:
  • سارة، والجوهرة، ومضاوي، وهن من زوجته هيا بنت عبدالرحمن بن عبدالله بن عتيق.
  • هيا، وهند، ونوف، وهن من زوجته منيرة بنت عبدالرحمن بن حمد الخضير. [3]

نشأته الاجتماعية

للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثر كبير في شخصيته وتكوينه العقلي، فإما أن تكون معينةً على الخير، دافعةً إلى مراقي العز والشرف، أو تكون مَرْتعًا خَصْبًا للشرِّ، مهيئةً لأسباب الفساد والهلاك.
وإن البيئة التي نشأ فيها شيخنا - رحمه الله - كانت من الصنف الأول، حيث ولد سماحته في الرياض عاصمة نجد يوم الثاني عشر من ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمئة وألف للهجرة، في أسرة يغلب على بعضها العناية بالزراعة، وعلى بعضها عمل التجارة، وعلى كثير من فضلائها طلب العلم، ومن أعيان هذه الأسرة: الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز، تولى القضاء بالحلوة، ومنهم كذلك الشيخ المبارك بن عبدالمحسن، تولى القضاء في بلدان كثيرة من المملكة، منها: الطائف، وبيشة، وحريملة، والحلوة.
وبالإجمال فإن الطابع الغالب على هذه الأسرة هو طابع الجد في ممارسة الخير سعيًا في نشدان الكسب الحلال، ومذاكرة في مسائل الدين، والتزاما لفضائله، فهي بيئة إسلامية تذكر الناسي وتعلم الجاهل وتنبه الغافل. [1]

طفولته وصباه:
نشأ سماحة الشيخ يتيمًا في حِجْر أمه هيا بنت عثمان بن عبدالله بن خزيم، إذ توفي والده في ذي القعدة سنة 1333هـ والشيخ في الثالثة من عمره، فقامت الأم برعايته وتربيته على الأخلاق الفاضلة والآداب الحميدة هو وأخويه: إبراهيم بن عبدالرحمن بن سيف - الأخ غير الشقيق لسماحة الشيخ - ومحمد بن عبدالله بن باز. [2]
ومما يذكر عن طفولته أنه كان - رحمه الله - ضعيف البنية، فلم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة من عمره، وكان ميَّالًا إلى الخير، محافظًا على أداء العبادات منذ نعومة أظفاره، فيحرص على التبكير إلى الصلاة إذا سمع النداء.
وعندما سئل سماحته عن طفولته كيف كانت، قال: "أما عن طفولتي فلا أتذكرها بالضبط، عدا تلك التي كنت حريصًا فيها على مجالسة أهل العلم، وقراءة القرآن والاطلاع على ما يجب في علوم الدين". [3]
ومن المواقف التي حدثت للشيخ في طفولته مع أحد أهل العلم وأثرت فيه كثيرًا أنه ذات يومٍ تأخَّر عن الحضور إلى الصلاة مبكرًا ففاته بعضُها، فقام يصلي ما فاته بعدما سلَّم الإمامُ الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، فلما التفت الشيخ صالح ورأى تلميذَه متأخِّرًا يصلي ما فاته حزن وقال: بعض الناس يُسَوِّف ويجلس يأكل ويشرب حتى تفوته الصلاةُ! يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز: وكأنَّه - رحمه الله - يعنيني ويعرض بي، فخجلتُ مما كان مني، وتكدرتُ كثيرًا، ولم أنسَ ذلك الموقف حتى الآن. [4] 
وقد اشترك الشيخ مع أخيه محمد في بيع البشوت [5] وبعض الملابس في سوق الرياض (الحراج)؛ إذ كانت حالة الأسرة المادية متواضعةً. [6]
تمتع الشيخ ببصره إلى سنة 1346هـ، حيث أصابه مرض يُسَمَّى في نجد (أبا الرغيد) أدى إلى ضعف بصره، ونتيجة ضعف الإمكانات الطبية في ذلك الوقت استمر المرض مع الشيخ إلى محرم سنة 1350هـ؛ حيث ذهب بصرُه بالكلية وعمره 19 عامًا؛ فخيَّم الحزنُ على الأسرة لذلك المصاب، واشتد على الأم خاصةً، غير أنها أخذت بنصيحة امرأةٍ صالحةٍ؛ فجعلت تدعو الله تعالى أن يرزق ابنها البصيرةَ عوضًا عن بصره الذي فقده، فلعل الله تعالى قد استجاب لها؛ فكان للشيخ ما هو معلوم من البصيرة وحسن العمل. [7]
ولم يقف فقدُ البصر عائقًا في طريق الشيخ - رحمه الله - فقد واصل طلبَ العلم والاستزادة منه، وصبر على قدر الله ورضي به، وكان أخواه إبراهيم ومحمد يقومان على شؤون البيت إلى جانب والدتهما، ويعملان على توفير احتياجات الأسرة. [8]
وقد قيل ذات مرة لسماحة الشيخ: سمعنا أنك لا تعرف الكتابة.
فأجاب سماحته بقوله:
"هذا ليس بصحيح؛ فأنا أقرأ وأكتب قبل أن يذهب بصري، ولي تعليقات على بعض الكتب التي قرأتها على المشايخ مثل الآجروميه في النحو وغيرها".
وإذا أملى سماحة الشيخ كتابًا أو تعليقا وكان هناك إشكال في كلمة ما؛ قال: " تُكْتَب هكذا "، وأشار إلى راحة يده وهو يَكْتُب بإصبعه.
وقيل لسماحته ذات مرة: هل صحيح أنك تتمنى أنك رأيت الإبل على ما خلقها الله؟
فأجاب سماحته بقوله: "هذا ليس بصحيح؛ فأنا أتصورها؛ لأن بصري لم يذهب إلا وعمري تسع عشرة سنة". [9]
وقد كانت الأم تشجعه - رحمه الله - على فعل الخير إلى جانب ما طبع عليه الشيخ من الأخلاق الطيبة والكرم والسخاء منذ صغره، فقد ذكر عنه - رحمه الله - أنه عندما بدأ في طلب العلم كان يحرص على مساعدة كل طالب يأتي جديدا إلى الرياض بالجلوس معه ومؤانسته، ومساعدته في كل ما يحتاج؛ لأنه غريب، حتى يبلغ به الأمر إلى أن يأخذه معه إلى منزله؛ ليتناول عنده الوجبة الملائمة في الغداء أو العشاء، حيث يطلب من والدته أن تعطيه وجبته هو، وعندما تقول له أمه: ما عندنا غيرها. يرد عليها: هذا طالب علم ومحتاج وغريب، يجب أن نرغبه في العلم.
وقد أَنِسَتْ أمه هذا الكرم المتأصل في نفسه، فصارت تشجعه وتعينه بكل ما يحتاجه طلاب العلم: من طعام يتشاركون فيه، أو خياطة لملابسهم وما يحتاجون إليه؛ لأن الغريب البعيد عن أهله يحتاج لبعض الأمور ذات الأثر في نفسه.
نمت عنده أعمال كثيرة، كبر حجمها بعدما بلغ المكانة العلمية والاجتماعية، فكانت طبعًا لا تَطَبُّعًا، وخلقًا متأصِّلًا لا تكلُّف فيه، وقد حصلت منه - كما ينقله العارفون به - أكثر من مرة؛ لينطبق عليه دلالة هذه الآية الكريمة: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

وصف منزله

لسماحة الشيخ منزل في الرياض، ومنزل في الطائف وهما ملك لسماحته، ومنزل في مكة، وليس ملكاً له، وإنما هو مستأجر. 
وسماحته يتنقل بينها بحسب تنقل عمله، وسفره للحج أو العمرة. 

منزله في الرياض:
أما منزل سماحته في الرياض فيقع في حي (عُلَيْشة) وتقع في الجنوب الغربي من الرياض، ويتكون من خمسة مبان، أو وحدات سكنية بسور واحد. 
  • أما الوحدة الأمامية من جهة الجنوب فتتكون من مجلس، ومكان للطعام، ومكتبة، ومطبخ، ومكان لإعداد القهوة، ودورات مياه، ومكتب البيت.
    وما فوق هذه الغرف تابع للمكتب، وسكن للعمال من سائقين وطباخين.
    وتحت ذلك دور أرضي يشتمل على مستودعات تابعة للبيوت، وسكن لبعض السائقين، وغرفة كبيرة للضيوف.
    وجميع ما في هذه الوحدة خاص بموظفي المكتب، والضيوف، والعمالة. 
  • أما الوحدة الثانية فهي سكن لأم عبدالله زوجة الشيخ الأولى. 
  • أما الوحدة الثالثة فهي سكن لأم أحمد زوجة الشيخ الأخيرة. 
  • أما الوحدة الرابعة فهي سكن لابنه عبدالله. 
  • أما الوحدة الخامسة فهي سكن لابنه أحمد. 
وبين كل وحدة ووحدة جدار وباب يفصل بعضها عن بعض، ويُدْخِل بعضها في بعض. 
فإذا أراد سماحة الشيخ الخروج للعمل خرج من بيت الزوجة التي هو عندها إلى الوحدة الأمامية، التي تشتمل على مجلسه، ومكتب البيت، وإذا قدم من عمله دخل من جهة الوحدة الأمامية نفسها، وإذا انتهى مجلسه دخل الوحدات الداخلية إلى أي من الوحدتين اللتين تسكنهما زوجتاه. 

منزله في الطائف:
أما مسكنه في الطائف فهو يشتمل على مقدمة المنزل وهي تحتوي على مجالس، ومساكن الموظفين، والضيوف والمطبخ. 
أما آخر المنزل فهو خاص بأسرة سماحته، وبينهما باب يدخل منه الشيخ ويخرج. 
وهكذا منزله في مكة. [1]

جوده وكرمه

من الصفات التي اتصف بها الشيخ - رحمه الله - واشتهرت عنه: الكرم، حتى لقَّبه بعض محبيه بـ (حاتم الطائي)، فلم تخل مائدته في يوم من الأيام من ضيوف من مختلف فئات المجتمع؛ فتجد على مائدته: الفقير والمسكين وابن السبيل، والغني وذا المكانة الرفيعة، والعالم والعامي، والكبير والصغير، والقريب والغريب، دون تفريقٍ بينهم في الجلوس أو الطعام. [1]
ولم يكن كرمه شيئًا عابرًا يفعله أحيانًا ويتركه أخرى، بل قد نشأ معه منذ نعومة أظفاره، فكان يحرص منذ أن كان طالبًا في حلقات العلم على دعوة مَن يلقاه من طلبة العلم والغرباء والجيران إلى مشاركته طعامه وإن كان قليلًا - كما أخبر بذلك الشيخ عبدالمحسن بن سعد الباز أحد أقارب الشيخ الأكبر سنًّا منه - ولا يحتقر ما يُقدِّمه لضيوفه، ويجعل الله فيه بركةً وخيرًا. [2]
وكان يعطي المحتاجين، ويقضي الدَّين عن المدينين، ويسامح مَن عجز منهم عن السَّداد.
ولم يقف جوده وكرمه على ماله فحسب، بل امتد أيضًا للجود بالوقت والجهد لقضاء مصالح المسلمين، حتى لكأن القائل عناه بقوله:
هو البحر من أي النواحي أتيتَه فلُجَّتُه المعروف والجودُ ساحله
تعوَّد بسطَ الكفِّ حتى لو انَّه ثناها لقبضٍ لم تُجبه أنامله
وفي الأسطر القادمة نستعرض بعض مظاهر هذا الكرم:

إكرامه لأهله وأقاربه:
أصاب أهل شيخنا - رحمه الله - من كرمه، ولِمَ لا وهم أقرب الناس إليه؟ فكان سماحته في عيد الفطر يُوزِّع ما يزيد عن مئة وستين ألف ريـال من ماله الخاص على زوجتيه، وأولاده، وأولاد أولاده، وأزواج بناته، وأخيه، وأولاد أخيه، وبعض أقاربه. هذا فضلًا عن النفقات الشَّهرية التي يُوفِّرها لهم.
كما كان سماحته يساعد المحتاجين منهم، ويكفيهم مؤنة السؤال، فاشترى لأخيه محمد بيتًا، ورتَّب له راتبًا شهريًّا، واشترى بيوتًا لبعض أقاربه. [3]

إكرامه للدعاة وطلبة العلم:
للدعاة وطلبة العلم منزلة خاصة عند الشيخ - رحمه الله - لقيامهم بأداء مهمة الأنبياء في الدعوة للإسلام وتعليم الناس؛ لذلك حرص على إكرامهم، وبذل الوسع في قضاء مصالحهم، حتى إنه كان يستدين من أجل صرف رواتبهم الشهرية، فقد كان الشيخ يُرسل الدعاة وطلبة العلم إلى البلاد المختلفة، ويجعل لهم رواتب شهرية.
أمَّا مَن قدم من طلبة العلم إلى المملكة للدراسة فكان يستضيفهم في بيته إلى أن يجدوا سكنًا ملائِمًا، حتى إن راتبه ينفد قبل أن ينتصف الشهر؛ فيستدين من أجل الإنفاق عليهم.
وكان - رحمه الله - يعرف حال طلابه من نبرات أصواتهم وطريقة سلامهم عليه، فإن شعر أن أحدهم يحتاج إلى مالٍ أقرضه من ماله الخاص، ويعفو عمَّن تعسَّر عن السَّداد منهم، فقد أقرض أحدَ طلابه سبعمئة ألف ريـال، ثم أرسل إليه يُعلمه بإسقاط الدَّيْن عنه ومسامحته له. [4]
وبلغ إكرام الشيخ لطلبة العلم أن باع سيارته لينفق ثمنها على إطعام طلبة معهد شرعي أُخْبِر أنهم لا يجدون نفقة طعامهم. [5]

لا يرد سائلًا:
اقتدى الشيخ - رحمه الله - بنبينا ﷺ فلم يكن يرد سائلًا وإن سأله ما يلبسه أو ما يحتاج إليه، فقد سأله أحد زوَّاره في يومٍ من الأيام عباءته التي يرتديها، فما كان من الشيخ إلا أن خلعها وأعطاها له عن طيب نفس. [6]
وبلغ الأمر بالشيخ إلى حدِّ الاستدانة لإعطاء السائلين، فذات يوم قام سائل في المسجد بعد الصلاة يسأل الناس، ولم يكن مع الشيخ مال، فسأل مرافقه: هل معك شيء؟ قال: نعم. فقال الشيخ: أعطه خمسين ريالًا. وتكرر هذا الموقف مرةً أخرى فاستدان من المؤذن عشرين ريالًا وأعطاها للسائل. [7]
يقول الشيخ عطية سالم - رحمه الله:
"كان يأتيه الفقراء والمساكين لطلب المعونة، فلا يتردد أن يُعطيهم، وكثيرًا ما طلب من صندوق الجامعة [الجامعة الإسلامية بالمدينة] سلفة تُخصم من راتبه ليُعطيها هؤلاء الفقراء الذين قصدوه، ومرة جاءني وقال لي: أريدك أن تُعطيني سلفة قدرها مئتي ريـال، فضحكتُ وقلتُ له: الشيخ ابن باز يأخذ سلفةً من عطية سالم! ثم أردفتُ: لو كان المبلغ لك لأعطيتُك عشرة آلاف ريـال، اذهب وخذ من الصندوق، فقال لي: عندما ذهبت إلى الصندوق أخبرني أمينه أن راتبي منتهٍ، وأني مدينٌ للصندوق للشهر الذي بعده بـ 400 ريـال". [8]

تبرعاته الكثيرة:
من صور الكرم التي عُرفت عن ابن باز - رحمه الله - كثرة تبرعاته وإنفاقه في وجوه الخير ونفع المسلمين، من ذلك تبرعه بقيمة جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام - والتي فاز بها سنة 1402هـ - لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة. [9]
وفي عام 1406هـ حضر سماحته حفل الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم المقام في جامع الفريان بالرياض، وعلم من رئيس الجمعية حاجتهم إلى التعاقد مع سبعين مدرسًا للقرآن الكريم وعدم وجود موارد مالية لذلك، فما كان منه - رحمه الله - إلا أن قال: اتفقوا معهم على حسابي. [10]

إكرامه لضيوفه وزوَّاره:
حاز ضيوف سماحة الشيخ وزواره على الجزء الأكبر من كرم الشيخ، فلم يخلو بيت سماحته يومًا من ضيوف وزوَّار من مختلف طبقات المجتمع، ومن داخل المملكة وخارجها، خاصةً بعد توليه الإفتاء، حتى إن نفقات بيته اليومية كانت تتجاوز الألفي ريـال. [11]

ونعرض في الأسطر الآتية أبرز مظاهر إكرامه لضيوفه:
مشاركتهم وعدم التميز عنهم:
كان من عادة شيخنا - رحمه الله - عدم تناول الطعام وحده، فكان حريصًا على أن يشاركه ضيوفُه الطعام، ولا يجد لذَّةً للطعام إلا معهم، حتى إنه في عام 1417هـ سافر إلى الطائف، وفتح بيته للضيوف والفقراء والمساكين، فلم يأتِه أحدٌ في اليوم الأول لوصوله، فتألم لذلك وقال للعاملين معه: ما بال الناس لا يأتون؟! هل تعتذرون لأحدٍ أو تغلقون الأبواب في وجوه الناس؟! فقيل له: كثير منهم لم يعلم بوصولك، وبعضهم يُحب أن ترتاح في الأيام الأولى، فقال: اذهبوا وأخبروا الناس، وأخبروا الجيران، وقولوا لهم: الشيخ يدعوكم، وبيته مفتوح لكم. [12]
ولم يكن - رحمه الله - يتميز عن ضيوفه بطعامٍ أو شرابٍ، بل ما يُوضَع أمامه يُوضَع أمام الجميع، حتى إنه لما أُصيب بمرضٍ في الكبد قبل وفاته بـ15عامًا كان من وصايا الأطباء تخصيص طعام خاصٍّ له يتلاءم مع حالته الصحية، وأول يوم وُضع له تضايق وأمر برفعه، وقال: آكل مما يأكل منه ضيوفنا، ولا نتميز عنهم؛ لأنَّ بعضهم قد يفهم الأمرَ على غير حالته التي نصح بها الأطباء، ولكن نتوكَّل على الله، ونُشاطرهم الطعام. [13]

بابه مفتوح دائمًا في الليل والنهار:
اعتاد سماحته - رحمه الله - أن يظل باب بيته مفتوحًا في وجه القادمين إليه، ليلًا ونهارًا، حتى وإن جاء الضيفُ في جنح الظلام بعدما ينام العاملون في البيت، فإنه يجد سماحته بنفسه في استقباله، والقصص في ذلك كثيرة، منها: ما حكاه الشيخ محمد حامد - رئيس أصحاب اليمين بأريتريا - حيث قال: أتيت إلى الرياض في ليلة شاتية، وليس عندي ما أستطيع دفعه للفندق، ففكرتُ أن أذهب لبيت الشيخ عبدالعزيز بن باز، وكانت الساعة الثالثة ليلًا، فترددتُ، ثم أقدمتُ فوقفت عند باب بيته الطيني القديم ولمسته، فإذا أحد النائمين عنده يسمعني ويفتح لي الباب، فسلَّمتُ عليه بهمسٍ حتى لا يسمعني أحد؛ لأن الوقت في آخر الليل، فما هي إلا لحظة حتى أقبل الشيخُ بنفسه نازلًا من الدرج ومعه إناء فيه طعام، تقوده امرأتُه من الخلف، فسلَّم عليَّ، وأعطاني الطعام، وقال: سمعتُ صوتك وأحضرت لك الطعام؛ لأني أظنك لم تأكل شيئًا هذه الليلة، فوالله ما طرق النومُ عيني من البكاء على هذا الموقف النبيل من سماحته. [14]

الحرص على شراء أجود الطعام:
من مظاهر كرم سماحة شيخنا - رحمه الله - أنه لم يكن يرضى لضيوفه أن يأكلوا طعامًا رديئًا أو متوسطًا، بل كان حريصًا على اختيار أجود الطعام وأحسنه في غير إسرافٍ ولا تبذيرٍ، فكان يوصي العاملين في منزله بشراء أحسن ما في السوق من الفاكهة والخضروات وسائر الأطعمة المُقدَّمة للضيوف، ويعتب عليهم إذا اشتروا شيئًا متوسطًا مراعاةً منهم لأحوال سماحته المادية، ويقول لهم: إياكم أن تَدْنو نفوسُكم. [15]

الإلحاح في الدعوة إلى الطعام والمبيت:
كان الشيخ - رحمه الله - حريصًا على دفع الحياء عن زواره فيما يتعلَّق بالطعام والمبيت، فكثير ما يأتيه زائرٌ من سفرٍ ويحتاج إلى مكان يبيت فيه وطعام يأكله، لكنه يستحي من الشيخ، ويخشى أن يُثقل عليه، فما أن يعلم الشيخ أن زائره من خارج المدينة التي يُقيم فيها إلا ويُبادر إلى دعوته إلى الطعام والمبيت، ويُلح عليه في ذلك، مستخدمًا أسلوب الأب الحاني الشفيق بأبنائه، دون أن يُلجئ الزائر إلى طلب ذلك والشعور بالحرج. [16]

الحرص على آداب الضيافة:
من أقوى مظاهر كرم الشيخ - رحمه الله - حرصه على مراعاة آداب الضيافة؛ من حسن استقبال، وملاطفة، وعدم استعجال في الطعام والمبيت، وغيرها مما نعرضه في الأسطر القادمة:

1- مراعاة مواعيد وصولهم واستقبالهم:
حرص الشيخ على حسن استقبال ضيوفه جميعًا، وبالأخص العلماء وطلبة العلم الكبار والمسؤولين، فكان يترقَّب موعد وصولهم - وذلك لمن أخبره بمجيئه في موعد محدد - ويُخبر العاملين معه بذلك؛ ليتهيؤوا لمساعدته في استقبالهم وحسن ضيافتهم. [17]

2- بشاشة الوجه وحسن الكلام:
من آداب الضيافة: مقابلة الضيوف بوجه بشوش، وكلام طيب، وهذا لم يَغِبْ عن شيخنا - رحمه الله - فكان طيب المحَيَّا، يبتسم في وجوه جلسائه، ويُلاطفهم بكلام يُشعرهم بقربهم منه، ومحبته لهم، مثل: "حياكم الله"، "حيَّا الله الجميع"، "من الألفة ترك الكُلْفَة"...
ويرفع من شأن ضيوفه، ويُعلي منزلتهم، ولو لم يكونوا كبارًا، أو لم تكن لهم مكانة اجتماعية، وبعضهم لم يَرَ الشيخ قبل ذلك، وكان غاية ما يتمنوه رؤية سماحته والاستئناس بحديثه، فلما دخلوا مجلسه حيَّاهم، وأدناهم منه، وألح عليهم بتناول طعام العشاء، فوافقوا.
وحرص في مجلسه معهم على ملاطفتهم، وسؤالهم عن أحوالهم ومشايخهم، والإجابة عن أسئلتهم، حتى إنه أبى أن يتركهم أو ينشغل عنهم بالمعاملات والأوراق، وظل معهم حتى تناولوا العشاء، فلما استأذنوه للانصراف ألح عليهم في المبيت، فأبوا وأخبروا سماحته أن لديهم مكانًا سيبيتون فيه، وكان آخر ما قالوه لسماحته قبل انصرافهم: جزاك الله خير الجزاء، وغفر لك، وجعلك ذخرًا للإسلام والمسلمين، لقد أعطيتنا من وقتك ومجلسك فوق ما نستحق، وفوق ما تصورنا. [18]

3- عدم استعجالهم في الطعام والمبيت:
لم يكن سماحة الشيخ - رحمه الله - يتعجَّل القيام من مائدة الطعام حتى يُنهي ضيوفُه طعامَهم؛ حتى لا يكون في قيامه استعجالٌ لهم، وإذا قام قبل أن ينتهوا قال: كلٌّ براحته، لا تستعجلوا.
أما المبيت: فكان في منزله بالرياض مكان مهيَّأ لاستقبال الضيوف، يسع قرابة خمسة عشر شخصًا، يُقيمون فيه أيامًا، وأحيانًا شهورًا، فلا يضيق الشيخ بإقامتهم، أو يتعجَّل انصرافهم، بل يتركهم حتى ينصرفوا بإرادتهم، حتى إن أحد العاملين مع سماحته قال له ذات يومٍ: إنَّ فلانًا ساكن عندنا منذ وقتٍ طويلٍ! فقال له سماحة الشيخ: لو استغنى عنكم ما جلس عندكم!.[19]

4- الفرح بهم وعدم التَّبرُّم من كثرتهم:
بعض الكرماء قد يضجر من كثرة الزائرين، وتتابع الوافدين، ويشعر بالسعادة عند انصرافهم، إلا أن شيخنا - رحمه الله - لم يكن كذلك، فكان فرحه وسعادته تكمن في حضورهم وتوافدهم عليه، بل ويدعوهم إلى الإكثار من زيارته.
ولم يكن يشعر بالضيق والحرج من مفاجأة الزائرين له بالزيارة، عملًا بقول النبي ﷺ: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية[20]، فمن ذلك: أنه في يوم 28 رمضان عام 1406هـ قبيل الإفطار جاءت حافلة كبيرة تحمل خمسين شخصًا قدموا للسلام على سماحته، وكان مجلس الشيخ قبل قدومهم ممتلئًا بنحو مئتي شخصٍ من جنسيات مختلفة، فما كان من الشيخ إلا أن رحَّب بالقادمين قائلًا: تفضلوا، حيَّاكم الله.
وكان الطعام المُعدّ في ذلك اليوم يكفي نحو ثمانين شخصًا، إلا أن البركة حلَّت في الطعام، فأكل الجميع وبقي من الطعام بقية.
ولم يكن منزل سماحته في الرياض المُعدّ لاستقبال الضيوف يتسع لكثرة الضيوف القادمين إليه، خاصةً أن بعض الزوار يأتون بأسرهم، طلبًا لشفاعةٍ، أو مساعدة، أو غير ذلك، فكان الشيخ يُنزلهم في منزله الخاص، ويصبر على مشاركتهم له في المبيت، ويقول لمن قال له: ألا ترون أن يُقال لهؤلاء: اذهبوا إلى بلدكم، ونحن ننظر في الأوراق في الوقت المناسب، ثم نخبركم؟ فيقول: ما نرى ذلك، نصبر ونتحمَّل إقامتهم عندنا حتى ينتهي موضوعهم. [21]

5- الجلوس معهم وإن لم يأكل:
في بعض الأحيان يكون سماحة الشيخ - رحمه الله - مُجهدًا ومتعبًا وليس له رغبة في الطعام - خاصةً في أيام مرضه - ومع ذلك يجلس على المائدة مع ضيوفه، خاصةً إذا طلبوا منه ذلك، إيناسًا لهم، وتطييبًا لنفوسهم، ولكي لا يتوهموا أن سماحته لا يرغب في وجودهم.
من ذلك: أنه قبل وفاته بعامين أُصيب بالإجهاد في يومٍ من الأيام نتيجة كثرة الأعمال التي قام بها في ذلك اليوم؛ من دروس، واستقبال للضيوف، وإنهاء للمعاملات، وغير ذلك، فلما وُضِعَ طعام الغداء قال لضيوفه: تفضَّلوا للغداء، حيَّاكم الله، فلما جلسوا قال: أما أنا فسامحوني؛ لأنني لا رغبةَ لي في الطعام، فقال أحدهم: يا شيخ، نحن لم نأتِ للأكل، وإنما أتينا من أجل الجلوس معكم والتحدث إليكم، فإما أن تجلس وإلا فلن نأكل! فلما سمع - رحمه الله - ذلك تحامل على نفسه وجلس مع الناس يُحدثهم ويُجيب عن أسئلتهم، ولم يأكل شيئًا من الطعام. [22]

6- إذا كان مشغولًا أناب مَن يُكرم ضيوفه:
حرص سماحة الشيخ - رحمه الله - على الالتزام بمواعيد دروسه ومحاضراته ولقاءاته، ولم يكن يسمح بأن يطغى أمرٌ على آخر، ويُعطي كلَّ شيءٍ حقه، فإذا فاجأه ضيوف رحَّب بهم، وأحسن استقبالهم، غير أنه يُكمل مهام يومه وفق جدول عمله، ويوُكل شخصًا بهم، فيقوم نيابةً عنه بإكرامهم والإحسان إليهم، فإذا أنهى الشيخ مهامه وعاد إلى البيت سأل عن ضيوفه، واطمأنَّ على ما قُدِّم لهم من ضيافة، فإن وجد تقصيرًا من الوكيل عنفه وربما اعتذر له عن استمرار العمل معه.
من ذلك ما ذكره وكان دائمًا يسأل: عسى ما نقص عليهم شيء؟ فإن قيل: لا، فرح وتهلل، وحمد الله. [23]

7- مراعاة مشاعرهم وحفظ كرامتهم:
يقول الشيخ محمد الموسى - أحد مرافقي شيخنا ابن باز: "كان سماحته يحرص كل الحرص على مراعاة مشاعر ضيوفه، وكان كثير السؤال عنهم، كثير التوصية بهم، وكثيرًا ما يقول للموظفين معه: ارحموهم، لو وجدوا غيركم ما أتوا إليكم".[24]
فلم يكن - رحمه الله - يسمح بإهانة أحدٍ من ضيوفه كائنًا من كان، حتى إنه ذات يوم سمع أحد العاملين معه يُوبِّخ أحدَ ضيوفه لإغفاله آداب الطعام، فما كان من الشيخ إلا أن قال: أنا لا أرضى لأحدٍ أن يتنقص أحدًا من ضيوفي، أو ينال منهم، فالذي يرضى أن يجلس معنا على هذا الوضع، وإلا فنحن نسمح له بأن يذهب إلى مَن يريد، وهذا بيتي، وهؤلاء أتوا إليَّ.[25]
وقيل لسماحته ذات يومٍ من أحد معارفه: يا شيخ، بعض هؤلاء لا يعرفون أدب الأكل، ولا يَحسُن الجلوس معهم، فلو انفردت عنهم وأرحت نفسك من هؤلاء! فرد عليه الشيخ قائلًا: أنا الذي وضعتُ الطعام لهم، وهم جاؤوا إليَّ، وراحتي بالأكل معهم، والرسول ﷺ كان يأكل مع أصحابه ومع الفقراء حتى مات، ولي فيه أسوة، وسوف أستمر على هذا إلى أن أموت، والذي لا يتحمَّل ولا يرغب الجلوس معهم نسامحه، ويذهب إلى غيرنا. [26]
هكذا كان كرم سماحته - رحمه الله - الذي وُصِفَ بأنه فاق كرمَ حاتم الطائي، فلم يبخل يومًا بما في يديه، ولم يدَّخر مالًا خشية الفاقة، فالكرم صاحبه طيلة حياته حتى ترك له الذكر الحسن والثناء الجميل بعد وفاته.
نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، ويجود عليه بمرافقة نبيه محمد ﷺ في عِلّيين.

تواضعه

قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، أي: ساكنين متواضعين لله والخلق. [1]
وقال النبي ﷺ: ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله[2].
وإن شيخنا - رحمه الله - تواضع لله ولعباده؛ فرفعه الله بين الناس، فلم تَغْرُرْه المناصب، أو تخدعه مظاهر العظمة والأبهة، بل كان حسن العشرة، لطيف المعاملة، رفيقًا حانِيًا، لا يتكبر على أحدٍ، ولا يترفَّع عن مجالسة الفقراء والمساكين والمشي معهم، ولا يحتجب عن ذوي الحاجات، فحين طلب منه بعضُ الفُضلاء أن يترك مُجالسة الفقراء والمساكين ومُؤاكلتهم، وأن يجعل لنفسه مجلسًا خاصًّا يليق به، رفض وقال: "مسكينٌ صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين، والأكل مع الفقراء". [3]
وكان - رحمه الله - يُقْبِلُ على مُحَدِّثه، ويُصْغِي السمعَ له، ويَقْبَل النصيحةَ من مُسْدِيها، كائنًا مَن كان، ومن ذلك: أنه اتَّصل به طفلٌ ذو ثلاثة عشر عامًا، واقترح على فضيلته أن يُعَيِّن في كل مدينةٍ مُفتِيًا يرجع إليه الناسُ في مسائلهم، فما كان منه - رحمه الله - إلا أن قَبِلَ النَّصيحةَ، وكتب بعرضها على هيئة كبار العلماء. [4]
فقد نظر شيخُنا - رحمه الله - إلى الدنيا نظرة حكيم، وتعامَل معها تعامُل خبير، فرأى كلَّ مُتعها زائلة، فاستعان عليها بالله، وأخذ ما يرضيه سبحانه ولو كان قليلًا، وترك ما يجلب سخطه وغضبه وإن كان محبوبًا إلى النفس، فحين عُرِضَ على سماحته تغيير أثاث بيته في مكة بأحدثَ منه، أَبَى وقال: "لنا في هذا البيت ست عشرة سنة، ولا ندري ماذا بقي من أعمارنا؟!". [5]
وكان - رحمه الله - يأبى أن يتميز عن الناس في شيءٍ، سواء كان في موقفٍ، أو مجلسٍ، أو مَرْكَبٍ، أو مَأْكَلٍ، أو غير ذلك، فكان في الحج ينام وسط الحجيج، فلا يكاد يُعْرَف.
وحين ذهب ليُلْقِي محاضرةً في مسجدٍ، وجد أن المسجد مفروشٌ بالحصير، وأن القائمين على المسجد وضعوا له سجادةً خاصَّةً به، فطواها - رحمه الله - بنفسه وطرحها جانبًا، وجلس كما يجلس الناس.
وحين انتهت مدةُ سيارته الممنوحة له من الدولة وأراد المسؤولون أن يُغَيِّروها بأحدثَ منها، وذكروا للشيخ أنواع السيارات الحديثة (المرسيدس، الفورد، الكاديلاك، البيوك) ليختار منها، ترك الشيخ كل هذه الأنواع واختار (الكابرس)، فقيل له: لا يليق بمقامك، فقال: لماذا؟ أليس القبر واحدًا؟!. [6]
ومن القصص التي تصور لنا هذا المشهد ما حكاه الدكتور الشويعر، حيث ذكر أن رجلًا جزائريًا قدم إلى مكة للحج، وأراد أن يسأل عن مسألةٍ ما، فأتى إلى مجلس الشيخ دون أن يعرف أن هذا هو مجلس الشيخ ابن باز، فلما دخل قال للدكتور الشويعر: أريد السؤال. فقال له: هذا الشيخ أمامك فاسأله، قال: ما اسمه؟ قال: الشيخ عبدالعزيز بن باز. فتعجب الرجلُ من بساطة الشيخ وسهولة رؤيته والوصول إليه رغم مكانته العالية ومنزلته الرفيعة، فقال للدكتور الشويعر: سبحان الله! هذا الشيخ ابن باز الذي نسمع عنه ونتمنى رؤيته، وبدون حجاب ولا حراس!. [7]
وفي عرفة في حج عام 1418هـ كان جالسًا في المُصَلَّى، ومئات الناس حوله، فجيء له بفاكهةٍ مُقَطَّعةٍ؛ لأن عادته في المشاعر في الحج أنَّه لا يأكل في الغالب إلا الفاكهة، والتمر، واللبن، فلما وُضِعَ أمامه قال: أكلُّ الحاضرين وُضِعَ لهم مثل هذا؟ قالوا: لا، فقال: أبعدوه، وغضب. [8]
ومن تواضعه - رحمه الله: تلبية دعوة طلابه ومحبيه، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، فقد بلغ عدد المناسبات التي شارك فيها الشيخ في آخر عامٍ من حياته في مدينة الرياض نحو ستين مناسبة. [9]
يقول منصور اليحيى: "لقد حصل لي الشرف الكبير في مقابلته - يرحمه الله، ففي يوم من الأيام دُعِيَ إلى وليمة فلم يتردد في تلبية الدعوة، سواء من كبير أو صغير. ودعاني صاحب الوليمة وحضرت، وكنت مِمَّن استقبل الشيخ - يرحمه الله، فكان إنسانًا متواضعًا، يجلس بين الناس، فأول ما صل إلى مكان الدعوة بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ، وبدأ بإلقاء المواعظ والتذكير والحث على الصلاة في المساجد وتربية الأبناء تربية سليمة... إلخ، وبعدما انتهى لم يجلس صامتًا بل فتح قلبه لمن أراد أن يستفتي فتدفق عليه جمع من الحضور للسؤال عن أمور دينهم وآخرتهم فما كان منه أن لبى لهم ولم يكن ليتذمر أو يتضجر منهم بل كان مسرورًا ومستعدًا لفتياهم لو ظلوا طوال الليل حتى تم تجهيز وجبة العشاء فتقدم صاحب الدعوة لسماحته - يرحمه الله - وأخذ بيده إلى مكانه والحضور من حوله على مائدة الطعام تكاد لا تراه أو تعرفه من بين الحضور هذا دليل تواضعه، ولم يكن له مكان مستقل بل بين أبنائه من المسلمين". [10]
كما كان سماحة الشيخ - رحمه الله - مُبْغِضًا للمديح، سواء كان في وجهه، أو من ورائه، فحين أخذ مُقَدِّمُ إحدى المحاضرات في مدح الشيخ والثناء عليه قال له أحدُ الحضور: اتَّقِ الله في نفسك، ألا تعلم أن الشيخ يكره المدحَ والثناءَ في الوجه؟ فقال سماحته: وأكرهه كذلك من خلف ظهري.
وأراد أحد تلاميذه أن يُلَقِّبه بـ (شيخ الإسلام عبدالعزيز)، فرفض الشيخُ وقال: يكفي أن تقول لي: عبدالعزيز بن باز.
ولما مدح الشيخُ محمد تقي الدين الهلالي المغربي سماحةَ شيخنا - رحمه الله - بقصيدةٍ، ونشرها في مجلة الجامعة السلفية في بنارس الهندية؛ كتب سماحته للمجلة استنكاره لذلك وتكدّره، ونشر مقالًا جاء فيه: وإني أبرأ إلى الله من الرضا بذلك، ويعلم الله كراهيتي له، وامتعاضي من القصيدة لما سمعتُ فيها ما سمعت. [11]
يقول الشيخ محمد صالح المنجد: 
"من تواضع الشيخ ابن باز - رحمه الله - أنه يقوم فيمشي إلى النساء الواقفات ببابه لقضاء حوائجهن من مال أو سؤال ونحو ذلك، وأوقف مرّة نقاشاً مع علماء كبار ليجيب على امرأة بالهاتف فلما عاتبه بعضهم قال هذه صاحبة حاجة". [12]
وبعدُ، فهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ، وإلا فالأمثلة على تواضع الشيخ - رحمه الله - كثيرة يصعب حصرُها.

زهده وعفته

الزهد والعفة خلقان كريمان حثَّ نبينا عليه الصلاة والسلام على التَّحلِّي بهما، فقال عن الأول: ازهد في الدنيا يُحبُّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يُحبُّك الناس[1]، وقال عن الثاني: مَن يستعفف يُعِفَّه الله[2]. وكان من دعائه ﷺ: اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى[3].
ولقد وعى عقل سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - ذلك، وأدرك مراد الله تعالى من قوله: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[الأنعام: 32]، فتعلَّق قلبُه بالآخرة، وانشغل بما يقربه من رضا ربه، فكان الشيخ كما وصفه أحدُ تلاميذه: "ليس فيه من صفات أهل الدنيا إلا أنه يعيش بينهم، وإلا فأنت والله ترى رجلًا من أهل الآخرة، قلبه هناك، وفؤاده هناك، يجلس إلى الناس وقلبه في الملأ الأعلى، ويتحدث معك وروحه مع خالقه". [4]
فقد نظر إلى الدنيا نظرة حكيم، وتعامَل معها تعامُل خبير، فرأى كلَّ مُتعها زائلة، فاستعان عليها بالله، وأخذ ما يرضيه سبحانه ولو كان قليلًا، وترك ما يجلب سخطه وغضبه وإن كان محبوبًا إلى النفس.

بيته ومكتبه:
حين تدخل بيت سماحة الشيخ لا تجد فيه شيئًا فخمًا غالي الثمن يجذب الأنظار، وإذا عرَّجت على مكتبه وجدته متواضعًا، لا يليق أبدًا بمكانته الدينية والعلمية والاجتماعية، بل لا يليق بمن دونه في العلم والمنزلة، ولكنه - رحمه الله - آثر ما عند الله، ورضي بالقليل المُوصِل إلى رضاه، حتى إنه حين عرض عليه بعضُ الوجهاء تغيير أثاث بيته في مكة بأحدثَ منه، أَبَى وقال: "لنا في هذا البيت ست عشرة سنة، ولا ندري ماذا بقي من أعمارنا؟!"، فلما كثر الإلحاح عليه وقيل له: إن أثاث المجلس غير صالح، شكَّل لجنةً من خمسة أشخاصٍ، وقال لهم: "اجتمعوا واكتبوا ما ترونه"، فاجتمعوا وتم إصلاح الأثاث. [5]
ولم يكن بيته في مكة ملكًا له، بل كان مستأجرًا، وحين ترجاه أحد تلاميذه - وهو الشيخ ناصر الزهراني - أن يشتريه لسماحته، رفض - رحمه الله - مؤثرًا صرف الأموال فيما يعود بالنفع على المسلمين. [6]
وعندما وهبت الحكومةُ لسماحة الشيخ قطعة أرضٍ في طريق العزيزية بمكة في موقع متميز، لم يفكر في استغلالها في بناء بيت فخم، أو عمل مشروع تجاري كبير، بل استغلها - رحمه الله - فيما ينفع المسلمين؛ فأقام عليها مسجدًا جامعًا كبيرًا، مؤثرًا مصلحة المسلمين على مصلحته [7]، فيا له من زاهدٍ قلَّما يجود الزمانُ بمثله.

يسأل عن رواتب الفقراء ولا يسأل عن راتبه:
بلغ من زهد الشيخ - رحمه الله - أنه لم يكن يسأل عن راتبه، أو مقداره، أو ينشغل بتأخر صرفه، ويحرص على صرف رواتب الفقراء والمساكين في أوقاتها، ويسأل الشيخ عبدالرحمن بن عتيق - المسؤول المالي لسماحته - عن ذلك؛ ليتأكد بنفسه من وصول الأموال إلى مستحقيها. [8]

يُسْقِط الدَّيْنَ عمَّن اقترض منه:
كان الشيخ - رحمه الله - يُنفق إنفاق مَن لا يخشى الفقر، فيُقْرِض المُعْسِرين، ويفكّ كربَ المكروبين، ويُسارع إلى إغاثة مَن لجأ إليه، ثم لا يسعى إلى استيفاء أمواله منهم، بل مَن أتى وسدَّد دَينه قَبِلَ منه، ومَن ساءتْ أحواله، وتعسَّرتْ أموره؛ بادر إلى إسقاط الدَّيْن عنه، ومن ذلك: إرساله كُتبًا إلى بعض مَن أقرضهم يُخبرهم فيها بإبرائهم من الدَّين قائلًا: "أخشى أن يُفاجئني الأجل، وأُحب أن أخبركم أنني قد سامحتكم، وأبرأتكم، ولم يبق لي عليكم شيء".
وقبل وفاته - رحمه الله - بثلاث سنوات أقرض شخصًا سبعمئة ألف ريال، ثم أرسل إليه يُخبره أنه قد أسقط الدَّين عنه، فتعجب كاتبُه من ذلك، فقال له: "يا ولدي، لا تهمك الدنيا، أنا بلغت من العمر سبعًا وثمانين، ولم أرَ من ربي إلا خيرًا، الدنيا تذهب وتجيء، وفَرْقٌ بين مَن يُتوفَّى وعنده مئة مليون، ومَن يُتوفَّى وليس لديه شيء؛ فالأول ثقيل الحساب والتَّبِعَة، والثاني بعكس ذلك كله". [9]

قصر رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة:
زار الملك فيصل - رحمه الله - سماحة الشيخ في المدينة النبوية بعدما تولى الشيخ رئاسة الجامعة الإسلامية، ورأى الملكُ الحال التي عليها الشيخ، فأمر ببناء قصر للشيخ يتناسب مع مكانته الدينية والعلمية والاجتماعية، فلما تم البناء، وأراد القائمون عليه أن يجعلوا صك القصر باسم الشيخ، رفض - رحمه الله - وفضَّل أن يكون صك القصر باسم رئيس الجامعة الإسلامية؛ ليسكنه كل مَن يتولى هذا المنصب من بعده. [10]
فيا له من زهد تعجز الكلمات عن وصفه، يفر الشيخ من الدنيا ويدفعها عن نفسه ورغم ذلك تأتيه صاغرةً، فكلما دفع شيئًا من زينتها أتاه ما هو أعلى منه محاولًا إغراءَه، ومع ذلك فالشيخ على حاله، لا تُغيره المظاهر الخلابة، أو الزخارف البراقة، فرحمه الله رحمةً واسعةً.

يأخذ جيرانُه جزءًا من أرضه فيرضى:
اشترى الشيخ - رحمه الله - قطعة أرض، وجعل عليها وكيلًا له يقوم بشؤونها، فأتاه وكيله ذات يوم وأخبره أن جيرانه أخذوا جزءًا من أرضه، فقال رحمه الله: عساهم راضين، عسى ما في خاطرهم شيء؟ فقال الوكيل: أقول: أخذوا من أرضك! فقال: نحن والحال سواء، الباقي سيبارك الله لنا فيه. [11]
هذا مع كون الشيخ كان قادرًا على أخذ حقه كاملًا منهم، فبكلمةٍ واحدةٍ منه لولي الأمر كان يمكن أن يُفْعَل بجيرانه الأفاعيل، لكنه - رحمه الله - كان سمح النفس، فلم تكن الدنيا عنده تساوي شيئًا، أو تستحق أن يحزن المرء على ما فاته منها، فليأخذ منها مَن شاء ما شاء، فالشيخ - رحمه الله - جعل الدار الآخرة وجهته، ويَمَّم نحوها قصده، وحرص على عدم المنافسة على الدنيا.

جائزة الملك فيصل:
رُشِّح الشيخُ - رحمه الله - لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، وحين أُعْلِنَ فوزه بها وحصوله على مبلغ مالي كبير، لم يفكر في استخدام هذا المال في مصالحه الخاصة: كشراء أرض، أو بناء بيت، أو توسعة على الأهل والأولاد، بل كان يحمل هَمَّ الإسلام والمسلمين، ويفكر في وضع المال فيما يعود عليهم بالنفع، فأعلن عند استلامه الجائزة تبرعه بقيمة الجائزة إلى دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، تلك الدار التي تقوم بتعليم أبناء المسلمين الوافدين إليها من شتى أنحاء الأرض السنة النبوية دون مقابل مادي، بل تقوم بالإنفاق على المتعلمين وسدِّ حاجاتهم الضرورية، فكان الشيخ عونًا لها على القيام بمهامها، شاعرًا بقيمة ما تقدمه للإسلام والمسلمين، وهو في ذلك يُقَدِّم مصالح المسلمين على مصلحته الشخصية، فلم يغتر بهذا المبلغ الكبير، أو يبخل به على الإسلام وأهله. [12]

عفيف اللسان والجوارح:
تميز سماحة الشيخ - رحمه الله - بعفة نفسٍ، وتنَزُّهٍ عن الفُحْشِ، سواء كان قوليًّا أو فعليًّا، وترفع عن مجاراة السفهاء والحَمْقَى، فلم يُسْمَع في يومٍ من الأيام يسُبّ أحدًا أو يعيب شيئًا، يقول مدير مكتبه الشيخ محمد الموسى: "لم أسمعه أو أسمع عنه أنه مدح نفسه، أو انتقص أحدًا، أو عاب طعامًا، أو استكثر شيئًا قدَّمه للناس، أو نهر خادمًا". [13]
وكان يقابل الغلظة والشدة التي تظهر من بعض الوافدين إليه بالرفق والعفو، ولين الكلام وحُسن الفِعَال، يقول تلميذه الدكتور حمد الشتوي: "إن عفته في الدنيا كان يصحبها عفة لسانه ومنطقه وقلمه، فلا تراه إلا محوقِلًا أو مُسترجعًا، أو داعيًا بالهداية والصلاح والتوفيق وحسن العاقبة، فما سمعته -بل ما سمعه أحد قط- وهو يجفو في القول، أو يغلظ في الكلام، وإنما يأخذ بالحسنى، فإذا ضاقت الحسنى، وعاند المقابل، ولَجَّ في خطئه، بادر الشيخ بمجملات القول في الرد والمنع والزجر والردع، وقد يطالب الجهات المختصة بإجراء ما يلزم في حقه". [14]
والشيخ في كل ذلك يقتدي بنبينا ﷺ ويتمثَّل هديه في حياته كلها.
وقد دخل عليه أثناء عمله في قضاء الدلم رجلٌ كثير السِّباب، جعل يسُبُّ الشيخَ ويُسيء إليه، والشيخ ساكتٌ لا يرد عليه، يظن مَن رآه أنَّه فقد النُّطق، ولكنها العفَّة التي أسكتته، وطهارة القلب التي منعته من مجاراة السفهاء. [15]
فالشيخ لم يركن إلى الدنيا، ولم ينافس عليها، ولم يسعَ إلى نيل شيءٍ من حُطامها، بل كان يبتعد عنها، ويزهد في كل ما فيها، ولا يسعى إلا فيما يُرضي الله تعالى، فرحمه الله ورضي عنه.

حلمه وعفوه

(الحلم سيد الأخلاق) هكذا عبَّر العربُ قديمًا عن منزلة الحلم بين الأخلاق عامَّةً، فجعلوه سيدًا لها، وما ذلك إلا لعظم منزلته، وكبير أثره، مع صعوبة تحصيله.
وقال النبي ﷺ لأشج عبدالقيس : إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة.
ونحسب أن الشيخ ابن باز - رحمه الله - قد توفرت فيه هاتان الخصلتان وزاد عليهما صفة العفو، تاركًا الانتقام لنفسه، راغبًا فيما عند الله من ثوابٍ.
وفيما يلي استعراض مظاهر ذلك:

لا يزيده جهل الجاهلين إلا حلمًا:
لم يتخلَّ الشيخُ - رحمه الله - عن حلمه وأناته طيلة حياته، حتى في أشد الأزمات، وأصعب المواقف، من ذلك ما وقع له في ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 1412هـ، فقد صلَّى سماحته صلاة التراويح في المسجد الحرام، وبعد انتهاء الصلاة علم الناسُ بوجوده؛ فسارعوا إليه لرؤيته والسلام عليه، وتزاحموا عليه حتى ضاق نَفَسُه، وجعل يتصَبَّب عَرَقًا؛ فرُفِعَ على كُرسيٍّ ليشم الهواء، وبصعوبةٍ استطاع المرافقون لسماحته أن يُفسحوا له الطريق كي ينصرف، فما وصل إلى سيارته إلا وقد اسودَّ ثوبُه الأبيض من شدة عرقه وتزاحم الناس عليه، وبلغ به الجَهْدُ مبلغه، ومع كل هذا لم تُفارقه سكينته وهدوءه، وكان يبتسم ويقول: "هداهم الله". [1]
وقبل وفاته بعامين جاءه رجل وهو في مجلس بيته بالطائف بين ضيوفه وزواره طالبًا شفاعته للحصول على مالٍ ليتزوج، فجعل يحتدّ على الشيخ ويرفع صوته، فقال له الشيخ: "اذهب إلى فلان في بلدكم الفلاني، واطلب منه أن يكتب لكم تزكية ويقوم باللازم، ثم يرفعه إلينا، ونحن نكمل اللازم، ونرفع إلى أحد المحسنين في شأنك"، فقال الرجل: يا شيخ، ارفعها إلى المسؤول الفلاني - يعني أحد المسؤولين الكبار. فقال سماحة الشيخ: "ما يكون إلا خير"، فرفع الرجل صوته وأخذ يكرر: لا بد أن ترفعها إلى فلان. والشيخ يلاطفه ويرفق به ويعده بالخير، حتى تضايق الحاضرون، وبدا الغضب على وجوههم، وهمَّ بعضُهم بإخراج الرجل، لكنَّهم تأدَّبوا بحضرة الشيخ، فلم يُقْدِموا على عملٍ بين يديه دون إذنه، فقال الرجل: يا شيخ، عمري يزيد على الخمسين، وما عندي زوجة، وما بقي من عمري إلا القليل! فتبسم سماحةُ الشيخ وقال: "يا ولدي، إن شاء الله ستتزوج، ويزيد عمرك - إن شاء الله - على التسعين، وسنعمل ما نستطيع في تلبية طلبك"، فهدأ الرجل، وقَبَّل رأس سماحة الشيخ، وجعل يدعو له، فلما أراد الانصراف ألحَّ عليه الشيخُ كثيرًا في تناول الغداء معه، لكنه اعتذر لارتباطه بموعدٍ.
وقد تعجَّب الحاضرون من حِلْم الشيخ وصبره على الأذى، وتعلَّموا من سماحته درسًا عمليًّا في فضل الحلم، وحميد عاقبته. [2]
وحين كان الشيخ قاضيًا للدلم دخل عليه رجلٌ وهو يُدَرِّس لطلابه في الجامع، وجعل الرجلُ يُخاطب الشيخَ بصوتٍ مرتفعٍ قائلًا: قم افصل بين الناس، قم واترك القراءة. فلم يزد الشيخُ على أن قال لأحد طلابه: "قم يا عبدالله بن رشيد وأخبره أن يأتينا عندما نجلس للقضاء بعد الدرس". [3]
وبينما الشيخ في مجلس بيته في أحد الأعياد إذ دخل عليه أحدُ المقيمين عنده من الذين يتولى الشيخ الإنفاق عليهم، وجعل يرفع صوته قائلًا: لماذا ما أنهيتم إجراءات إقامتي؟! فقال أحدُ كُتَّاب الشيخ: يا شيخ، هذا طبعه دائمًا، صدره ضيق، ومماحكاته كثيرة! فقال له الشيخ: "هؤلاء مساكين وأغراب، ولا يعرفون مصطلحاتكم، فارحموهم، وارفقوا بهم، وتحمَّلوهم، ألم تسمعوا قول النبي ﷺ: اللهم مَن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومَن ولي من أمرهم شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه؟!". [4]
هكذا كان سماحة الشيخ - رحمه الله - فكثيرًا ما يُسيء إليه أحدُ الناس ويُغلظ له القول، وهو لا يُغيِّر من حلمه وصبره على الأذى، وغاية ما يُقابل به المسيئين إليه هو الدعاء لهم بالهداية، وإرشادهم إلى ذكر الله تعالى، وحُسن عرض مشكلاتهم.

لا ينتقم لنفسه ولا يحمل ضغينةً لأحدٍ:
امتاز الشيخ - رحمه الله - بصفاء قلبه، ونقاء سريرته، فما انتقم لنفسه ولا حمل في صدره ضغينةً لأحدٍ، ولا سعى في الإضرار بأحدٍ لأنَّه أساء إليه، بل كان يعفو ويصفح، ويدعو الله لمن أساء إليه بالمغفرة والهداية.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن يوسف: "أخبرته برجلٍ اغتابه سنين عديدة، مُتَّهمًا إياه بصفات بذيئة، ونعوت مرذُولة، وأنه يطلب منه السماح والعفو، فقال: "أما حقِّي فقد تنازلتُ عنه، وأرجو الله أن يهديه ويُثبته على الحق". [5]
وجاءه رجل ذات يوم وقال له: يا شيخ لقد اغتبتُك فحللني! فقال الشيخ: "ظهري حلالٌ لكل مسلمٍ".
يا الله! إنه العفو في أعلى صوره، وقليل مَن يستطيعه.
وقيل له في إحدى المحاضرات: إن الشيخ (فلان) يقول: إنك مبتدع! فما رأيك؟ فقال - رحمه الله: "هو عالم مجتهد". [6]
بل وصل الأمر بأحد الناس إلى تكفير الشيخ ولعنه، ومع ذلك دعا له الشيخ بالهداية، ولم يُسئ إليه أو يذكره بسوءٍ.
يقول الأستاذ سعد آل تميم الدوسري: شهدت الشيخ ابن باز ورجلٌ يقول له: إن فلانًا يُكفرك! فيُجيبُه: "الله يهديه، الله يهديه". فيقول الرجل: هو يلعنك لعنًا! فما زاد على قول: "الله يهديه، الله يهديه". [7]
وذات يومٍ شرع الشيخُ في إملاء كتابٍ في نصح أحد الناس وتوجيهه، بعدما بيَّن له بعضُ طلبة العلم أخطاء ذلك الشخص وبعض المخالفات التي عنده، وفي أثناء الإملاء قال أحدُ الطلبة: وإنه يا شيخ يتكلم فيك، وينال منك! فقال الشيخ للكاتب: "قف". ومزَّق الكتاب؛ خشية أن يُقال: إن الشيخ ينتقم لنفسه. [8]
وأخذ جيرانه جزءًا من أرضه الزراعية، فلما أخبره وكيلُه على الأرض بذلك قال: "عساهم راضين، عسى ما في خاطرهم شيء"، فقال الوكيل: يا شيخ، إنهم دخلوا على أرضك وأخذوا منها! فقال الشيخ: "الباقي منها فيه بركة، المهم أن الجيران راضون". [9]
وكثيرًا ما كانت تأتيه رسائل من أشخاص اغتابوه أو كذبوا عليه أو طعنوا في دينه أو منهجه، ويطلبون منه العفو والمسامحة، فيُجيبهم إلى ما طلبوا، ويزيدهم الدعاء لهم بالهداية والمغفرة.
قال الدكتور محمد بن سعد الشويعر: "مع ما جبلت نفس الشيخ عليه من برٍّ ووفاء، فإن قلبه لا يحمل غلًّا على أحدٍ، بل يتسامح وينسى الإساءات التي تُوجه إليه، ويُجازي بالإحسان، وما أكثر ما نقرأ عليه رسائل أو تأتيه مكالمات من أناسٍ يعتذرون إليه مما بدر منهم نحوه، ويرجون صَفْحَه عنهم، فيُجيبهم بما يريح قلوبهم، ويُزيل ما في النفس من ندمٍ، ويطلب لهم وله العفو من الله والمغفرة، وأن يعامل سبحانه الجميع بعفوه وإحسانه، وكلنا مقصرون". [10]
وصلته ذات يوم رسالة من المدينة المنورة، يقول صاحبُها: إنني كنتُ من المبغضين لسماحتكم بغضًا شديدًا، وكنتُ أغتابكم، وأزيد مع ذلك النميمة والكذب على سماحتكم؛ حتى يزداد عدد مَن يُشاطرني هذا الشعور مدةً طويلةً، ولكنني الآن أدركتُ خطئي، وتبتُ مما كنتُ عليه نحوكم، فأرجو مسامحتكم والدعوة لي، وإن أردتم أن تقتصُّوا مني جئتُ إليكم في الرياض.
فأمر الشيخ بأن يُكتب له الرد الآتي: "سامحك الله، وغفر لنا ولك، وكلنا مُقصِّرون، ونستغفر الله، وأنا مسامح"، ثم دعا له. [11]
وفي حج عام 1412هـ جاء أحدُ الحجاج برسالةٍ من شخصٍ يذكر فيها أنه أخطأ في حقِّ الشيخ وأساء إليه، ويطلب منه العفو والصفح، فأملى الشيخُ على كاتبه ردًّا أضافه أسفل الرسالة، جاء فيه: "إذا كان ما أشرتم إليه يتعلَّق بي فأنتم مسامحون، وعفا الله عنكم، وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في الدين، والاستقامة عليه، والعافية من شرور الفتن، وسيئات العمل".
وفي عام 1417هـ جاءته رسالة من رجلٍ اغتابه وأساء ذكره، ويطلب منه أن يلتمس له العذر، ويغفر له تطاوله على سماحته، ويدعو الله له بالمغفرة، فرد عليه الشيخ: "سامحكم الله، وعفا عنا وعنكم". [12]
ومن أقوى المواقف دلالةً على حِلم الشيخ وأنه لا يحمل في قلبه ضغينةً لأحدٍ: ما ذكره الشيخ عبدالعزيز بن ناصر البراك، حيث قال: "دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم رجلٌ كثير السّباب، فسَبَّ الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبدالعزيز إلى الحج توفي هذا الرجل، فجُهّز للصلاة عليه في جامع العذار، وكان إمامُه آنذاك الشيخ عبدالعزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم أنه ذلك الرجل تنحَّى وامتنع عن الصلاة عليه، وقال: لا أُصلي على شخصٍ يشتم الشيخ ابن باز، بل صلُّوا عليه أنتم، فلما عاد الشيخ عبدالعزيز بن باز من الحج وأُخبر بموت ذلك الرجل ترحَّم عليه، وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه قال: "إنه مخطئ في ذلك"، ثم قال: "دلُّوني على قبره"، فصلَّى عليه، وترحَّم عليه، ودعا له". [13]

يغفر ولا يعتب:
يتَّضح من خلال ما ذُكِرَ أن الشيخ يعفو ويسامح دون أن يُوجِّه لمن أساء إليه اللوم والعتاب، أو يُؤَنِّبه على ما اقترف في حقِّه، فهو يترك كل ذلك وراء ظهره، ويقبل الاعتذار دون أن يعرف تفاصيل الخطأ، مكتفيًا باعتراف المخطئ بخطئه وإحساسه بالذنب.
من ذلك أن رجلًا شتم الشيخ، ثم ندم وأرسل إليه رسالةً يعتذر فيها عمَّا بدر منه، ويلتمس من سماحته العفو، فما وبَّخه الشيخ، ولا عنَّفه، بل أجابه بالآتي: "أما الكلمة التي صدرت منكم بحقي وندمتم عليها فأقول: سامحكم الله، وعفا عنكم، وليس في نفسي حرجٌ من ذلك، ونسأل الله أن يعفو عنا جميعًا، وأن يُعيذنا وجميع المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يمنحنا الفقه في الدين، إنه خير مسؤول.
وأوصيكم بتقوى الله أينما كنتم، والحرص على حفظ اللسان والجوارح من كلِّ ما يُغضب الله، وبذل الوسع في استعمالها في طاعة الله، وفقكم الله، وأصلح لنا ولكم القول والعمل". [14]
وقبل وفاته - رحمه الله - بأيام قال له الشيخ محمد صالح المنجد: أريدك يا شيخ أن تُسامحني وتحللني؛ فلا يخلو الأمر من خطأ في حقِّك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك. فقال: "مسامح، مسامح، سامحك الله". [15]

يقابل الإساءة بالإحسان:
لم يكن سماحة شيخنا - رحمه الله - يحلم ويعفو فقط، بل زاد على ذلك مقابلة الإساءة بالإحسان، ومما يروى في ذلك: أنه اختلف مع أحد العلماء من خارج المملكة حول بعض المسائل، ثم جاء هذا العالم إلى المملكة زائرًا، فدعاه شيخنا للغداء في منزله ولاطفه وأكرمه، وحضر هذا الغداء بعضُ طلبة العلم، فقال أحدُهم لسماحته: هذا فلان الذي قال فيك كذا! فأسكته شيخنا، وأبى أن يُثار هذا الأمر، وفي نهاية الجلسة قام شيخنا مع الضيف إلى الباب وودَّعه، فقال هذا العالم بعد ذلك لبعض رفاقه: "لو قيل لي أن على وجه الدنيا أحد من السلف الصالح لقلت أنه هذا الرجل". [16]
وهذا أحد العاملين مع سماحته يُرسل إليه خطابًا قاسيًا يتهم فيه الشيخ بظلمه والتقصير في حقِّه، فكان مما جاء فيه: أنت لم تعد تهتم بي، وأنت تُقدم غيري عليَّ، وأنا ظُلمتُ معك، والناس ينتظرون فيك العدالة، وسأقف أنا وأنت بين يدي الله، لقد عملتُ معك مدةً طويلةً فلم أحصل على ترقية وتحسين لمستواي الوظيفي!
فلما قُرئت الرسالة على الشيخ تبسَّم وقال: "الله يُسامحه، لقد أحسستُ بهذه الجفوة فيه، وشعرتُ أن في نفسه شيئًا عليَّ"، ثم قال لكاتبه: "اكتب: من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الابن فلان بن فلان - حفظه الله وبارك فيه - أمَّا بعد، فوالله إنَّك من أحبِّ الناس إلى قلبي، وأنا ليس في نفسي عليك شيء، أما بالنسبة لموضوعك فأنت لم تُكلمني فيه أبدًا، ولكن أرجو منك أن تُغير خطابَك هذا بخطاب آخر تشرح فيه موضوعك، وننظر في الأمر - إن شاء الله - ونجتهد فيه"، ودعا له بالتوفيق والفلاح.
فلما وصل الرد إلى الرجل احمرَّ وجهه من الخجل، وشعر بحرجٍ كبيرٍ، وتأثَّر بموقف الشيخ، فجاء إلى الشيخ معتذرًا ونادمًا، فرحَّب به الشيخ، وأجلسه بجواره، وسمع ما عنده، ودعا له ووعده بالخير". [17]
 
التماس الأعذار:
مما ميَّز الشيخ - رحمه الله - أيضًا أنه كان حسن الظن بالناس، دائم التماس الأعذار لهم، فإن أخطأ في حقِّه إنسانٌ أو قصَّر التمس له العذر؛ فصبر عليه وعفا عنه، فضرب للناس المثلَ وأعطاهم القدوة في ذلك، ومن أقواله حول ذلك: "المشروع للمؤمن أن يحترم أخاه إذا اعتذر إليه، ويقبل عذره إذا أمكن ذلك، ويُحسن به الظن حيث أمكن ذلك؛ حرصًا على سلامة القلوب من البغضاء، ورغبةً في جمع الكلمة والتعاون على الخير، وقد رُوي عن عمر أنه قال: "لا تظن بكلمةٍ صدرت من أخيك شرًّا وأنت تجد لها في الخير محملًا". [18]
وإن مما يُدلل على هذا: أنه أمر ذات يومٍ بإعطاء رجلٍ محتاج مبلغ ألف وخمسمئة ريـال، فأخذ الرجل إيصالَ الصرف وزاد فيه صفرًا، فصار المبلغ خمسة عشر ألف ريـال، وذهب ليصرفه، فوجد مسؤول الصرف خللًا في الإيصال، تمثَّل في اختلاف الأرقام عن الحروف، فالرقم 15000 ألفًا، بينما الحروف تقول: ألف وخمسمئة ريـال، فذهب مسؤول الصرف إلى الشيخ وأخبره، فما كان من الشيخ - رحمه الله - إلا أن أخذ يُسبِّح ويستغفر ويستخير الله في أمره، ثم أمر بإعطائه كامل المبلغ خمسة عشر ألف ريـال، وقال: "لعل الذي حمله على التزوير الحاجة، ولا أظنه إلا محتاجًا". [19]

متى يغضب الشيخ؟
بعد كلِّ هذا الذي تقدَّم يتبادر إلى الذهن سؤالٌ لا بد له من جوابٍ، وهو: متى يغضب الشيخ؟
يُجيب عن هذا السؤال عبدالله بن باز -أكبر أبناء الشيخ- حيث يقول: "عُرف الوالدُ بين الناس وبيننا بالحلم والخصال الطيبة: العلم والصبر والتواضع في معادلةٍ جعلت الناسَ تُحبه، لكنه كبشرٍ وإنسانٍ يغضب، وكان ذلك عندما تُنتهك الحرمات، يغضب غضبًا شديدًا، وعندما يسمع أن هناك ظلمًا وقع على شخصٍ، أو عندما يجد مشكلةً كبيرةً تمس أحد الناس ولا تُتَّخذ فيها خطوة للحل.
وأحيانًا كانت تمر السنة أو السنتان ولا نجده يغضب، لم أره يغضب على العاملين معه، ولم أره يغضب على أبنائه أو أحدٍ في العائلة". [20]
ومن دلائل ذلك: ما أخبر به فضيلة الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، حيث قال: "ومن صراحته في ذات الله أن أحد العوام الجهلة ذبح الذبائح عند عجلات سيارة الملك سعود - رحمه الله - بالصفا ابتهاجًا بقدومه، فقام الشيخ ابن باز يدور والدمع يخنقه، ويصيح بأعلى صوته: إنها حرام حرام، لا يجوز أكلها .. ولما علم الملك سعود - رحمه الله - بفعل الجاهل غضب، وأظنها نُقلت لحديقة الحيوانات، وشكر للشيخ موقفه". [21]
وتحدَّث الشيخ في درسٍ من دروسه عن جواز نكاح الكتابيات بشرطه، وأيَّد ذلك بالأدلة، فقال أحدُ الطلاب: يا شيخ، بعض الصحابة كان ينهى عن ذلك! فالتفت إليه الشيخ وقد احمَرَّ وجهُه وقال: "هل قول الصحابي يُضاد به الكتاب والسنة؟!". [22]
وفي درسٍ آخر قال أحدُ الطلبة للشيخ في حديث: إن أبي وأباك في النار: إن الرسول ﷺ إنما قال ذلك للرجل لتطييب نفسه لا غير! فالتفت الشيخ مُغضبًا وقال: "يُطَيِّب نفسَه بعذاب أبيه؟!". [23]
وفي درسٍ ثالث قرر - رحمه الله - حرمة التصوير، وساق الأدلة على هذا، واستفاض في بيان ذلك الحكم مُفَنِّدًا كل شبهةٍ تُعارض الأدلة، فلما انتهى من تقرير ذلك قال أحد الطلبة: هذه صورك تخرج في التلفاز والجرائد، نراها كل يوم! فرد عليه الشيخ قائلًا: "اتبع الأدلة واترك فعل ابن باز، هل أنا معصوم؟! عليك بالأدلة، خذها واعمل بها، ولا تنظر إلى أفعالي وأفعال الرجال، وأنا لستُ راضيًا عنها [يعني صوره]". [24]
هكذا كان الشيخ - رحمه الله - حليم يعفو في غير معصية الله، فما انتقم لنفسه، ولا أساء لأحدٍ في يومٍ من الأيام، يزينه الحلم، ويُجَمّله الصفح والعفو، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وألحقنا به على خيرٍ.

صبره وتحمله المشاق


الصبر على المرض:
صبر الشيخ ابن باز - رحمه الله - على ما ابتلاه الله به من أمراضٍ، مُحتسبًا أجر ذلك عند ربه، مُداومًا على شكره وذكره سبحانه، فلم يكن يشكو لمخلوقٍ، بل لم يكن يظهر عليه أثر المرض، فكان يُخفي على جلسائه ما يُعانيه من آلام؛ رغبةً في عدم إحراجهم وانصرافهم دون قضاء مصالحهم، فلا يعلم أحدٌ بمرضه إلا إذا اشتدَّ عليه جدًّا ولم يعد يحتمل الألم، هنا يطلب من أحد مرافقيه استدعاء الطبيب، فهو كما قال مستشاره الدكتور الشويعر: "صبور جدًّا، لا يشكو إلا من شيءٍ بلغ غايته".[6]
وكان - رحمه الله - يأخذ بالأسباب؛ فيتعاطى الأدوية التي يُرشده إليها الأطباء، إلى جانب الرُّقى والأدعية التي جاءت في السنة النبوية في حالة المرض. [7]
فكان في مرضه الأخير الذي تلته الوفاة يتألم كثيرًا من معدته، فيضع يده على موضع الألم ويرقي نفسه ويقول الأدعية الواردة في ذلك، يقول الشيخ سعد الداود: "أذكر من المواقف التي لا تُنسى: حينما كنت مرافقًا لسماحة الشيخ، حينما دخل المستشفى بالرياض - مستشفى الملك فيصل التخصصي - حينما شعر بألمٍ في معدته، واضطر إلى أن يتلقَّى العلاج والفحوصات الطبية إلى اليوم الثاني، فحينما كان نائمًا كنتُ أُراقبه طوال الليل وهو نائم، فقام مرةً منتبهًا وبسرعةٍ وهو يُسبح ويُهلل، ثم وضع يده وأخذ يرقي نفسه، وكان ذلك ليلة السبت من يوم 1419/10/13هـ، وكان في تمام الساعة الثانية إلا ثلث، واستيقظ الساعة الثالثة والثلث بسرعةٍ وأخذ يقول: "لا إله إلا الله"، ويُرددها، ثم سبَّح وهلل، وأكثر من الاستغفار، وأطال قرابة عشر دقائق، ثم اضطجع على شقه الأيمن، فغطيته بلحافه، ثم نام، وفي الساعة الرابعة انقلب على ظهره وهو يقول: "لا إله إلا الله"، ثم جلس وأخذ يلهج لسانه بالذكر، ثم وضع يده على بطنه وأخذ يرقي نفسه، ثم أخذ يذكر الله ولمدة عشر دقائق، ثم اضطجع على شقه الأيسر". [8]
لقد كان الهم الأكبر والشُّغل الشاغل لسماحة الشيخ - رحمه الله - قضاء مصالح الناس على اختلاف أشكالها، ولم يكن يسمح لعائقٍ -أيًّا كان نوعه- أن يُعيقه عن أداء هذا الأمر، حتى في حالة المرض لم يكن يتوقف عن أداء مهمته والقيام بواجباته، من ذلك أنه في عام 1410هـ شعر بألمٍ شديدٍ في رجله اليمنى، كان سببه وجود ماء في الساق، مما أدى إلى عدم مقدرته على المشي، واضطر لأخذ إجازة لأيام وملازمة البيت، ولكنه في تلك الأيام أبى أن يركن إلى الراحة، وواصل العمل مع كُتَّابه، حتى إن الشيخ صالح اللحيدان - حفظه الله - حين جاء لزيارته وجد حوله ثلاثة موظفين، مع كل واحد منهم مجموعة من المعاملات يقرأ منها، فقال الشيخ صالح: ما شاء الله يا سماحة الشيخ! ما هذه الإجازة؟! هل هي للراحة أم التعب؟! كل هؤلاء يعرضون عليك! فقال: "أنا لا أرتاح إلا بالعمل؛ لأن راحتي فيه". [9]
واستمر في استقبال المستفتين وأصحاب الحاجات والضيوف، مع تحمّله للآلام والأوجاع، ووضوح مظاهر الإرهاق عليه، حتى قال أحد ضيوفه -وهو الدكتور مساعد بن عبدالله المحيا: "ما زلتُ أذكر في مجلسه بمنزله - يرحمه الله - في الرياض عندما أُصيبت قدمه كيف يتكالب الناس عليه فيصبر ويتحمل ويُشفق عليهم، وهم لا يُشفقون عليه، فهذا سائلٌ يسأل، وذاك صاحب حاجةٍ يرغب أن تُقضى له، وآخر يطلب شفاعته، والهاتف لا ينقطع ولا يهدأ، والطبيب قبل ذلك في المستشفى يرغب منه أن يستريح لعدة أيام، فمظاهر الإرهاق تبدو عليه، ويخشى أن يترتب على ذلك ما لا تُحمد عُقباه، إلا أنه - يرحمه الله - رغبةً في استثمار الوقت فيما يعود على الأمة بالخير يُلح على مَن حوله أن يعرضوا عليه ما لديهم من معاملات، وأن يُحيلوا إليه الاتِّصالات، وفرق كبير جدًّا بين مَن يبحث عن الإجازة المرضية ومَن يرغب عنها عندما يُؤمر بها". [10]
وفي عام 1417هـ شعر ذات يومٍ بألم شديدٍ في معدته، فصبر عليه، وواصل عمله المعتاد دون أن يُشْعِر مَن حوله بألمه، فكان يُجيب أسئلة السائلين الحاضرين عنده أو المتصلين بالهاتف، ويقضي مصالح المسلمين، وألقى درسه المعتاد بعد أذان العشاء، واجتمع مع عددٍ من المشايخ المسؤولين عن دار الحديث الخيرية، وفي صباح اليوم التالي جلس بعد صلاة الفجر كعادته مع كُتَّابه لإنهاء بعض المعاملات.
كل ذلك دون أن يتناول شيئًا من الطعام؛ حيث إنه لم يتغدَّ ولم يتعشَّ ولم يُفطر، وظلَّ متحاملًا على نفسه يومًا كاملًا، إلا أن الألم زاد لدرجةٍ صَعُبَ معها الاحتمال، فطلب من الدكتور الشويعر الاتصال بالمستشفى واستدعاء الطبيب، فجاء فريق من الأطباء، وكشفوا على سماحته، فوجدوا حصاةً في المرارة تستوجب إجراء عملية جراحية، وتم نقل الشيخ إلى المستشفى، وفي اليوم التالي أعاد الأطباء الكشف فلم يجدوا الحصاة، وأخبرهم الشيخ أنه لم يعد يشعر بألمٍ ولله الحمد، فطلبوا من سماحته البقاء في المستشفى عدة أيام لاستكمال الفحوصات الطبية، لكنه أبى أن يبقى إلا يومًا واحدًا فقط، وأصَرَّ بعده على الخروج من المستشفى لمواصلة عمله في قضاء مصالح المسلمين. [11]
وفي عام 1419هـ لم يستطع الشيخ - رحمه الله - الحجَّ بسبب المرض، ومع ذلك لم يتوقف عن العمل، فكان يتصل على الدكتور الشويعر - وقد كلَّفه الشيخ بالذهاب إلى مكة لمتابعة الخدمات المقدمة للحجاج - ويطلب منه أن يقرأ عليه ما معه من معاملات.
وفي آخر ليلة من حياته المباركة أبى أن يستجيب لنصائح الأطباء بالركون إلى الراحة وترك العمل، وظل يمارس عمله على قدر استطاعته، مؤثرًا مصالح الناس على مصلحته. [12]
يقول ابنه عبدالله: "حتى اللحظات الأخيرة كان سماحته - رحمه الله - مجاهدًا حتى لفظ أنفاسه، وقبل الليلة التي توفي فيها كان سماحته متعبًا نوعًا ما، وبرغم ذلك ظل جالسًا بمنزله مع المواطنين عمومًا يستقبلهم وهو متعب، ولم يُوحِ للحاضرين أنه متعب حتى يواصل المسلمون الحديثَ معه، ... وعندما أشرتُ إليه بطريقة غير مباشرة بأن حالته الصحية تحتاج إلى قليل من الراحة رفض ذلك الطلب، وقال لي: لقد خرجتُ من المستشفى لخدمة المسلمين، ويسعدني أن أخدم المسلمين حتى لو كنتُ مريضًا، وراحتي هي خدمتهم". [13]
فراحته - رحمه الله -  لم تكن في النوم أو الاستلقاء على الفُرُش، بل كانت في خدمة الإسلام والمسلمين.

يتحامل على نفسه لإجابة الدعوة:
كان من عادة سماحة الشيخ - رحمه الله - إجابة الدعوة؛ اقتداءً بالنبي ﷺ وامتثالًا لأمره: ائتُوا الدَّعوة إذا دُعِيتُم[14]، وذات يوم كان الشيخ مدعوًّا عند أحد المشايخ المحبين لسماحته، فخرج من بيته وركب سيارته متوجِّهًا لإجابة الدعوة، وأثناء الطريق شعر بألمٍ شديدٍ في رجله اليمنى وصعوبةٍ في تحريكها، فلم يأمر سائقَه بالعودة إلى المنزل، بل أكمل الطريق حتى وصل إلى الدَّاعي، وتحامل على نفسه فنزل من السيارة واستند على مُرافقه، وجعل يجرّ رجلَه جرًّا حتى وصل إلى مكان جلوسه، وتحدَّث إلى جلسائه، وأجاب عن أسئلتهم، وعلَّق على بعض آيات من القرآن الكريم كعادته، واستمر على هذا المنوال إلى نهاية الجلسة، فصبر على الألم وتحمّل الوجع الشديد الذي عانى منه؛ حتى لا يُكدِّر على الداعي والمدعوين صفو الجلسة.
وعاد الشيخ إلى منزله متعبًا، حتى إنه لم يستطع أن يصلي اليوم التالي في المسجد، وصلى في بيته جالسًا من شدة الألم.
وما أن علم الأطباء المحبون لسماحته بعدم مقدرته على المشي إلا وتوافدوا عليه، راجين الله أن يُوفِّقهم للمُساهمة في علاجه. [15]

الصبر على الأذى:
رغم المكانة الكبيرة التي تبوَّأها الشيخ ابن باز - رحمه الله - في قلوب المسلمين، إلا أنه لم يسلم من حقد الحاقدين، وكيد الكائدين من المبتدعة والمارقين وأهل الأهواء، ولكنه كان يُقابل ذلك بالصبر، ممتثلًا قول الله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43].
فقد وصل الأمر إلى تكفير سماحته من أحد أهل الأهواء، فقيل له ذات يوم: إن (فلانًا) يُكَفِّرك! فقال: "الله يهديه، الله يهديه". فقيل: هو يلعنك لعنًا! فأعاد قوله السابق ولم يزد عليه. [16]
وقام جيرانه في الأرض الزراعية التي كان يملكها بالاعتداء على أرضه وأخذ جزءٍ منها، فما غضب عليهم، ولا أساء إليهم، وإنما قال لوكيله حين أبلغه هذا الأمر: "الحمد لله، عساهم راضين، عسى ما في خاطرهم شيء؟" فقال الوكيل: أقول: أخذوا من أرضك! فقال: "نحن والحال سواء، الباقي سيبارك الله لنا فيه". [17]
وفي إحدى اجتماعات مجمع الفقه بمكة احتدَّ عليه أحدُ المشايخ من خارج المملكة حين تحدَّث شيخنا عن علو الله تعالى واستوائه على عرشه، فقام هذا الشيخ وقال: وأنتم الوهابية تقولون كذا وتقولون كذا حول استواء الله على عرشه! فما كان من الشيخ إلا أن صبر عليه وحاول تهدئته قائلًا له: "هداك الله يا شيخ فلان، سبِّح، سبِّح". [18]

يصبر على مزاحمة الناس له في الحج:
اعتاد الشيخ - رحمه الله - مواصلة الحج بصفةٍ مستمرةٍ طيلة 47 عامًا منذ عام 1372هـ إلى عام 1418هـ، فلم ينقطع عن الحج طيلة هذه الأعوام، هذا غير حجاته التي سبقت هذا التاريخ والتي كانت متقطعةً.
وكان من عادته اصطحاب عدد من الفقراء والمساكين والأقارب والمحبين الراغبين في الحج، فيتولى نفقاتهم كاملةً طيلة فترة الحج، وذلك بخلاف من يأتيه من المحبين طالبًا مرافقته في الحج، فلم يكن الشيخ يرد أحدًا، بل يُرحِّب بالجميع، حتى إن عدد الحجاج المصاحبين لسماحته يصل أحيانًا إلى 800 شخصٍ.
وكان الكثير من هؤلاء الحجاج يتزاحمون على سيارة الشيخ يريدون الركوب معه؛ محبةً له، على الرغم من وجود عدد من السيارات المخصصة لنقل الحجيج، فكان الشيخ يجد معاناةً شديدةً في هذا الزحام، ولكنه يصبر ويأمر العاملين معه بالصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى، خاصةً إذا اشتكى له بعضُ العاملين من الزحام وشعورهم بالتَّعب والضيق، فيقول لهم: "الله المستعان، ما هي إلا ساعات وينتهي كل شيء، اصبروا، واحتسبوا، وأبشروا بالأجر الجزيل، وما يُدريكم لعلنا لا نحج بعد عامنا هذا، ستتيسر الأمور، وينتهي كل شيء على ما يرام". [19]
ولم يكن الأمر ينتهي بمجرد الوصول إلى المشاعر والشروع في أداء المناسك، بل إن التزاحم على الشيخ يستمر، لا سيما في خيمته بمنى، يقول الدكتور محمد المجذوب: "لقد دخلتُ سرادقه في منى ذات يوم فإذا هو محاصر بهجمةٍ من الناس، قد أحاطت به من كلِّ صوبٍ، بعضها مُكِبٌّ عليه، وبعضها قائم ينتظر دوره، وهو راضٍ، يسمع ويُجيب، دون أن يبدو عليه أي تذمُّرٍ". [20]
على هذا المنوال استمرت حياة الشيخ - رحمه الله - يصبر ويتحمّل المشاقّ في سبيل الله تعالى، مستشعرًا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ساعيًا إلى نفع أمته بكل ما أُوتي من علمٍ، محتسبًا الأجر عند ربه سبحانه، فرحمه الله وغفر له.
 

أدبه وحسن عشرته

قال عبدالله بن المبارك - رحمه الله: "نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم". [1]
فالأدب مقدَّم على العلم، وما ارتفع إنسانٌ بالعلم وحده، بل لا بد أن يصحبه أدبٌ، فهما كجناحي الطائر.
وقديمًا كان السلف يطلبون الأدب قبل طلبهم للعلم، حتى قال ابن الجوزي - رحمه الله: "كاد الأدب يكون ثلثي العلم". [2]
وقد تفوَّق شيخنا - رحمه الله - على كثير من أقرانه بالأدب الجم، والأخلاق الرفيعة، فكثيرًا ما كان يتجاوز البعض في حقِّه ومع ذلك يعفو ويصفح، ولا يُفارقه أدبه الحسن وعشرته الطيبة، سواء في بيته مع أهله، وموظفيه، وزائريه، أو في سفره مع مرافقيه، وسواء في حال الصحة أو المرض.
ويمكن أن نتلمس هذا الأدب في تعامله مع الفئات الآتية:

تعامله مع أهله:
كان الشيخ - رحمه الله - يحرص على العدل بين زوجتيه، والإحسان إليهما، وإعطاء كل واحدة منهما حقها، حتى إنه كان يحرص في سفره على الاتصال بهما يوميًّا، والاطمئنان على أحوالهما، والتودد إليهما، بل ويُخبرهما أحيانًا بما فعل في يومه، وذلك على الرغم من كثرة مشاغله وتعدد مسؤولياته عملا بقول النبي ﷺ: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي[3].
تقول زوجته أم عبدالله: "كان يحرص - رحمه الله - على العدل دائمًا في كل الأمور، سواء في النفقة أو المبيت، وجميع الأمور، وكذلك في الحج؛ فكنتُ أحج معه سنة وهي سنة، وهكذا". [4]
وتقول زوجته الأخرى أم أحمد: "ما رأت عيناي مثل الشيخ - رحمه الله - في العدل، فوقته موزع بين المنزلين توزيعًا دقيقًا، لا يخلّ به مهما كانت الظروف، كما أنه - رحمه الله - لا تكاد تلمح منه أي ميل أو تفريق في المعاملة أو في النفقة، وكذا في معاملته لأولاده؛ فهو لا يُميز أحدًا على آخر، ذكورًا وإناثًا، وعدله - رحمه الله - يُعدّ بلا شكٍّ أهم الأسباب التي ساهمت في الجمع بين قلوب أبنائه وبين البيتين عمومًا". [5]
فكان - رحمه الله - محبًّا لزوجتيه ولأبنائه كافة، حريصًا على مشاعر الجميع، فلا يتلفظ بلفظ جارحٍ، أو يفعل شيئًا يُسيء إلى أحدٍ، وإن صدر من أحد أهله ما يُغضبه تغاضى عنه وعفا والتمس له العذر.
يقول الشيخ محمد الموسى: "أذكر في يوم من الأيام أنه كان يريد السفر في الطائرة، وتأخرت إحدى أسرتيه التي ستسافر معه في تلك الرحلة أكثر من ساعة، وتأخرت بسبب ذلك الطائرة التي تقله، ومع ذلك لم يَبْدُ على سماحته أي تضجرٍ أو سآمةٍ، بل كنا نقرأ عليه المعاملات دون انقطاع، وكلما مضى عشر دقائق أو ربع ساعة سأل: "هل جاؤوا؟" فإن قيل له: لا، واصل الاستماع.
ولما وصلوا لم يُبْدِ أي تضجرٍ، ولم تبدر منه أي كلمةٍ؛ لأنه يلتمس لهم المعاذير، ويعلم أنهم لم يتأخروا إلا لعارضٍ". [6]
وحرص الشيخ إذا عاد إلى بيته بعد أداء صلاة الفجر وإلقاء الدرس أن يدخل بهدوءٍ ورفقٍ؛ كي لا يُوقظ النائم، وإذا وجد بابَ منزله الداخلي مغلقًا طرقه برفقٍ، وربما يظل واقفًا لدقائق حتى يُفتح له. [7]
كما كان سماحته يوصي بالأهل، وحسن معاملتهم، ويُحذِّر من التقصير في حقوقهم، يقول الشيخ محمد الموسى: "في يوم من الأيام رنَّ الهاتف، فأخذ سماحته السماعة على غير العادة، وإذا هم أهلي يطلبونني، فناولني سماحته السماعة، وأخذ ينتظرني حتى أفرغ من المكالمة، وكنت حريصًا على الاختصار؛ لأن وقت سماحة الشيخ لا يسمح بالإطالة، والمجلس مليء بالحاضرين، وأهلي يعلمون ذلك، والذي حصل أن أهلي سألوني: هل ستتغدى معنا هذا اليوم؟ فقلت: لا. وبذلك انتهى الغرض، ووضعت سماعة الهاتف، فقال لي سماحة الشيخ: "انتهيت من المكالمة؟" قلت: نعم. فقال - رحمه الله: "ما هذا الجفاء؟! أهكذا تكلمون أهليكم؟! أسأل الله العافية". فقلت: يا سماحة الشيخ، المقصود قد انتهى، ولا أريد الإطالة؛ فالوقت لا يسمح. فقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، خيركم خيركم لأهله". [8]

ومن حسن معاملته لأبنائه: أنه كان يحترمهم، ويحنو عليهم، ويُحسن توجيههم برفقٍ وحكمةٍ، ويُكثر من الدعاء لهم، ويعدل بينهم، ويستجيب لدعواتهم، فكان يتغدَّى عند ابنه الأكبر عبدالله في اليوم الأول لعودته إلى الرياض قادمًا من الطائف، وفي اليوم الثاني يتغدى عند ابنه عبدالرحمن، ويتغدى اليوم الثالث عند ابنه أحمد، وكان إذا انتهى من غدائه دعا لهم، فيقول: "أنعم الله عليكم، وأكرمكم الله".
وقد جعل شيخنا لكل زوجةٍ من زوجتيه ولكل واحدٍ من أبنائه مصروفًا خاصًّا به، يُنفق منه على احتياجاته، فإن احتاج أموالًا أخرى أعطاه الشيخ بحسب حاجته ومدى أهميتها دون إفراطٍ أو تفريطٍ.
وكان - رحمه الله - يحرص على الاجتماع بجميع أبنائه شهريًّا، فيُخصص يومين في الشهر للذكور، ويومين للإناث، يُعلمهم فيها العلم الشرعي، ويُجيب عن أسئلتهم، ويطمئن على أحوالهم، هذا بخلاف تفقده لأحوالهم طيلة الأيام الأخرى، فلم يكن الشيخ يحتجب عنهم أو يُغلق بابه في وجه مَن أراد مقابلته والجلوس معه منهم. [9]
قال عنه ابنه أحمد: "كان الشيخ - رحمه الله - يتعامل معنا بلطفٍ ورفقٍ، فهو لا يفرض رأيه علينا فرضًا، بل يعرضه عرض الناصح المشفق، ولا يتعصَّب لهذا الرأي، وكان - رحمه الله - يُجالس أبناءه، ويتعرَّف على مشاكلهم، وقد خصص لنا بعض الوقت مساء للسمر والمحادثة، وكان يحرص على حثِّنا على الأعمال الخيرة، ورغم التواضع والبساطة إلا أن للشيخ مهابةً في نفوس أبنائه؛ نظرًا لما منحه الله من هيبةٍ، فقد كنا نخجل منه رغم بساطته وقربه منا رحمه الله". [10]

تعامله مع جيرانه:
عمل شيخنا - رحمه الله - بوصية جبريل عليه السلام للنبي ﷺ بالجار، فكان يُحسن إلى جيرانه، فيدعوهم إلى طعامه، ويفرح بهم إذا قدموا، ويقول لعُمَّاله: "ادعوهم، لعلهم يستحيون من المجيء إلينا"، ويسأل عن أحوالهم، ويساعد مَن احتاج منهم إلى مساعدةٍ، ويعود مريضهم، ويُصلِّي على ميِّتهم ويتبع جنازته، ويُسامح مَن اعتدى منهم على حقِّه، كما فعل مع جيرانه في الأرض الزراعية التي كان يملكها في الرياض، حيث تعدَّوا على أرضه فأخذوا جزءًا منها، فما كان منه - رحمه الله - إلا أن قال لما علم بالأمر: "عساهم راضين، عسى ما في خاطرهم شيء؟". [11]
كما حرص سماحته على توديعهم إذا أراد السفر، فكان يُسلِّم عليهم في آخر صلاةٍ يُصليها معهم في المسجد قبل سفره، ويُوصيهم بتقوى الله تعالى، سواء كان في الرياض أو مكة أو الطائف. [12]
وكان - رحمه الله - يُعين جيرانه على الخير، حيث كان إذا مشى إلى المسجد لأداء صلاة الفجر يحرص على طرق أبواب الجيران لإيقاظهم، يقول أحد الجيران: قبل خمسة عشر عامًا كنا نقوم لصلاة الفجر على صوت عصاه قبل صوت المؤذن. [13]
وحرص إلى آخر حياته - رحمه الله - على نفع جيرانه، فقد جاءه قبل موته بأيام أحدُ جيرانه في الطائف طالبًا منه أن يسعى في حلِّ مُشكلته المتمثلة في بُعْدِ مكان عمله عن بيته، حيث كان يعمل مدرسًا في مدينة بيشة، وأهله في الطائف، فأملى سماحة الشيخ رسالة شفاعةٍ بشأنه إلى وزير المعارف ليُنقل إلى عملٍ قريبٍ من بيته. [14]

تعامله مع العاملين معه:
أوصى النبي ﷺ بالإحسان إلى العُمَّال والخدم، فقال: إخوانُكم خَوَلُكم - أي خدمكم - جعلهم الله تحت أيديكم، فمَن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تُكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفتُموهم فأعينوهم[15].
لذلك كان سماحة الشيخ - رحمه الله - يُعامل العاملين معه معاملةً كريمةً، تقوم على الحب والاحترام، والنصح والإرشاد للخير، سواء كانوا مستشارين أو كُتَّابًا أو موظفي مكتبٍ أو سائقين أو خدمًا.
فكان يُشعرهم أنهم إخوانه، فيدعوهم إلى طعامه، ويُجلسهم على مائدته، ويتفقد أحوالهم، ويسألهم عن أهلهم وذويهم، ويُعطي كلَّ واحدٍ منهم حقَّه، ويحرص على إدخال السرور عليهم، فيُعطيهم أموالًا زيادةً عن أجورهم في الأعياد، ويُساعد مَن يحتاج منهم إلى مساعدةٍ، ويُبادر إلى توجيههم لتحصيل الخير، فمَن لم يكن متزوجًا نصحه بالزواج وقال له: "تزوج، ونحن نساعدك إذا كنتَ محتاجًا".
ولم يبخل عليهم - رحمه الله - بشيء كعادته مع الناس كافة ومن ذلك أنه يُلبسهم من ملابسه، فذات يوم باردٍ كان الشيخ صلاح الدين عثمان - أمين مكتبة منزل الشيخ - يسير مع شيخنا، وكانت ملابسه خفيفةً، فقال له الشيخ: "ما هذا؟ كيف تلبس هذا الثوب والبرد شديد كما ترى؟!" ثم قال له - رحمه الله: "انتظرني قليلًا"، فدخل منزله وأحضر عباءةً وأهداها له.
ومن باب إدخال السرور عليهم ومراعاة أحوالهم: أن سماحته كان يسمح لهم باستخدام الهاتف في الاتصال بزوجاتهم وأولادهم للاطمئنان عليهم، فذات يومٍ أراد أحدُ السائقين أن يتصل بأولاده خارج المملكة، فاستأذن أحدَ كُتَّاب الشيخ، فقال له: لا بد من الاستئذان من سماحته. فلمَّا تحدَّث الكاتب مع الشيخ في هذا الأمر قال الشيخ: "لعلك منعتَه؟" فقال الكاتب: لابد من إذن سماحتكم. فقال الشيخ: "اتركه يتصل، لا تمنعوهم، ارحموهم، أما لكم أولاد؟! أعوذ بالله، الرسول ﷺ يقول: مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم".
وإذا قدَّم أحدُ الخدم لسماحته طعامًا أو شرابًا كان سماحته يحرص على شكره والدعاء له، وإذا تحدَّث مع الطباخ أثنى على طعامه، وشكره على عمله، ولم يكن سماحته يعيب طعامًا قُدِّم له، بل كان يتبع هدي النبي ﷺ في ذلك؛ فإذا وُضع أمامه الطعام إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، وإن وجد في الطعام عيبًا - كأن يكون لم يُطْهَ جيدًا - فقصارى ما يقول: "إنَّهم لم يُحسنوا صنعته هذا اليوم".
تقول أم أحمد - زوجة سماحته: "منذ أن تزوجتُ الشيخ - رحمه الله - ما سمعته قطّ ينهر خادمًا ولا يعيب أكلًا، فما يُقدّم إليه إن اشتهاه أكله، وحمد الله عليه، وإلا تركه دون أن يعيب فيه، كما أنه - رحمه الله - اعتاد أن يُعطيهم علاوةً على أجورهم (مبالغ معينة) في الأعياد ونحوها؛ إدخالًا للبهجة في أنفسهم". [16]
ومن قصَّر منهم في عمله أو أساء، فإن كان ذلك في حق الشيخ سامحه، وربما نصحه برفقٍ ولطفٍ إن لزم الأمر، وإن كان تقصيره أو إساءته في حق غيره عاقبه الشيخ على قدر ذنبه دون إفراطٍ أو تفريطٍ، من ذلك: تأخر سائقه أحيانًا عن موعده المعتاد، فيلتمس له الشيخ العذر، وينتظره حتى يأتي بلا ضجرٍ أو مللٍ، فإن أتى ركب معه دون أن يُعاتبه أو يُوبِّخه، وإن لم يأتِ ركب مع غيره، فإذا قابله من الغد لم يُعاتبه.
وعلى الجانب الآخر: فقد أقال سماحتُه المسئول عن شئون بيته في المدينة النبوية من عمله -حين كان الشيخ يعمل في الجامعة الإسلامية ويقيم في المدينة- حيث جاء للشيخ ضيوف، وكانت لديه محاضرة خارج البيت، فأوصى المسئول عن شئون البيت بالاعتناء بضيوفه وإحسان ضيافتهم إلى أن يعود، ولكنه قصر في عمله؛ حيث ترك الضيوف ينامون بلا طعام. [17]
وكانت سياسته - رحمه الله - مع كُتَّابه تقوم على العدل بينهم في الوقت المخصص لكلِّ واحدٍ منهم، فلا يأخذ من وقت أحدهم إلا بإذنه، ويُعوِّضه عن ذلك بوقتٍ آخر، فإذا سمع من أحدهم معاملةً أو قرأ عليه قدرًا من كتابٍ انتقل إلى الثاني وسمع منه أيضًا معاملةً أو قدرًا مساويًا لمن سبقه، وهكذا.
وأحيانًا يُخصص لكلِّ واحدٍ منهم وقتًا يُحدده، كأن يجعل لكل واحدٍ منهم ربع ساعة، فإذا انتهوا بدأ بهم مرةً ثانيةً على نفس الترتيب السابق.
وفي مقابل هذه المعاملة الطيبة من سماحته كان العاملون معه يُحبونه حبًّا شديدًا، ويُجلُّونه إجلالًا كبيرًا، ويتفانون في أداء أعمالهم على الوجه الأكمل، بل لا تطيب نفوس بعضهم بالانصراف إلى منازلهم قبل الاطمئنان على سماحته وأنه قد دخل منزله.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن دايل - أحد كُتَّاب سماحته - وقد عمل معه فترةً طويلةً: "لقد كنتُ أعمل معه ليل نهار، وأذهب منذ الصباح الباكر إلى المكتب، وأمكث فيه حتى منتصف الليل، ومع ذلك فأنا أشعر بانشراح صدرٍ، وإقبالٍ على العمل، ورغبةٍ في المزيد، مع أن عملنا معه مرهق جدًّا، إما قراءةً، أو كتابةً، أو إعداد معاملات، أو نحو ذلك، ومع أن إجازتي لما كنتُ مع سماحته في المدينة لم تكن إلا يوم الثلاثاء بعد العصر، وقد لا تحصل في بعض الأحيان". [18]

تعامله مع الأطفال والصبية:
كان الشيخ - رحمه الله - يمتلك قلبًا حانِيًا، ممتلئًا بالرحمة والرأفة على الصغير والكبير، محبًّا الخير للجميع، فإذا جاءه مَن يُسَلِّم عليه ومعه أطفال حرص سماحته على مصافحتهم، وسؤالهم عن أسمائهم ودراستهم، ثم يُتبع ذلك بسؤالهم عن دينهم، كأن يقول للواحد منهم: "مَن ربك؟ ما دينك؟ مَن نبيك؟ ما معنى: لا إله إلا الله؟" وهكذا، فإن أجابوا فبها ونعمت، وإلا لقَّنهم الشيخ الجواب، ودعا لهم بالبركة والصلاح، وربما نصحهم بالإقبال على طلب العلم الشرعي والالتحاق بكلية الشريعة.
يقول الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله الوهيبي: "في صيف العام الماضي 1419هـ ذهبتُ أنا والعائلة لأداء مناسك العمرة، واستقر بنا المقام بضعة أيام ضيوفًا عند أحد الإخوة الفضلاء في مدينة الطائف، وفي أحد الأيام ذهبنا لزيارة سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - في مقره بالطائف، فصلينا معه صلاة الظهر في مسجده (مسجد ابن باز)، وبعد الصلاة تشرفنا بالسلام عليه، ثم قلت له: معي أولادي يريدون السلام عليك يا سماحة الشيخ. فقال: "أين هم؟" ثم سلَّم عليهم، وكان الشيخ الرباني يسألهم عن حفظهم لكتاب الله، ويسأل الله لهم الهداية والصلاح، ولكن الشيخ - رحمه الله - توقف مع الابن الأصغر، وقال له بعد سؤالٍ عن اسمه: "في أي صفٍّ تدرس؟" فقال: في السنة الرابعة الابتدائية. فقال له الشيخ: "من ربك؟" قال الابن: ربي الله. ثم قال له الشيخ: "من نبيك؟" فقال الابن: نبيي محمد ﷺ. ثم قال له الشيخ: "ما دينك؟" فقال الابن: ديني الإسلام. فقال له الشيخ: "لماذا خلقتَ؟" فسكت الابن، فقال له الشيخ: "قل: لعبادة الله". ثم قال له الشيخ: "ما الدليل على ذلك؟" فسكت الابن، فقال له الشيخ: "قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]". [19]
وكان من بركة دعاء الشيخ لهم أن توجَّه عددٌ منهم إلى طلب العلم الشرعي، حتى أصبح منهم الدعاة والعلماء، يقول الشيخ محمد الموسى: "إني أعرف عددًا من طلاب العلم كان سبب توجّههم إلى طلب العلم الشرعي أن سماحة الشيخ نصحهم بطلب العلم، وملازمة العلماء، والتفقه في الدين، والالتحاق بكلية الشريعة، أو المعهد العالي، أو بالشيخ فلان". [20]
كما أتاح سماحة الشيخ - رحمه الله - الفرصة للفتيان للمشاركة في مجالس العلم، وقراءة ما تيسر من الآيات أو الأحاديث، بل والتعليق على ما قرأوا بما لديهم من علم، وكان الشيخ يُسَرُّ بذلك، ويُشجعهم على مواصلة طلب العلم، يقول الأستاذ توفيق بن عبدالعزيز السديري - الوكيل المساعد للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد: "أذكر ذات مساء وكنتُ ابن ستة عشر عامًا تقريبًا، وكنا في مناسبة اجتماعية، فاستأذنتُ من الشيخ وقرأتُ بين يديه حديث بدأ الإسلامُ غريبًا[21]، وذكرتُ بعض ما يدل عليه هذا الحديث، وربطته بالواقع المعاصر للمسلمين، فسُرَّ الشيخ كثيرًا بالرغم من حداثة سني، وتقبَّل بصدر رحبٍ ما قلتُ، وعلَّق عليه تعليقًا مفيدًا، ولم يستنكف وهو العالم الكبير أن يُلقي بين يديه فتى غِرٌّ ليس له من التجربة والعلم ما يُؤهله لحضور مجلس الشيوخ، فضلًا عن الكلام بين يديه، بل إنه - رحمه الله - اغتبط بذلك، ودعا لي، وحدثني على المواصلة في طلب العلم". [22]

تعامله مع عامة الناس:
من الصفات الطيبة والأخلاق الحسنة التي تميز بها الشيخ - رحمه الله - الإحسان إلى الناس، والرفق بهم، وإنزالهم منازلهم، وتحمل أذاهم، ومراعاة مشاعرهم، وعدم التميز عليهم في جلسةٍ أو ملبسٍ أو غير ذلك، فلا يكاد الآتي إليه لأول مرة يُميِّزه من الناس، فهذا رجل جزائري قدم إلى مكة للحج، وأراد أن يسأل عن مسألةٍ ما، فأتى إلى مجلس الشيخ دون أن يعرف أن هذا هو مجلس الشيخ ابن باز، فلما دخل قال للدكتور الشويعر: أريد السؤال. فقال له: هذا الشيخ أمامك فاسأله، قال: ما اسمه؟ قال: الشيخ عبدالعزيز بن باز. فتعجب الرجلُ من بساطة الشيخ وسهولة رؤيته والوصول إليه رغم مكانته العالية ومنزلته الرفيعة، فقال للدكتور الشويعر: سبحان الله! هذا الشيخ ابن باز الذي نسمع عنه ونتمنى رؤيته، وبدون حجاب ولا حراس!. [23]
هكذا كان - رحمه الله - فهو يُراعي مشاعر الناس، ويسعى لإرضائهم وتطييب قلوبهم في غير معصية الله، وما أكثر الدعوات التي كانت تُوجَّه لسماحته - سواء كانت دعوات زواج أو غيرها - فيُجيبها، حتى وإن كان مريضًا أو متعبًا أو مشغولًا، ومن ذلك إجابته لدعوة أحد المشايخ لحضور حفل زواج في مساء يوم عاشوراء، وكان مكان الحفل يبعد عن منزل شيخنا بنحو أربعين كيلو تقريبًا، وكان الشيخ صائمًا في هذا اليوم، ومع ذلك حرص سماحته على الحضور وتلبية الدعوة رغم ما تحمّله من مشقة في سبيل ذلك، حتى إنه لم يرجع إلى بيته إلا الساعة الثانية عشرة والنصف ليلًا. [24]
كما حرص شيخنا كذلك على الصبر على أذى الناس، وتحمّل ما قد يقع من بعضهم من تجاوزات في حقِّه، فكثيرًا ما يزدحم مجلس الشيخ ويقترب بعضُ الناس منه كثيرًا، وربما ضيَّقوا عليه النَّفَس، ومع ذلك لا ينهرهم أو يُوبّخهم، وغاية ما يقول لهم: "ابتعدوا قليلًا".
وأحيانًا توجد من بعضهم روائح غير طيبة -خاصةً القادمين منهم من أماكن بعيدة- فيتحملهم الشيخ، ولا يُشعرهم بذلك.
ورغم طول فترة جلوس الشيخ في المجلس لقضاء حوائج الناس، وكذلك أثناء إلقاء الدروس ونحوها، إلا أنه - رحمه الله - لم يكن يمد رجليه أبدًا؛ أدبًا منه واحترامًا للجالسين معه، رغم أن الأطباء أوصوه بعد إصابته في ركبته سنة 1414هـ بأن يتخذ متكئًا يمد عليه رجله. [25]
وفي الحج يزدحم الناس على الشيخ، سواء في خيمته بمنى أو في السيارة التي يركبها في الطريق أو أثناء المناسك، فيصبر على ذلك، ويوصي العاملين معه بالصبر واحتساب الأجر عند الله سبحانه. [26]
وبعد، فهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ مما تمتع به شيخنا من أدبٍ جمٍّ وحسن معاملة، ولو جعلنا نبحث ونستقصي في ذلك لاحتجنا إلى مجلدٍ كبيرٍ، ولكن حسب المقتدي بسماحته والمقتفي أثره ما تقدم من إشاراتٍ تدل على المقصود، ونسأل الله تعالى أن يُجزل له المثوبة، وأن يُلحقنا به على خير.
 

إيثاره وشفقته

إن من أبرز الصفات التي يلاحظها القادم إلى الشيخ ابن باز رحمه الله صفة الإيثار والمسارعة إلى قضاء الحاجات وقبول الشفاعات، فقد أحب الشيخ الفقراء والمساكين وأدناهم منه وأنفق عليهم، بل وآثرهم على نفسه بما في يده، ولم يتوقف الأمر عليهم، فقد كان بابه مفتوحًا للجميع: يأتيه المُسَلِّمون والمحبُّون وأصحاب الحاجات وطالبو الشفاعات على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، فلا يعدمون من سماحته الترحيب وحسن الاستقبال وقضاء الحاجات.

وتتضح ملامح ذلك في النقاط الآتية:
الإحسان إلى الفقراء والمساكين:
للفقراء والمساكين منزلة كبيرة عند الشيخ رحمه الله فقد أحبَّهم وقرَّبهم منه وأنفق عليهم، ولم يتوقف الأمر عند ذلك ولكنه امتدَّ إلى الإحسان إليهم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فكان شيخنا بالنسبة لهم كالأب الحاني لأبنائه، والمعلم الرفيق لطلابه، حتى سماه أحدهم: أبو المساكين، ولِمَ لا وقد كان الشيخ يُؤثِرهم على نفسه؟ فكثيرًا ما يُعطيهم حتى ينفد ما عنده، ويستدين من أجلهم.
يقول الدكتور عبدالله الحكمي –مدير مكتب سماحته-: "هو أبو المساكين، سعى في رفع معاناتهم، وفك كربتهم، وقضاء ديونهم، وعلاج مريضهم، رحمهم وألان لهم الجانب، فامتلأت دواوين مكتبه بطلباتهم، يُخصص لها الوقت الطويل يدرسها ويبذل الجهد في نفعهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكم من مدينٍ كان سببًا في قضاء دَينه، وكم من فقيرٍ رفع عنه ألم الحاجة، وكم من مسكينٍ فرَّج كربته، بسط لهم مائدته، وأوسع لهم في مجلسه، حتى قال إفريقي فقير رثّ الثياب جاء يسأل عنه في موسم الحج الأخير: أين الشيخ؟ فقيل له: لم يستطع الحج، ماذا تريد؟ فقال: أنا لا أريد منكم شيئًا، ولكني مسكين والشيخ أبو المساكين". [1]
ويقول الدكتور محمد المجذوب: "مع أن الشيخ يعطي كل زائر ومراجع حقَّه المناسب من مجلسه وإقباله، فالملاحظ أن له عناية خاصة بالفقراء والضعفاء، حتى لقد رأيتُ منهم مَن تأخذه نشوة الاعتزاز بما يجده من انبساطه إليه، واهتمامه بشئونه الخاصة، كأنه واحد من أقرب الناس إليه.
ولا أذيع سرًّا إذا قلتُ إن نصيب هؤلاء من الشيخ لا يقتصر على حَدَبِه وتلطفه، بل كثيرًا ما يتجاوز ذلك إلى العون الذي يسد الحاجة، ولو كلَّفه ذلك الحيف على ميزانيته". [2]
ومن القصص التي حُكيت عن الشيخ وأُثرت عنه أن رجلًا من الفلبين أسلم وعندما دخل الإسلام قام أهل طريقة باضطهاده فدفنوا بئره التي كانت عنده وأخذوا ماله وأصبح فقيرًا، فكتب رسالة للشيخ قال فيها بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أرسل إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز حيث أني لا أعلم بعد الله في هذه الأرض عونًا للمنكوبين الفقراء والمعوزين إلا سماحتك أيها الشيخ فإني ارجو من الله ثم منك المساعدة". فقام الشيخ وأرسل له عشرة آلاف ريـال كان قد استدانها من الدولة من راتبة للشهر القادم وأرسلها لهذا المحتاج. [3]
وإنَّ مما دفع الشيخ لذلك: ما جاء في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة في حقهم، والوصية بهم، وكون الشيخ كان واحدًا منهم في بداية حياته ومطلع شبابه، حيث كان وأمه وأخواه يعيشون على الكفاف إلى أن مَنَّ الله تعالى عليه بسعة الرزق.
يقول الدكتور محمد بن سعد الشويعر - مستشار الشيخ: "للفقراء والمحتاجين عند الشيخ منزلة كبيرة، نشأت عنده هذه الحالة منذ كان طالبًا وفقيرًا، واتسعت معه في حياته: اهتمامًا وعطفًا". [4]

كلهم عنده سواء:
لم يُفرِّق شيخنا في تعامله معهم بين السعودي وغير السعودي، فالكل عنده سواء، كما أنه يعطي كلًّا منهم على قدر حاجته، ويُفاضل بينهم في العطاء بحسب ذلك.
يقول الدكتور الشويعر: "كان يسألني عندما نريد الخروج من المسجد عن السائلين، وحالة كلِّ واحدٍ منهم، وعن النساء إذا كان هناك نساء، وهل معهن أطفال؟ فإذا أجبته عن كل حالةٍ رأيته يُمايز بينهم في العطاء، وبحسب العاهة مع الرجل، ولا يمنع العطاء عن أحدٍ منهم". [5]

لا يأكل إلا معهم:
بلغت محبة شيخنا للفقراء والمساكين أنه لم يكن يطيب له تناول الطعام إلا معهم، ولا يرضى أبدًا أن يُهانوا أو يُبعدوا عن مائدته.
يقول الشيخ محمد الموسى: "كان سماحة الشيخ رحمه الله محبًّا للفقراء، عطوفًا عليهم، متواضعًا لهم، حريصًا على مؤاكلتهم، متفقدًا لأحوالهم، صبورًا على ما يلقاه من إلحاحهم، وكثرة حاجاتهم.
ولم يكن يرضى بأن يُهانوا في حضرته، ولم يكن كذلك يقبل كلامًا أو اقتراحًا يتضمن إقصاءهم أو إبعادهم من مجلسه ومائدته.
وهذا الأمر معروف عن سماحته، ومستفيض عند القاصي والداني، ولا تخلو مائدته ومجالسه من الفقراء والمساكين أبدًا.
بل لقد كان كثير السؤال عنهم، وكانوا يزدحمون على مائدته رغبةً في تناول الطعام معه، وكان يُدنيهم، ويسأل دائمًا: "عسى ما نقص عليهم شيء؟".
وكان يقول: "لا تردوهم"، وكنا نردهم أحيانًا؛ لأن بعضهم يجلس على الطعام قبل أن يكتمل تجهيزه، فإذا اكتمل فتحنا لهم الباب، ومع ذلك كان يقول: "لا تردوهم، ارحموهم". [6]
وقال لمن اقترح عليه أن يأكل مع خواصّ موظفيه ويترك مجالسة الفقراء والمساكين على الطعام: "مسكين! هذا لم يتلذذ بالأكل والجلوس مع الفقراء والمساكين". [7]

ويُؤثرهم على نفسه:
إن من أبرز دلائل إيثاره الفقراء والمساكين على نفسه: أنه خرج ذات يوم من المسجد بعد الصلاة فوجد ثلاثة فقراء يسألون الناس، وكان في جيب الشيخ خمسة ريالات، فأعطى كل سائل منهم ريالًا، فتبعه أحدهم طالبًا منه أن يزيده في العطاء، فأعطاه ريالًا آخر، فلما رأى السائل الثاني ذلك تبعه هو الآخر وسأله الزيادة، فأعطاه الشيخ الريال الأخير في جيبه، ثم تبعه الثالث أيضًا وطلب الزيادة، فقال له الشيخ: "ما بقي معي شيء"، ثم أخرج محفظته وقال له: "انظر والله ما بقي معي شيء، ولو بقي معي شيء لأعطيتك إياه". [8]
وما قصة المرأة الفلبينية عنا ببعيد، تلك المرأة التي أخذ النصارى زوجها وألقوه في بئرٍ فمات، فلم تجد مَن يُنفق عليها وأبنائها اليتامى، فأرشدها الناس إلى مراسلة الشيخ ابن باز، فأرسلت إليه رسالة تروي فيها قصتها، وتطلب منه أن يُعينها، فكتب الشيخ إلى أمين صندوق دار الإفتاء طالبًا منه خصم مبلغ عشرة آلاف ريـال من راتبه وإرساله إلى هذه المرأة. [9]
ويذكر أحد طلاب الشيخ أن امرأة معاقة لا معيل لها أرسلت للشيخ تطلب منه مساعدة وتصف له حالها فاستثار ذلك شفقة الشيخ ورق لحالها؛ فطلب البحث عن امرأة تقوم على خدمتها، كما قام بتأمين راتبها من قبله. [10]
وفي موسم الحج كان سماحته يحرص على اصطحاب الراغبين من الفقراء والمساكين في الحج، فيتكفَّل بمصاريفهم كاملةً منذ خروجهم من الرياض وحتى عودتهم، وقد تصل أعدادهم إلى ثمانمئة حاج من جنسيات مختلفة. [11]

عنايته بطلبة العلم منهم:
اعتنى الشيخ بطلبة العلم الفقراء، فكان يُوفِّر لهم مكان الإقامة، ويُساعدهم في إنهاء الإجراءات الرسمية، ويجعل للمتميزين منهم الجوائز والمكافآت، بل ويبيع ممتلكاته ليُنفق عليهم.
يقول الدكتور الشويعر: "بالنسبة لغير السعوديين الذين لا تنطبق عليهم الشروط، أو تقل مؤهلاتهم عن المستوى الجامعي، فإن الشيخ يُرسلهم إلى دار الحديث الخيرية بمكة التي يرأسها، ويُسهل لهم ما يُعينهم على طلب العلم حسب المرحلة التي تتناسب مع قدراتهم، ويُذلل للطالب الصعوبات من حيث الإقامة والسكن والمكافأة التي تسد حاجته، سواء كان متأهِّلًا أو أعزب". [12]
هكذا رأينا بعض الصور التي ترسم لنا جانب الإيثار والشفقة في حياة سماحة الشيخ، رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
 

اجتهاده في الطاعات

للاجتهاد في الطاعات صور عدة ومظاهر كثيرة، فمن الناس من يتقرب إلى الله تعالى بكثرة السجود بين يديه والصلاة بالليل والنهار، ومنهم من يتقرب بكثرة الصيام، ومنهم من يكثر من ذكر الله تعالى، ومنهم من يتابع بين الحج والعمرة، إلى غير ذلك.
ولقد اجتهد شيخنا - رحمه الله - في جانب العبادة أيّما اجتهادٍ، على الرغم من كثرة مشاغله وتنوع مسئولياته، فكان محافظًا على الصلوات المفروضة في جماعةٍ، إلى جانب محافظته على صلاة التهجد، كما كان مكثرًا من ذكر الله تعالى، ومتابعًا بين الحج والعمرة؛ حيث بلغ عدد حجاته 52 حجة، هذا كله إلى جانب الإنفاق الغزير في سبيل الله تعالى ورعاية الفقراء والمساكين.
كل هذا وغيره جعل تلميذه الدكتور ناصر الزهراني يقول: "لقد اقتدى سماحة الشيخ - رحمه الله - بالنبي ﷺ فهو عابد من العباد، ولي من الأولياء، قدوة للأتقياء، كثير العبادة، دائم الذكر والتسبيح، سريع الدمعة، رقيق القلب، خاشع النفس ...
قال لي أحد الملازمين لسماحته في سرِّ توفيق الشيخ ونجاحه وبصيرته الثاقبة في كثير من المعاملات والآراء والمواقف، قال: ما ظنّك برجلٍ يبيت يناجي ربَّه، ويدعو، ويرجو، ويهتف، ويبكي، ثم إذا ارتفع النِّداء بادر إلى المسجد، ثم صلى الفجر في خشوعٍ وخضوعٍ، ثم أتى بكامل الأوراد، ثم أُتي له بالأوراق كلها، ثم يبدأ بقراءة المعاملات، والنظر في حاجات الناس، ثم قراءة بعض مسائل العلم، ثم قبل أن يخرج من بيته وهو في كامل طهره ووضوئه متطهرًا متطيبًا متسوِّكًا يتجه إلى الله تعالى ويدعوه أن يحفظه، وأن يُعينه، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، أليس مثل هذا حريًّا بأن يكون التوفيق حليفه، والنصر ربيبه، وأجزم أن الشيخ لو علم أنه سيموت في اليوم المحدد والوقت المحدد ما زاد في عمله شيء، فكل وقته لله، وبالله، وفي الله، ومع الله". [1]
وإننا في الأسطر القادمة سنلقي الضوء على بعض العبادات التي اجتهد فيها شيخنا - رحمه الله:

حرصه على الصلاة في الصف الأول:
لم يترك شيخنا - رحمه الله - الصلاة في الصف الأول طيلة حياته، فمنذ صغره وهو يحافظ على الصف الأول حتى عُرِفَ بذلك، وفي شبابه انشغل يومًا بالقراءة في بعض الكتب وتأخر عن إدراك الصف الأول، بل وفاته بعض الصلاة؛ فقام بعد تسليم الإمام ليأتي بما فاته، فنظر إليه الإمام - وهو قاضي الرياض الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وكان أحد مشايخه - وقال كلمةً للمصلين عن أهمية المحافظة على الصف الأول والمبادرة إلى الصلاة فور سماع الأذان، فكان مما قاله: "بعض الناس يجلس في سواليف ومشاغل حتى تفوته الصلاة"، ففهم شيخنا أن شيخه يعنيه بهذا الكلام؛ فتأثر وحافظ على المبادرة إلى الصلاة ولم يتأخر بعد هذا الموقف أبدًا، يقول سماحته: "فعرفت أنه يعنيني بذلك الكلام، فلم أتأخر بعدها أبدًا، وذلك الموقف الذي حصل لي ما أنساه أبدًا". [2]
قال الدكتور ناصر الزهراني - أحد تلاميذه المقربين: "هذا الإمام العابد لا أعرف أنني في يومٍ من الأيام رأيتُه في الصف الثاني أو الثالث، فضلًا عن رؤيته وهو يأتي بركعةٍ أو ركعتين فاتته من الصلاة، كما هو حال كثير منا اليوم، بل كان دائمًا في الصف الأول وراء الإمام مباشرةً، سواء في الصلوات الخمس أو الجمع أو الأعياد أو غير ذلك، لا أعرف في حياته أنني رأيته في غير هذا المقام الأسبق، وهذا سرٌّ من أسرار توفيق الله له، وسببٌ من أسباب البركة العظيمة في عمره ووقته وعلمه ودعوته وجهده ورزقه". [3]
وكان - رحمه الله - مُعظِّمًا لشعائر الله، فما أن يسمع الأذان حتى يترك ما في يده ويُفرِّغ نفسه لإجابة المؤذن، يقول الشيخ محمد الموسى: "كان يقطع الحديث إذا كان يتحدث ويقول لمن يُحدثه أو يُهاتفه: يؤذن؛ ليفهم محدثه أن سماحته سوف يُجيب المؤذن، بل إنه إذا أراد دخول الخلاء وسمع المؤذن وقف قليلًا ليتابع المؤذن، وإذا انتهى من متابعته وأتى بالأذكار الواردة بعد الأذان دخل الخلاء". [4]
ويؤكد هذا أيضًا الأستاذ إبراهيم الشثري الذي روى ما شاهده ذات يومٍ في مجلس شيخنا - رحمه الله - حيث قال: "كنتُ عنده في مجلسه ذات مرةٍ، فاتصل به أحدُ السائلين يريد فتوى، وفي هذه الأثناء أذن المؤذن، فقال للسائل: "الآن نتابع الأذان"، ووضع سماعة الهاتف إلى جواره، ولما انتهى من متابعة المؤذن وقول الدعاء المعروف بعد الأذان، كلَّم السائل، وأجابه على سؤاله". [5]
ويُعلِّق الشيخ عبدالرحمن بن يوسف الرحمة على هذا قائلًا: "ومن خلال مجالستي له بين العشاءين: غالبًا إذا أجاب مثل هذا السائل يتجه مباشرةً إلى المسجد؛ حرصًا على التبكير، ولزومًا للصف الأول، وله في ذلك السبق العظيم، والجهد الكبير، حتى إن كثيرًا من طلبة العلم اقتدوا به في ذلك - رحمه الله". [6]
وكان يوصي العاملين معه والمرافقين له بالمبادرة إلى الصلاة، وعدم الالتفات لأي شيء يشغل عنها إذا ما سمعوا الأذان، فذات يوم كان الدكتور عبدالله الحكمي عند الشيخ، فأُذِّن للصلاة، فلم يسمع الشيخ الأذان، ولما انتهى المؤذن إذا بالدكتور عبدالله يبدأ في القراءة على الشيخ، فقال له الشيخ: لم أسمع الأذان، هل أذَّن؟ فقال: نعم، الآن أذن، فقال الشيخ: أتعمل وقد أذَّن؟! الصلاة، الصلاة. [7]

كم مرة فاتته صلاة الفجر؟
كما تقدم فإن شيخنا - رحمه الله - كان شديد الحرص على أداء الصلوات المفروضة في جماعةٍ، ولم يتخلَّف عن صلاة الجماعة حتى في أوقات مرضه ودخوله المستشفى، فكان يذهب إلى أقرب مسجد للمستشفى إن كانت حالته تسمح، فإن كان المرض شديدًا جمع مرافقيه والعاملين في المستشفى وصلى بهم.
وكان من عادة الشيخ أن يستيقظ قبل الفجر بنحو الساعة، فيتهجد ويذكر الله تعالى إلى أن يحين وقت صلاة الفجر، حيث يتوجه إلى المسجد لأداء الصلاة في جماعة، ولم يتغير هذا النظام طيلة حياته المباركة سوى مرة واحدة فقط، قام فيها كالمعتاد قبل الفجر، وأدى صلاة التهجد، ولكنه كان متعبًا في ذلك اليوم ولم يستطع النوم إلا في ساعة متأخرة، فلما أنهى صلاة التهجد اضطجع فأخذه النوم، ولم يكن أحد حوله يوقظه للصلاة أو يضبط له المنبه، فلم يستيقظ إلا بعدما انتهت الصلاة في المسجد، يقول الشيخ محمد الموسى: "فخرج علينا، وسأل عن الوقت، فأخبرناه بأن الجماعة قد صلوا ... وبعد أن علم أن الناس قد صلوا صلَّى، وقال للأخوين الزميلين الشيخ عبدالرحمن العتيق والأخ حمد بن محمد الناصر: هذه أول مرة تفوتني صلاة الفجر، وقد نام النبي ﷺ في غزوة خيبر عن صلاة الفجر، وأمر بالانتقال من ذلك المكان، وقال: إن فيه شيطانًا[8]

مداومته على ذكر الله:
كان ذكر الله تعالى بالنسبة لشيخنا كالهواء الذي يتنفسه، فلم يكن يتركه أبدًا، سواء في بيته، أو طريقه، أو مكتبه، أو مسجده، أو سفره، فهو دائم الذكر، حتى وهو على سرير المرض لم يدع الذكر، فمنذ أن يستيقظ من نومه قبل صلاة الفجر إلى أن ينام الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة مساءً لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، سواء بالأذكار المقيدة بأوقات مخصوصة أو المطْلَقة، أو تلاوة ورده من القرآن.
قال الشيخ خالد الشايع: "مَن كان له بعض ملاحظة للشيخ وهديه فقد كان يُلاحظ أنه - رحمه الله - لا يفتر لسانه عن الذكر أبدًا، شغوفًا بتلاوة القرآن والاستماع إليه، فكان يحافظ على حزبه اليومي من القرآن، فيتلوه في كل مناسبةٍ تُواتيه ماشيًا أو راكبًا أو قاعدًا أو مضطجعًا". [9]
فأول ما يبدأ به يومه ذكر الله تعالى؛ فحين يستيقظ لصلاة التهجد يشرع في الذكر من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، ثم يؤدي ما كتب الله له من صلاة الليل، ويظل يذكر الله إلى أن يأتيه صوت المؤذن؛ فيردد خلفه ثم يقوم إلى المسجد، فإذا أدى الصلاة جلس في مصلاه نحو ساعة يذكر الله بأذكار الصباح، ثم يبدأ أعماله اليومية المعتادة، سواء الاستماع إلى المعاملات والرسائل التي أُرسلتْ إليه؛ حيث يقرأها عليه كُتَّابُه، ويُعلِّق عليها الشيخ بما يلزم، أو إلقاء دروسه المعتادة في أيام الدروس، وهو في كل ذلك لا يغفل عن الذكر، ففي الدروس إذا ما شرع أحد الطلاب في القراءة جعل الشيخ يذكر الله تعالى إلى أن ينتهي القارئ، يقول الأستاذ فهد بن عبدالله السنيد: "لقد رأيته أكثر من مرة بعدما يصلي راتبة الفجر يذكر الله حتى يقيم المؤذن لصلاة الفجر، وكذلك رأيته أكثر من مرة في درس يبتدئ القارئ الدرس والشيخ في شغل مع الأذكار". [10]
فإذا انتهى الدرس شرع في الذكر إلى أن يعود إلى بيته ليرتاح قليلًا قبل أن يتوجه إلى مكتبه، ثم يستمر الشيخ في ذكر الله والاستماع إلى المعاملات وإنهائها إلى أن يصل إلى مكتبه، يقول محمد بن سعد الحوطي - السائق الخاص لسماحته: "سماحة الشيخ كان قدوة في كل شيء - رحمه الله، وكان لسانه رطبًا بذكر الله، وكان عند ركوبه السيارة يقوم بالسلام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعند الخروج من البيت نقوم بإخباره أنا خرجنا من البيت، وكنتُ أسمعه يقول هذا الدعاء: بسم الله، توكلتُ على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، وعند الدخول إلى البيت كنت أسمعه كذلك يقول - رحمه الله رحمة واسعة: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا[11].
ولا يتوقف عن الذكر عند هذا الحد، بل يستمر فيه أثناء ممارسة مهام عمله، وحتى بعد عودته إلى بيته بعد نهاية الدوام الرسمي.
يقول الدكتور ناصر الزهراني: "لقد كان الشيخ - رحمه الله - لاهجًا بذكر الله، مترنِّمًا بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، لا يفتر لسانه أبدًا، بل لقد كنت أرمقه وهو يرد على المتصلين فأراه في أثناء إنصاته لحديث المتصل يلهج بالذكر، ولقد كنتُ أنظر إليه بعد انتهاء الصلوات فإذا به لا يقوم من مصلاه إلا وقد أتى بالأذكار كلها، وأطول مدة كان يجلسها في الصلوات هي بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، بعد الفجر لأنه يأتي بأذكار الصلاة ثم يأتي بأوراد الصباح، ... وكذلك الحال بعد صلاة المغرب". [12]
والأعجب من ذلك أن الشيخ لم يكن يتوقف عن ذكر الله حتى أثناء تناول الطعام، فلا يكتفي بذكر الله في أول الطعام وآخره، بل إنه يذكره سبحانه أثناء الطعام، يقول الدكتور سعود بن حسن مختار: "أتيتُ مرة للفتوى فأخذني بعد أن تعرَّف علي إلى طعام الغداء، وجعلني بجواره، فالله يشهد أن لسانه ما فتر وهو على الطعام يقول: الحمد لله. كلما وضع لقمةً في فيه فبلعها حمد الله بدون تكلف، بل يكاد يجري ذلك مع نفسه". [13]
ويقضي أوقات الانتظار في ذكر الله، يقول الأخ عبدالكريم المقرن: "لقد عُرِفَ عن سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - الإكثار من الذكر والتسبيح والتهليل والاستغفار، فذات مرة حضرت مبكرًا قبل التسجيل، فوجدته جالسًا على كرسيه في مكتبة منزله بصحبة الشيخ صلاح الدين عثمان، الذي كان يرافقه دائمًا، فسلمتُ عليه، ورد بأحسن منها، وقبلتُ رأسه، وجلستُ أنتظر مهندس الصوت الزميل فهد العثمان، فكان طوال الوقت مطأطئًا رأسه يذكر الله: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. حتى حضر مهندس الصوت، وبدأنا التسجيل لحلقات برنامج (نور على الدرب)". [14]
ولا شك أن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى نوع من أنواع الذكر، وكان شيخنا - رحمه الله - يكثر منه، يقول الشيخ محمد الموسى: "كان سماحة الشيخ كثير اللجوء إلى الله والافتقار إليه، والتذلل بين يديه.
وكان كثير الدعاء والتضرع إلى الله، وسؤاله كل صغيرة وكبيرة. ومن سمعه وهو يدعو أيقن أن الله سيُوفِّقه، ويُعينه، ويُسدده". [15]
وأثناء الحج يكاد شيخنا لا يتوقف عن الذكر والدعاء، ولا يشغل نفسه بغير ذلك، يقول الدكتور سعود بن حسن مختار: "حججتُ مرةً أنا وبعض الزملاء، وفي أثناء النفرة من عرفات كان الباص الذي يُقِلّ الشيخ بجوارنا لمدة ساعات طويلة، وكانت يداه مرتفعتين طوال وقت النفرة، وهو يدعو بخشوع وخضوع يؤثر فينا أكثر من ألف موعظةٍ، الناس في الباص يتحادثون ويشربون، وهو لا يُحرِّك ساكنًا، يداه مرفوعتان إلى السماء.
وفي موقف آخر صادفته في الصفا يدعو ومعي زوجي وأولادي، ولا يعلم إلا الله كم كان تأثير ذلك على نفوسهم جميعًا، إنه - رحمه الله - بدون مبالغةٍ ولا تقديسٍ ولا إطراءٍ كان من الذين إذا رآهم الرجل ذكر الله". [16]
وفي المستشفى وهو على سرير المرض يعاني الآلام والأوجاع المتكررة يلجأ إلى الله تعالى، ولا يتوقف عن ذكره سبحانه، يقول الشيخ سعد الداود: "أذكر من المواقف التي لا تنسى حينما كنت مرافقًا مع سماحة الشيخ حينما دخل المستشفى بالرياض - مستشفى الملك فيصل التخصصي - حينما شعر بألم في معدته، واضطر إلى أن يتلقى العلاج والفحوصات الطبية إلى اليوم الثاني، فكنت أراقبه طوال الليل وهو نائم، فقام منتبهًا وبسرعة وهو يسبح ويهلل، ثم وضع يده وأخذ يرقي نفسه، وضع يده على بطنه ثم أخذ يرقي نفسه بالقرآن، وكان ذلك ليلة السبت من يوم 1419/10/13هـ، وكان في تمام الساعة الثانية إلا ثلث، واستيقظ الساعة الثالثة والثلث بسرعة وأخذ يقول: لا إله إلا الله، ويرددها، ثم سبح وهلل، وأكثر من الاستغفار، وأطال قرابة عشر دقائق، ثم اضطجع على شقه الأيمن، فغطيته بلحافه، ثم نام، وفي الساعة الرابعة انقلب على ظهره وهو يقول: لا إله إلا الله. ثم جلس وأخذ يلهج لسانه بالذكر، ثم وضع يده على بطنه وأخذ يرقي نفسه، ثم أخذ يذكر الله، ولمدة عشر دقائق، ثم اضطجع على شقه الأيسر، ثم نام واستيقظ الساعة الرابعة ونصف، ثم قام فتوضأ وصلى حتى قبيل الأذان بعشر دقائق أوتر، ولم يقنت، فاستأذنت سماحته بالأذان، فأذن لي، فأذَّنْتُ، ثم أقمتُ، وصلى بنا وحدَّثنا وذكَّرنا بفوائد الذكر". [17]

محافظته على قيام الليل:
سبق أن ذكرنا أن الشيخ - رحمه الله - كان يحرص على الاستيقاظ قبل صلاة الفجر بنحو ساعة، فيؤدي ما كتب الله له من صلاة الليل إلى أن يأتيه صوت مؤذن الفجر، كانت تلك عادته التي لم تتغير طيلة حياته المباركة، على الرغم من أنه أحيانًا يُصاب بأمراض وآلام، وأحيانًا أخرى يسافر لمسافات طويلة، بل ويبيت أحيانًا في الطريق، ويكون مرهقًا ومتعبًا جدًّا، بحيث إن المرافقين له - وهم شباب في مقتبل أعمارهم - لا يستطيعون تحمل ما يتحمله الشيخ، إلا أنه رغم كل ذلك لم يترك قيام الليل، وظل محافظًا عليه إلى آخر حياته.
يقول الدكتور ناصر الزهراني: "يقول أحد تلاميذه: أما صلابة الشيخ ونشاطه في العبادة فالمواقف فيه كثيرة جدًّا: حدثني أحد الدعاة أن الشيخ سافر برًّا من الرياض إلى مكة، أو العكس، فلما جاءت الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل قال الشيخ: ما رأيكم لو نمنا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟. فوافق كل مَن كان معه، حيث غلبهم النوم، ويريدون أن يستريحوا، فلما نزلوا من السيارة كل منهم ذهب إلى ناحيةٍ فنام فيها، أما الشيخ فإنه لما نزل طلب ماء وتوضأ، ثم شرع يُصلي ما شاء الله له، ثم نام، ولما قاموا لصلاة الفجر وجدوا الشيخ قد سبقهم للقيام ووجدوه يصلي! فتعجبوا منه ومن جلده على العبادة، حيث كان هو آخر مَن نام وأول مَن قام، فسبحان الذي أعطاه هذه القوة والعزيمة". [18]
ويقول الأستاذ صالح الهويمل: "يقول أحد كُتَّاب الشيخ: ذهبتُ مع الشيخ إلى مكة، وجلستُ أقرأ عليه المعاملات إلى حدود الساعة الحادية عشر ليلًا، وإذا بالشيخ يقول: يبدو أننا تعبنا، فلنأخذ راحتنا. وحقيقة الأمر أن الشيخ لم يتعب، ولكن تأدُّبًا مع الكاتب الذي معه، فقال الكاتب: نعم يا شيخ، لقد تعبنا. يقول الكاتب: نمتُ بعدما صليت ما كتب الله، واستيقظت الساعة الثانية عشر وإذا بالشيخ يصلي، واستيقظت قبل الفجر وإذا بالشيخ يصلي". [19]
ومما يُذكر في جانب اجتهاد شيخنا في العبادة: أنه حافظ على أداء الصلوات بكيفيتها المعتادة عند سماحته إلى آخر حياته، بما فيها صلاة الليل، دون أن يُخفف الصلاة في أوقات المرض والألم، أو يلجأ إلى الجمع بين الصلاتين في الفريضة، أو يلزم الصلاة قاعدًا.
يقول الشيخ محمد الموسى عن سَمْت شيخنا في الصلاة: "المحافظة التامة على أداء الصلاة كما صلاها رسول الله ﷺ حتى إنه في آخر أيام حياته ومع شدة وطأة المرض عليه كان يصلي صلاته المعتادة، وكأن لم يكن به بأس قط، فصلاته هي هي حتى فارق الدنيا ...
وكان لا يدع قيام الليل حتى في السفر، بل لم يكن يدع قيام الليل حتى ليلة المبيت بالمزدلفة في الحج؛ حيث كان يقوم للتهجد في المزدلفة، فلما سألته عن ذلك قال: "المزدلفة وغيرها سواء في القيام، وإذا قيل لسماحته: إن حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ لم يذكر فيه أن النبي ﷺ قام للتهجد ليلة المزدلفة، فإن سماحته - رحمه الله - يُعلله بأنه ربما خفي على جابر ". [20]

متابعته بين الحج والعمرة:
لم يترك شيخنا - رحمه الله - الحج منذ عام 1372هـ إلى آخر حياته إلا مرة واحدة في عام 1419هـ؛ وذلك استجابةً لنصيحة الأطباء، حيث كانت حالته الصحية في ذلك الوقت لا تسمح بالحج، ولكنه مع ذلك حرص على أداء العمرة في آخر شهر ذي الحجة من العام نفسه.
وليس معنى ذلك أنه لم يحج قبل عام 1372هـ، بل إنه حج خمس مرات قبل هذا التاريخ، كانت في أعوام: 1349هـ قبل أن يذهب بصره، و1351هـ، و1354هـ، و1363هـ، و1368هـ.
يقول الشيخ عن أول حجة له، والتي كانت سنة 1349هـ: "نزلنا في الأبطح في بيت أسرة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، وكنت أذهب للحرم وحدي؛ لأن لدي بقية من النظر، ولم يذهب نظري كله، والناس ذلك الوقت قليل عددهم في مكة، فكنت أذهب إلى الحرم وأطوف وأرجع وحدي، والمطاف قليل جدًّا، والحجاج في تلك السنة عددهم قليل". [21]
فرغم كثرة مشاغله وثقل المسئولية الملقاة على عاتقه إلا أن ذلك لم يمنعه من التقرب إلى ربه بالمتابعة بين الحج والعمرة، ولعلَّ مما أعان شيخنا على متابعة الحج أنه كان في تلك الفترة يقضي مصالح الحجيج؛ فيُجيب عن أسئلتهم، ويستقبل وفودهم القادمة من مختلف البلدان للسلام عليه وطلب المساعدات أحيانًا، ويحل ما قد يقع من نزاعات ومشاكل بينهم.
فلله درّه، كم قدَّم لدينه وأمته من أعمال وخدمات، وكم تقرب لربه بأنواع الطاعات وألوان العبادات رجاء القبول والغفران، ولا غرو، فهذا حال من تعلَّق قلبه بربه، وانشغلت جوارحه بالعمل للآخرة، فرحمه الله، وغفر له، وألحقنا به على خير.
 

ورعه وثقته بربه

أن يعلم الإنسانُ حقيقة حياته في هذه الأرض وأنه مستخلَفٌ فيها، ومهما طالت به هذه الحياة المؤقتة سيصير يومًا إلى عالَم آخر فيه الحياة الأبدية، وبحسب عمله في الحياة المؤقتة يكون جزاؤه في الحياة الأبدية؛ فذلك علم ضروري يوجب عليه أن يعمل لآخرته، ويسعى لنيل رضا ربه، والفوز بجنانه.
هذا ما أيقنه شيخنا - رحمه الله - فلذلك كان ينظر إلى الدنيا نظرة العارف بحقيقتها، العالم بحكمة خِلْقتها، فلم تغرّه بزينتها، أو تخدعه ببَهْرَجها، رغم أنها أتته متزينةً، وسعت إليه راغمةً، إلا أنه تعلَّق بربه وسعى لمرضاته، فلم يأخذ منها إلا ليُعطي غيره، مجتنبًا شهواتها، ومبتعدًا عن فِتَنِها، ومُتخلِّقًا بأخلاق الأتقياء، وسائرًا على درب الأولياء، فالورع سمته، والتقوى خلُقه؛ كذا نحسبه والله حسيبه.
ونجد بعض دلائل ذلك فما يأتي:

إخلاص العمل لله:
حرص سماحة الشيخ - رحمه الله - طيلة حياته – كما نحسبه والله حسيبه - على أن تكون أعماله خالصةً لله تعالى، فلم يسعَ في يوم من الأيام لنيل شهرة، أو الفوز بجائزة، أو كسب قلوب الناس والفوز برضاهم على حساب دينه، بل كان متوجِّهًا بقلبه وجوارحه إلى الله تعالى، يُراقبه فيما يأتي ويذر، فيمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، مقتديًا في كل ذلك بنبيه ﷺ.
قال الدكتور ناصر الزهراني: "لم يكن الشيخ - رحمه الله - باحثًا عن سمعةٍ، أو لاهثًا وراء المديح، أو متطلعًا للثناء، بل كان في كل ما يعمل وما يذر يقصد وجه الله تعالى، كما نحسبه والله حسيبه، وكما علمنا ذلك من واقع المعايشة والمتابعة". [1]
ومن دلائل ذلك: أنه لم يكن يُحب التصدر أو الظهور، لقد بسطت جميع الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية أذرعتها لاحتضان الشيخ، وأشرعت أبوابها لاستقباله، وارتمى كثير منها عند قدمه، فلم تظفر منه بشيءٍ من ذلك، فهو يهرب من الأضواء، ويكره الضَّجيج، ويبتعد عن مواطن الشُّبَه، مهما أُوِّلت له التأويلات، وذُكرت له المبررات.
كما أنه أيضًا لم يكن يسمح لأحدٍ من الشُّعراء والأدباء بإنشاد الشعر في إطرائه أو مديحه، وإذا تجرأ بعضهم على شيءٍ من ذلك فإنه يُوقفه في أثناء القصيدة، ولا يدعه يُكملها. [2]
فذات يوم كتب أحدُ طلبة العلم قصيدةً في مدح الشيخ تجاوزت الخمسين بيتًا، وأعطاها للأستاذ فهد البكران طالبًا منه أن يقرأها على سماحة الشيخ، فلما جلس الأستاذ فهد مع الشيخ أخبره عن أمر القصيدة، فقال له شيخنا: والله لا نرغب في ذلك، ولكن اقرأها، فلما بدأ في قراءتها جعل الشيخ يستغفر ويُحوقل، وكلما قرأ بيتًا زاد استغفار الشيخ وذكره لله، حتى إذا أتم قراءة سبعة أبيات قال له الشيخ: هل تريد نشرها في مجلة الدعوة؟، فقال: إن أذنتم لنا بذلك، قال: لا! لا! مزِّقْها، مزِّقْها، ثم أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى، وهو يستغفر ويُحوقل. [3]
وإذا جاءته رسائل بُدِئَتْ بالمديح والإطراء يقول لقارئيها: اتركوا المقدمة، اقرؤوا المقصود، ماذا يريد صاحبها؟ أنا لا أحب أن أسمع مثل هذا الكلام. [4]
وكان يرفض أن يأخذ مقابلًا على ما يُلقيه من أحاديث إذاعية أو ما يكتبه من مقالات صحفية أو غير ذلك من أمور الدعوة إلى الله تعالى، ويحتسب ذلك عند ربه سبحانه، فقد أرسلت له وزارة الإعلام السعودية سنة 1384هـ مكافأةً ماليةً مقابل ما سجَّلته مع سماحته من أحاديث إذاعية، فرد الشيخُ المالَ وأخبرهم أنه لا يأخذ مقابلًا على العمل الدعوي، كما ردَّ المكافأة المالية التي أرسلتها مجلةُ (منار الإسلام) الإماراتية نظير مقاله الذي نشرته المجلة سنة 1399هـ، وكان بعنوان (خطر مشاركة المرأة للرجل في عمله)، وجاء في ردِّ الشيخ عليهم: وأخبركم أنه ليس من عادتنا أخذ مكافأة على ما ننشره من المقالات في الدعوة إلى الحق. [5]

تورعه في الفتوى:
لم يكن شيخنا - رحمه الله - من أولئك المتعجلين في الفتوى، الراغبين في إظهار علمهم، وأنهم أهلٌ لأن يُسألوا ويحتفي بهم الناس، بل كان متأنِّيًا، يُحسن الاستماع إلى المستفتي، فإذا ما أشكل عليه الأمر ولم يعلم الجواب لم يستحِ من قول: لا أدري، أو الله أعلم، أو ما عندي علم، أسأل إخواني طلبة العلم وأخبركم إن شاء الله، ونحو ذلك.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز العقل: "رغم ما رزقه الله من علمٍ غزيرٍ فقد سمعته عشرات المرات يقول إذا سُئِل: "الله أعلم" في مسائل يُفتي بها سائرُ الناس، فضلًا عن طلبة العلم". [6]
ويقول الشيخ محمد الموسى: "لا يأنف من قول: لا أدري، لا أعلم، أتوقف، فكثيرًا ما يقول ذلك حين يُسأل وهو لا يعلم، سواء كان ذلك في مجالسه الخاصة، أو العامة، أو في المحاضرات، أو المساجد، أو في الإذاعة.
وفي عام 1402هـ كان يُلقي درسًا في الحرم، فسُئل: هل الأنثى مثل الذكر يُحلق رأسها ويُوزن ويُتصدّق بوزنه ورقًا؟ فأجاب - رحمه الله - بقوله: ما عندي علم، أسأل إخواني طلبة العلم وأخبركم إن شاء الله.
ولا أحصي ما يرد بمثل هذا، أو يقول: سنبحث في كلام أهل العلم، أو يُكتب لمعالي الأمين العام لهيئة كبار العلماء لبحث المسألة، أو يعمد بعض طلبته أو بعض الباحثين بذلك". [7]

تورعه في قبول الهدية:
لأن سماحة الشيخ - رحمه الله - كان في عمل حكومي فقد تورع عن قبول الهدايا والمكافآت، وإذا ألح المهْدِي في قبولها وعلم الشيخُ أنه لا يبتغي من ورائها شيئًا؛ قبلها وكافأه عليها بما يناسب مقامه، فكان يقول للعاملين معه: إذا كانت تُساوي مئةً فأعطوه مئتين، وإذا كانت تساوي مئتين فأعطوه أربعمئة، وأخبروه بألا يُقدِّم لنا شيئًا مرةً أخرى.
أما إذا كان مقامُ المهْدِي لا يليق معه إعطاء الأموال ولا يعلم الشيخ ما يُناسبه من الهدايا؛ فإنه يكتب إليه رسالةَ شكرٍ على هديته، ويدعو له، وربما طلب منه ألا يُرسل شيئًا مرةً أخرى بأسلوبٍ رقيقٍ يُراعي مشاعر المهدي ويلقى القبولَ عنده.
من ذلك: أن سفير المملكة في باكستان أرسل إلى سماحته هدايا سنة 1401هـ، فكتب سماحته إليه هذا الخطاب:
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم معالي الشيخ سمير الشهابي، سفير جلالة الملك في الباكستان، جعله الله مباركًا أينما كان، وزاده من العلم والإيمان، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بعده يا محب، تلقيت كتابكم الكريم، وهداياكم الثمينة: العطور، والعود، والعسل، أكثر الله من خيركم، وشكر سعيكم، وجزاكم عنا خيرًا.
والحقيقة أيها المحب أنه ليس بودي أن تتكلَّفوا بإرسال شيءٍ لأمرين:
أحدهما: أنه ليس من عادتي قبول الهدايا؛ لكوني عاملًا، ولا يخفى عليكم ما في ذلك.
والثاني: عدم قيامي بالمكافأة؛ وذلك لعدم معرفتي لما يناسب معاليكم.
وللعجز عن المكافأة نقابل ذلك بالدعاء لمعاليكم بظهر الغيب، فذلك والله مبذول لكم، ونشهد الله على محبتكم، ولا نزال نواصل الدعاء لكم بالتوفيق والسداد والمعونة على أداء ما حملتم.
وأرجو حفظكم الله الاكتفاء بما وصل إلينا أولًا وآخرًا، ففيه الكفاية، ونسأل الله أن يُكافئكم على ما نعجز عن مكافئتكم عليه، وأن يتولاكم بعنايته ورعايته، إنه خير مسئول وأكرم مجيب.
وإذا أُهدي للشيخ طِيب أو سِواك أو عباءة ونحو ذلك كان سماحته يُهديه إلى مَن بجانبه ويقول له: هدية مني لك.

تورعه فيما تحت يده من أموال:
حافظ الشيخ على ما تحت يديه من أموال المحسنين، فلم يكن يصرف شيئًا منها إلا في موضعه، فلا يُعطي أحدًا من أموال الصدقات والزَّكوات إلا إذا ثبتت حاجته بالبينة الشرعية، أما مَن جاء يطلب العطاء وليس معه ما يُثبت حاجته، ولا يحمل شفاعةً من أحد المشايخ المعروفين لدى سماحته؛ فإن الشيخ يعطيه من ماله الخاص.
يقول الشيخ محمد الموسى: "إذا تقدَّم إليه بعضُ الفقراء وشكى إليه حاجةً، أو قال: أريد السفر إلى مكة أو المدينة، وليس معه شيءٌ، ولا يحمل إثباتًا من مشايخ معروفين، أو من أناس يعرفهم سماحة الشيخ قال: أعطوه مئة أو مئتين أو ثلاثمئة"، ويقول: إذا حددتُ المبلغ إلى ثلاثمئة ريـال فإني أعني حسابي الخاص". [8]

بكاؤه ورقة قلبه:
امتلك شيخنا - رحمه الله - قلبًا حيًّا عامرًا بذكر الله سبحانه، محبًّا لكل ما يُقربه من ربه جلَّ وعلا، ولأن القلب هو الملِكُ والجوارح جنوده، فقد كان قلبه يخشع وجوارحه تسكن إذا ذُكر الله، فكثيرًا ما يتأثر ويبكي إذا سمع تاليًا للقرآن، أيًّا كان صوت التالي، أو حسن ترتيله من عدمه، فقد كان دائمًا يشعر بحلاوة القرآن ويتدبر معانيه.
وكان شيخنا يتأثر ويبكي في مواطن أخرى، منها:
إذا قُرئ عليه شيءٌ من رقائق السُّنة النبوية، كأخبار الجنة والنار والحساب ونحو ذلك.
عند سماعه لحادثة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا حادثة الإفك، وقصة الثلاثة الذين خلّفوا، وما شابه ذلك من السيرة النبوية المطهرة.
إذا سمع شيئًا يتعلَّق بتعظيم القرآن أو السنة، يقول الشيخ محمد الموسى: "أذكر أنني كنت أقرأ عليه في كتاب (القول القويم) للشيخ العلامة حمود التويجري - رحمه الله - ومرَّ أثناء القراءة كلام للشيخ حمود حول تعظيم السنة، فالتفتُّ فإذا دموع سماحة الشيخ تتحادر على خديه.
إذا قُرئت عليه سيرة أحد العلماء من (البداية والنهاية) أو (تهذيب الكمال) أو (سير أعلام النبلاء).
عند ذكر شيخه محمد بن إبراهيم - رحمه الله - حتى إنه أحيانًا لا يستطيع مواصلة الكلام من شدة التأثر والبكاء.
إذا توفي أحد العلماء المشهورين أو مَن لهم بلاء حسن في الإسلام، فقد بكى عند وفاة الشيخ صالح العلي الناصر، والشيخ حمود التويجري، والشيخ صالح بن غصون، والشيخ عبدالله بن محمد بن حميد، كما بكى عند وفاة الرئيس الباكستاني ضياء الحق.
إذا سمع أخبار الاضطهاد والتعذيب التي مرَّت بالمسلمين أو تمر بهم في بعض البلدان.
عندما يعرض عليه بعضُ المساكين أو المظلومين حالهم البائسة، فإنه يتأثر وربما يبكي.
وكثيرًا ما يبكي إذا صلى بالناس وفي أثناء الدروس، ولكنه يتمالك نفسه.
كما كان يبكي عند الدعاء، خاصةً في الأماكن المقدسة: كعرفة، والصفا والمروة، وغيرهما. [9]
يقول الشيخ صلاح الدين عثمان - أمين مكتبة منزل سماحة شيخنا: "الشيخ - رحمه الله - كان له قلب رقيق يتأثر بكل ما يسمعه من الآيات والأحاديث النبوية والسيرة النبوية، وسير صحابة رسول الله .
فكم من آيةٍ من كتاب الله وقف الشيخ عندها متأثرًا باكيًا لما فيها من الوعيد، وكذا ما أعده الله لعباده الصالحين، وكم من حديثٍ أثار أشجان الشيخ فبكى متأثرًا، خاصة في قصة الإفك، وكذا توبة كعب بن مالك، وكذلك كنت عنده مرة فسأله أحد الحاضرين عن سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - فتذكر الشيخ وبكى متأثرًا جدًّا، وهكذا دومًا عندما يمر ذكر سماحة الشيخ - رحمه الله - يبكي". [10]
ويقول الشيخ سعد بن عبدالله البريك: "ذُكر له في بعض المجالس حالة من واقع المجاهدين الأفغان آنذاك، وما يُصيبهم من بردٍ وجوعٍ، فأخذت عينه تدمع حتى قام من مجلسه وهو يبكي، وقد عرض له مرةً في مجلسه أن المسلمين في جنوب الفلبين قد أصابتهم مجزرة على يد السفاح النصراني ماركس، صرع فيها عدد من المسلمين على يد الطُّغاة هناك، فبكى الشيخ بكاءً اهتزَّ به باكيًا كلُّ مَن حضر مجلسه". [11]
ويقول فضيلة الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله السالم: "حدثني صديق - وهو إمام مسجد بمكة المكرمة - أنه كان يصلي بجماعته ثم ينطلق بسيارته ليدرك درس سماحة الشيخ عبدالعزيز في مسجده بحي العزيزية، وقد ذكر أنه ذات مرة: وكان موضوع الدرس عن حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما الذي نصّه كما جاء في (صحيح البخاري) قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا قِبَل الساحل، وأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمئة، فخرجنا وكنا ببعض الطريق ففني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجُمع، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا، حتى فني، فلم يكن يُصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: ما تُغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت ... وفي (صحيح مسلم) من رواية أبي الزبير أنه أيضًا سُئل عن ذلك فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، فقلت: كيف تصنعون بها؟ قال: نمصّها كما يمصّ الصبيُّ الثَّدي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل.. وعند بلوغ نهاية الحديث من أن نصيب كلّ واحدٍ من هؤلاء الصحابة تمرة واحدة يمصها يُسكت بها جوعه، وهو يجاهد في سبيل الله؛ عند ذلك انفجر الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله رحمة الأبرار - في نشيج متصل وبكاء متواصل دام - كما يقول محدثي - سبع دقائق، ذلك أنه يعيش بأحاسيسه الإيمانية مع مواكب الأخيار، ويتأسَّى بأحوالهم وما نالهم من مكابدة العيش في هذه الدنيا الفانية.
وقد شرح الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث ودموعه تهطل من خشية الله، وصوته يتهدج بين المستمعين إليه والمتحلّقين حوله، وهو يصف لهم حالة صحابة رسول الله ﷺ من شظف العيش وشكرهم لله، وكيف نعيش نحن في عصرنا الحاضر، ونِعَم الله علينا كثيرة، ولكننا لا نقدرها حق قدرها، ولا نحمد الله عليها كما يجب أن يُحمد، وإنما كثير منا يرمون بها في النِّفايات، وهذا ما أوصلنا إلى الحالة الواهنة التي نعيشها، وقد كان الصحابة مع قلَّة إمكاناتهم هزموا الدول العظمى في عهدهم؛ لأنهم كانوا يعرفون حق الله عليهم، ويُقَدِّرون نِعَمه. ومضى سماحته يتحدث طويلًا في هذا المجال". [12]
أما طريقته في البكاء: فلم يكن يرفع صوته بالبكاء ولا يُحب ذلك، ولكنه يبكي بصوتٍ خافتٍ جدًّا لا يكاد يُسْمَع، وربما رُؤِي الدمع يُهراق من عينيه. [13]

ثقته بربه وحسن توكله عليه:
كان سماحة شيخنا - رحمه الله - عظيم الثقة بربه سبحانه، حسَن التوكلِ عليه، فلذلك كان يُعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر، ويقوم على الفقراء والمساكين والدّعاة بالرعاية والنفقة حتى تنفد أمواله ويستدين من أجلهم، ومع ذلك لم يُفكِّر يومًا في التوقف عن رعايتهم وقضاء حاجاتهم، حتى إن ديونه بلغت في سنةٍ من السنين عشرة ملايين ريـال؛ مما جعل أحد كُتَّابه يقول له: إنك مديون بمبلغ عشرة ملايين ريـال، والأمر صعب! فأجابه الشيخ الواثق بربه قائلًا: سبِّح، سبِّح، ولدتُ من بطن أمي وأنا عارٍ وليس عليَّ ثوب ولا غيره، ورزقني الله، فالحمد لله على نعمه. [14]
وجاءه ذات يوم كشفُ حسابٍ من مصرف السبيعي - الذي يتعامل معه الشيخ - موضَّح فيه أن الشيخ مدينٌ للمصرف بثلاثة ملايين وسبعمئة ألف ريـال، فقال بعضُ الموظفين: يا سماحة الشيخ، توقف عن التحويل على السبيعي، فالحساب مدينٌ بما ترى. فضحك الشيخ وقال: أبشروا بالخير.
فكتب رسالةً بذلك لخادم الحرمين الشريفين في ذلك الوقت الملك فهد - رحمه الله - فأمر جلالة الملك على الفور بدفع المبلغ المذكور؛ لعلمه بأن الشيخ ما استدان من أجل نفسه وإنما لقضاء حوائج المسلمين، فلما علم الشيخ قال لموظفيه: ألم أُخبركم بأن فرج الله قريب. [15]
ولم يكن الشيخ - رحمه الله - يتردد في رعاية المشاريع الدعوية والخيرية وتوفير الأموال اللازمة لها، أيًّا كانت هذه الأموال، حتى وإن لم تكن تلك الأموال تحت يده، وما ذلك إلا لثقته في إعانة الله له، فقد قال الشيخ عقيل العقيل - مدير مؤسسة الحرمين الخيرية - لشيخنا ذات يوم: يا سماحة الشيخ، عندنا مشروع دعوي ضخم في بلد كذا، ولا نستطيع إيجاد نفقته، فما رأي سماحتكم؟ فقال شيخنا: اكتبوا لنا ما ترونه، واعرضوه على مجموعةٍ من المؤسسات، واتفقوا مع أقلهم عرضًا. فقال الشيخ عقيل: إن المبلغ كبير جدًّا يا سماحة الشيخ. فقال شيخنا: ولو كان. فقال الشيخ عقيل: إنه فوق ما تتصورون يا سماحة الشيخ. فقال سماحته: كم المبلغ؟ قال: سبعة ملايين ريـال. فقال سماحة الشيخ: ولو كان عشرة ملايين يُيسرها الله. [16]
فقد كان - رحمه الله - يُنفق في سبيل الله تعالى ولا يخشى الفقر، وكيف يخشاه والله تعالى يقول: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39]، وجاء في الحديث القدسي: يا ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِقُ عليك[17].
فرحمه الله، وأجزل له المثوبة والعطاء على ما قدَّمه لدينه وأمته.
 

هيبته وعنايته بهيئته

لا بد للعالم من هيبةٍ تحفظ له مكانته، وتجعل كلمته مسموعةً في أوساط المحيطين به، ولا يعني ذلك التَّكبر على الخلق، أو احتقارهم وهضم حقوقهم، بل إن ذلك من نقيض الهيبة، وهو قرين الظلم، فالهيبة والوقار لا يُضادَّان الرحمة والرفق وحسن الخلق، فكل ذلك من مَعِينٍ واحدٍ، فمَن تعلَّق بالله تعالى وحسُنت أخلاقه قذف الله في قلوب العباد محبته، وأوجب عليهم هيبته.
وقد كان لشيخنا رحمه الله من ذلك النصيب الأوفر والحظ العظيم، فقد نبتت هيبته في قلوب الناس كما تنبت الثمار على الأشجار، وسقاها شيخنا بحُسن خلقه وطيب خِصاله حتى أَيْنَعَتْ وآتت أُكُلها.
وفي الأسطر القادمة نتعرف معالم تلك الهيبة، والتي كان من مقتضياتها العناية بالهيئة وحسن المظهر، وقد حافظ شيخنا على ذلك كما سنرى:

أولًا: هيبة الشيخ
على الرغم من التواضع الشديد الذي تميز به سماحته –ولا أدل على ذلك من مشاركة الفقراء والمساكين له في طعامه- والرفق بالمخاطبين والعفو والصفح والتماس الأعذار، إلا أنه رحمه الله كان مهابًا مُعَظَّمًا في نفوس الناس، المقرَّبين من سماحته وغير المقرَّبين، فما أن يراه الرائي إلا ويجد له في قلبه من المكانة والمهابة ما يجعله يتردد أحيانًا عن الحديث معه، يقول الشيخ محمد الموسى: "لقد عُرف عن سماحة الشيخ الحلم، والتواضع، والعطف، والشفقة، والبساطة، وحب الخير، ولين العَرِيكة، فلم يكن يُعنِّف أحدًا، ولم يكن يُقابل الإساءة بالإساءة، بل يعفو ويصفح، ويُقابل الإساءة بالإحسان، ولم أسمع منه طيلة ست عشرة سنة كلمةً تُعاب، بل كان دأبه الرفق والرحمة بالناس وبمن يعملون معه.
ومع ذلك كله فإن لسماحة الشيخ هيبةً عظيمةً في قلوب الناس، سواء كانوا من المُراجعين، أو ممن يعملون مع سماحته.
ولقد رأيتُ كثيرًا ممن لهم المكانة الكبرى عند سماحة الشيخ، أو مَن لهم وجاهة بين الناس، إذا حضروا عند سماحته حصل عندهم تلعثم وارتباك ...
وفي بعض الأحيان يأمر سماحته بالاتصال على شخصٍ ما، وربما كان ذلك الشخص كبيرًا، أو ذا مكانةٍ في الناس، فإذا قيل له: إن سماحة الشيخ يرغب في مجيئك إليه في وقت كذا وكذا. ظهر عليه الارتباك، وبدا ذلك من خلال نبرات صوته، وأخذ يقول: ماذا يريد مني سماحة الشيخ؟ ويحاول أن يعرف السبب في ذلك.
وقد يأتي إلى سماحة الشيخ بعضُ الناس ممن طبعه الغلظة والقسوة والجفاء لحاجةٍ ما، فإذا رأى سماحةَ الشيخ تباعد عنه، وطلب من أحد الكاتبين أن يعرض موضوعه على سماحة الشيخ، فإذا قلنا له: تقدم للشيخ، قال: لا أستطيع مواجهته.
ولقد رأيتُ بعضهم إذا قدم إلى سماحته قال: أنتم بمنزلة والدي، وأعُدّ إشارتكم أمرًا، ومجيئي إليكم شرفًا ...
بل إن هيبته لم تكن لتقتصر على مَن هو بعيد عن سماحته، بل إن الذين يعملون معه ويرونه صباح مساء يهابونه، ويحسبون له ألف حسابٍ، فيقومون بالعمل كما ينبغي، ولا يتكلمون عنده إلا بعد تحري الصواب، وملائمة الكلام للمقام، مع ما كان منه من السماحة.
وأذكر أن رجلًا قدم من الاتحاد السوفيتي بعد تفكك الشيوعية، فلما دخل على سماحة الشيخ سأل عنه، فقلتُ له: ها هو سماحة الشيخ سلِّم عليه، فتردد قليلًا، فقلتُ له: أُقدم، وسلِّم، سماحة الشيخ من أيسر الناس. فقال: لا أجرؤ على السلام عليه. فحاولتُ به مرارًا حتى سلَّم على سماحته". [1]
إذن فهيبة الشيخ كانت حاضرةً في القلوب، لكنها لم تكن عن خوفٍ أو سوء طبعٍ وغلظ قولٍ، فالشيخ رحمه الله عُرف بحُسن خُلقِه، بل كانت إجلالًا وتقديرًا لسماحته، واحترامًا وتوقيرًا لمكانته التي تبوَّأها في أمته، وقبل هذا وذاك فهي نعمةٌ من الله تعالى، امتنَّ بها على شيخنا؛ ليحفظ له مكانته، ويُهيِّئ له سبل النجاح في تبليغ دين رب العالمين.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن يوسف الرحمة: "مما تميز به سماحته رحمه الله الهيبة، وقد حدثني غير واحدٍ من كبار العلماء الفضلاء وطلبة العلم أن للشيخ هيبةً فيها عزَّة العلماء مع عظيم مكانتهم وكبير منزلتهم، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تَنُمُّ عن محبةٍ وإجلالٍ وتقديرٍ له، لا من خوفٍ وهلعٍ وجبنٍ منه، والذي يظهر أن الشيخ رحمه الله قد فرض احترامه على الناس بجميل شمائله، وكريم أخلاقه، مما جعلهم يهابونه حياءً منه، ويُقدِّرونه في أنفسهم أشدَّ التقدير ...
ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول، ومرذول اللفظ، وما يخدش الحياء أشدَّ الابتعاد، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئًا من الضحك إلا نادرًا ولمامًا، بل تجد مجالسه عامرةً بذكر الله، والتفكر والتأمُّل في الدار الآخرة.
ومع هذه المكانة العظيمة والمنزلة السامية والهيبة، فإنه آيةٌ في التواضع، وحُسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزَّةٍ في النفس، وإباءٍ في الطبع، بعيدًا كل البعد عن الصَّلَفِ والتَّكلُّف المذموم، كأنَّه واضعٌ نُصب عينيه قوله تعالى: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: 86]". [2]
ويصف الدكتور خليل بن عبدالله الخليل ما لمسه في مجالس الشيخ، وحال الحاضرين في تلك المجالس حين يتحدث الشيخ، فيقول: "لمجلسه هيبة، ولوجوده حضور في النفوس، بصرف النظر عن السن والثقافة والمنصب، فهو يملأ نفوس الحاضرين، ويملك عقولهم؛ لذلك عندما يتحدث يُنصت الجميع وكأنَّ على رؤوسهم الطير". [3]
ولم تقتصر هيبته على فئةٍ دون أخرى، أو جماعةٍ دون غيرها، بل كانت عامَّةً في قلوب الجميع، الصغار والكبار، العلماء وطلبة العلم والعامة، الفقراء والمساكين وأصحاب الثراء والنفوذ، فالكل يعرف مكانته، ويُقدِّره حقَّ قدره.
يقول الدكتور ناصر الزهراني: "مع تواضعه الجم وأدبه الرفيع كان مهابًا عند الناس على مختلف مستوياتهم، يهابه الأمراء والوزراء، ويُجلُّونه ويُبجِّلونه، يهابه العلماء والمفكرون، ولا يتقدَّمون بين يديه، يهابه الصغير والكبير، والقريب والبعيد، بل رأيتُ الملازمين له الذين قد أخذوا عليه وأخذ عليهم لما لهم من سنوات طويلةٍ وهم في صحبته، رأيتهم حينما يدلف إليهم أو يُقبل عليهم ينهضون استقبالًا له، ويصمتون إجلالًا له، ويطرقون احترامًا له.
ولقد كنتُ أجد له من المهابة والجلال في نفسي ما يجعلني أذوب حياءً منه، وأفعم إكبارًا له، وعلى الرغم من أنني من المقرَّبين إليه، ولا أذكر أنه ردَّ لي قولًا، أو رفض لي شفاعةً، فقد كنت أحيانًا كثيرة أتحمس للحديث معه في أمر معين، فأزور كلامًا في صدري، وأرتب أفكاري، وأستجمع قواي، وكان يُداعبني رحمه الله كعادته مع كثير ممن يُحب، فإذا أتيته وقلتُ له: يا سماحة الشيخ، عندي أمر هام، وموضوع ملح أريد أن أُكلم سماحتكم فيه، يبتسم ثم يقول: "خير، خير إن شاء الله، عسى ما هو زواج"، ومع كل هذا التواضع منه والتَّلطف إلا أنني والله كنتُ أجد له من المهابة ما يُضيع أفكاري، ويُبعثر معلوماتي، ويُربك كياني، ولا ينطلق لساني". [4]
بل إن أبناءه أيضًا كانوا يهابونه، رغم قربه منهم، وحُسن تعامله معهم، يقول ابنه أحمد: "كان الشيخ رحمه الله يتعامل معنا بلطفٍ ورفقٍ، فهو لا يفرض رأيه علينا فرضًا، بل يعرضه عرض الناصح المشفق، ولا يتعصَّب لهذا الرأي، وكان رحمه الله يجالس أبناءه، ويتعرف على مشاكلهم، وقد خصص لنا بعض الوقت مساء للسمر والمحادثة، وكان يحرص على حثنا على الأعمال الخيّرة، ورغم التواضع والبساطة إلا أن للشيخ مهابةً في نفوس أبنائه؛ نظرًا لما منحه الله من هيبةٍ، فقد كنا نخجل منه رغم بساطته وقربه منا رحمه الله". [5]

ثانيًا: عناية الشيخ بهيئته
اعتنى شيخنا رحمه الله بنظافة ملبسه وجمال مظهره رغم كثرة مشاغله وتنوع مسئولياته، وذلك في حدود ما حثَّ عليه الإسلامُ أتباعه، وما جاء عن نبيّنا ﷺ بلا إسرافٍ ولا تقتيرٍ، فمنهجه دائمًا الوسطية والاعتدال في كلِّ شيءٍ، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يأتي ويَذَر؛ لذلك كان حريصًا على لبس الأبيض من الثياب، مع تقصيرها بحيث لا تتجاوز الكعبين، كما حرص على استعمال الطِّيب وتغيير الشعر الأبيض بالحناء مع تجنب السَّواد.
يقول الشيخ محمد الموسى: "كان سماحة الشيخ رحمه الله يعتني بمظهره بلا إسرافٍ، ولا مخيلةٍ، فهو يعتني بنظافة بدنه، وقصّ شاربه، ويتعاهد نفسه بالطيب كثيرًا، بل كان يستعمله كل يوم، ويُدار بخور العود في مجلسه أكثر من مرةٍ، وإلا فلا أقلّ من أن يُدار مرةً واحدةً.
وكان يلبس مشلحه –بشته- في صلاته، وزياراته، وذهابه إلى عمله، وكان ثوبه يعلو كعبه بنحو أربعة أصابع، فهو يرى أن نزول الثوب أو السراويل أو المشلح أسفل الكعبين منكر محرم، سواء كان ذلك للخيلاء أو لغير الخيلاء، ويقول: "إن الإسبال حرام؛ فإن كان للخيلاء فهو أشد تحريمًا".
وفي يوم من الأيام لبس سماحته مشلحًا جديدًا، وكان ذلك المشلح على خلاف ما كان عليه سماحة الشيخ، حيث كان المشلح نازلًا عن الكعبين، ولم يكن سماحته يعلم بذلك، فقال له شخص: يا سماحة الشيخ، مشلحك هذا نازل عن الكعبين، ولا أدري هل تغير رأيُكم في وجوب رفعه؟ فما كان من سماحة الشيخ إلا أن خلعه ورماه، وقال لي: "اذهب به إلى مَن يرفعه"، وصادف أن كان سماحته في ذلك الوقت في مكة في آخر رمضان، فجاء إلى الرياض وليس عليه مشلح.
وكان يتعاهد لحيته بالحناء، ويرى تغيير الشَّيب، وحُرمة تغييره بالسَّواد". [6]
ويقول الشيخ عبدالرحمن بن يوسف الرحمة: "يُعد شيخنا رحمه الله حسن الهيئة، جميل المظهر، يعتني بحسن هندامه وثيابه، ولا يتكلف في ذلك أبدًا، ويحرص جدًّا على لباس البياض في ثيابه، ويُحب ارتداء الثياب الواسعة، وثيابه تصل إلى أنصاف ساقيه، ويُزين ثيابه بمشلح وعباءة عودية اللون في الغالب، وكان رحمه الله يحمل العصا، وآخر عصا معه أهداها له الشيخ العلامة أبو حبيب عبدالعزيز بن محمد الشثري رحمه الله، وفي الجملة فهو سلفي في المظهر والشَّارة". [7]

ممارسته لرياضة المشي:
من عناية شيخنا بهيئته واهتمامه بمظهره: ممارسته لرياضة المشي، سواء كان ذلك من بيته إلى مسجده، أو داخل منزله قبل أن ينام، يقول الشيخ محمد الموسى: "كان سماحة الشيخ يُحب رياضة المشي، وكان كثيرًا ما يمشي، خصوصًا قبل إصابة قدمه في شهر شعبان عام 1414هـ.
فكان رحمه الله يمشي من بيته إلى المسجد ولو بعُدت المسافة، ولما كان في المدينة كان بيته يبعد عن الحرم مسافة تزيد على الكيلو متر، وكان يسير إلى المسجد على قدميه، إلا إذا خاف فوات الوقت.
وفي الرياض بعدما جاء من المدينة في نهاية 1395هـ صار إمامًا للجامع الكبير في الرياض قرب قصر الحكم، وسكن في بيت سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وكان يمشي من بيته إلى المسجد، مع أن المسافة كانت كيلو متر تقريبًا.
ولما سكن بيته الذي يقع في حي البديعة في الرياض كان يسير من بيته إلى المسجد الذي يقع غربي بيته على قدميه.
وفي مكة المكرمة كان يمشي من بيته الذي يقع في العزيزية إلى المسجد الذي يقع في الجهة الشرقية في أغلب الأحيان.
ويقول رحمه الله: "إنني رتبتُ وقتًا للمشي مدة تتراوح ما بين ربع ساعة إلى نصف ساعة كل يوم"، وذلك قبل النوم، وفي الصباح بعد المجيء من الدرس، وبعد القيام من مكتب البيت في الصباح، حيث كان سماحته يمشي في الغرفة، أو بين البيوت". [8]
فلم تمنعه المسئوليات الملقاة على عاتقه والمهام الموكلة إليه من الاهتمام بهيئته والعناية بمظهره، فقد وعى جيدًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله جميلٌ يُحب الجمال[9]، وكما تقدم فإنه رحمه الله لم يكن يشغله شيءٌ عن شيءٍ، أو يهتم بأمرٍ دون آخر، وظلَّ على هذا النحو إلى آخر حياته المباركة، فنسأل الله تعالى أن يحشره في زمرة النبيين والصديقين والشُّهداء والصَّالحين وحسُن أولئك رفيقًا.

سلامة صدره وحسن ظنه

  • أولا: سلامة صدره:
إن سلامة الصدر من أعظم الأخلاق التي ترقى بصاحبها فتجعله من خير الناس وأفضلهم عند الله ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد[1]
ولقد ضرب لنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - مثالًا ساميًا في سلامة الصدر ونقاء السريرة، فكل من عايشه أو تعامل معه ليشهد له بهذا الخلق الرفيع.
يقول ناصر الزهراني في سياق حديثه عن سلامة صدر سماحة الشيخ: "هذه سمة من سمات شيخنا، رحمه الله رحمة واسعة، فلا غش، ولا غل، ولا حقد، ولا حسد، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لذاته، ولا يحمل في نفسه.
لم ينتقص أحدًا لم يمتلئ حسدًا لم يفتتن أبدًا بالمنصب العالي
لقد كانت تشوه صورة كثير من الناس عند سماحته سواء بعض العلماء أو طلبة العلم أو المسئولين، فلا يجعله ذلك ينتقص قدر أحد منهم، أو يثور في وجهه، أو يتخذه عدوًّا، أو يمتلئ عليه حقدًا، بل يكون أكثر شفقة، وأكثر رحمة، وأشد عطفًا، ولطفًا، ورفقًا، وكسبًا لقلبه، إلى جانب الحق والصواب بالتعامل السمح، والكلام اللين، والنصيحة الهادئة". [2]
ويقول عبدالرحمن بن يوسف الرحمة: "يمتاز سماحته - رحمه الله - بهذه الصفة الفريدة النفيسة، وهي سلامة صدره من الغلِّ والحقد والحسد والغش، وحبه الخير للمسلمين من إخوانه حتى من بلغه عنه شيئًا من الأخطاء والزلات دعا له بالهداية والصلاح؛ لذا لم ينتقص فلان من الناس ولا علان من الناس من أجل مقالة أو هفوة أو زلة، بل يكون صدره عليه سليمًا، فإذا ما وافاه وقابله نصحه النصح الصادق المبني على الموعظة الحسنة". [3]

بعض المواقف التي تصوّر سلامة صدر الشيخ:
إن حياة الشيخ - رحمه الله - مليئة بالمواقف الرائعة التي تصور مدى سلامة صدر سماحته ونقاء سريرته، وفيما يلي نذكر بعض هذه المواقف، وإلا فالمقام لا يتسع لذكر جميع مواقف سماحته:
فمن هذه المواقف ما ذكره عبدالرحمن بن يوسف الرحمة، فقال: "أخبرته برجل اغتابه سنين عديدة متهمًا إياه بصفات بذيئة، ونعوت مرذولة، وصلت إلى تبديعه والكلام عليه بأقسى الألفاظ، وأعتى العبارات، وأنه جاء يرجو منه السماح ويطلب منه النصيحة له، فقال: أما حقي فقد تنازلت عنه، والله يعفو عنا وعنه، وأما النصيحة فهي الثبات على هذا الدين، والإقبال عليه، والحرص على لزوم حلق العلم والعلماء والاستفادة منهم". [4]
ويحكي الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري موقفًا حدث له مع الشيخ ابن باز يظهر فيه مدى سلامة صدر سماحته، فيقول: "ولما التحقت بالمعهد العالي للقضاء كنت ذا هيئة غير هيئة الطلبة، ألبس العقال، وأتحيف اللحية، وألبس الكبك والسختيان، واللباس الأنيق، وأعبث بالسبحة.. وكان أهل الخير يوصلون كل ذلك لسماحته، فلا يرد عليهم بغير الدعاء لي بالهداية، وفي الأسئلة التحريرية النهائية كانت أجوبتي مخزية في مادة الحديث التي يدرسها، وكنت أغطي جهلي بالتقعر والتفلسف، ونجحت في المادة نجاحًا على غير ما ينبغي.. وعلم من أهل الخير أن تلك أجوبتي، فاشتد حزنه وتقريعه، ولم يرتح إليَّ إلا منذ عام 1406هـ تقريبًا عندما أقلعت عن خزعبلات الفن، وأذن لي بخطاب رسمي بتدريس صحيح البخاري في مسجد سلطانة، وإنما أراد - رحمه الله - جري إلى الحديث وعلومه، واشترط البعد عن الظاهرية، وقال لي: إنه قرأ في المحلى أول ما نشر، ثم هجره لما فيه من حدة وعنف، ومن الشباب أهل الخير - وأعرفه باسمه ورسمه- من بلغه أنني كتبت على باب منزلي (دارة ابن حزم)، وعلى الآخر (دارة داود)، فقال: يقال أنك كتبت كذا وكذا! فقلت: نعم، أنا ظاهري بأصول فكرية ولغوية، وهذان من أئمة المسلمين، ولا يعني ذلك أنني تابع لابن حزم في أغلاطه الفقهية والعقدية، فسر - رحمه الله - بذلك وحذرني من مزالق ابن حزم وعلماء الكلام، وأوصاني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية". [5]
ويحكي الشيخ عبدالرحمن بن يوسف الرحمة قصةً أخرى لأبي عبدالرحمن مع الشيخ ابن باز تؤكد أيضًا على سعة صدر الشيخ ونقاء سريرته، فيقول: "كان أبو عبدالرحمن يهاب الشيخ، ويظن أن له منه موقفًا، وأنه لا يحبه؛ نظرًا لبعض كتابات ومواقف له قديمة - عفا الله عنه - فأقيم للشيخ في يوم من الأيام محاضرة بالمسجد الذي يصلي فيه أبو عبدالرحمن، فقال أبو عبدالرحمن لأحد أصدقائه: أرجوك أن تذهب إلى سماحة الشيخ، وتطلب منه أن يتعشى عندي بعد المحاضرة، ولم يكن يخطر على باله أن الشيخ سيلبي دعوته، فذهب الرجل وقال للشيخ: إن أبا عبدالرحمن يدعوك لتناول طعام العشاء عنده بعد المحاضرة، فلم يتردد الشيخ في الموافقة، وقال: لا بأس، جزاه الله خيرا، فلما عاد الرجل لأبي عبدالرحمن بالخبر لم يكد يصدق، وسر بذلك سرورًا عظيمًا، وارتاحت نفسه، واطمأن فؤاده حينما علم أن الشيخ يقدره، وليس في نفسه عليه شيء". [6]
 
  • ثانيًا: حسن ظنه بالأخرين:
أما عن حسن ظن سماحته بالأخرين فحدث ولا حرج حيث كان الشيخ - رحمه الله - يحسن الظن بجميع الناس؛ المسيئين منهم والمحسنين.
 يقول الشيخ ناصر الزهراني: "من أعظم وأجمل ما ترى في هذا الشيخ: حسن الظن بالمسلمين، فالأصل عنده حسن الظن، ولا يحب التشكيك في أحدٍ من المسلمين أو تخوينه، أو الكلام فيه بما لا يرضى حتى ولو بلغه أنه أخطأ عليه شخصيًا أو نال منه، بل ذلك أدعى لجعله لا يهتم للأمر أصلا، جاءه بعض طلبة العلم فشكوا إليه أحد الناس، وبينوا أخطاءه وبعض المخالفات عنده، فبدأ الشيخ يملي كتابًا لتوبيخه ونصحه وتوجيهه، وفي أثناء الكتابة قال أحدهم: وإنه يا شيخ يتكلم فيك، وينال منك، فقال الشيخ للكاتب: قف، وترك الكتابة خشية أن يقال: إن الشيخ ينتقم لنفسه". [7]
ولقد عُرف عن سماحة الشيخ حسن الظن بأهل العلم، يقول الشيخ محمد بن موسى: "كان يحسن الظن بأهل العلم كثيراً، ويحمل كلامهم على أحسن المحامل، ولا يرضى أن يُنالوا بأي سوء أو مكروه، وكان يدافع عنهم، ويحفظ أعراضهم، ولا يصدق ما يقال فيهم من سوء حتى يقف على حقيقة الأمر، وإذا جاءه أحد من الناس، وقال: إن الشيخ فلان بن فلان قد قال: كذا وكذا مما لا يليق؛ نهره سماحة الشيخ، وقال: هو أوثق عندنا منك، أفنصدقك ونكذب الشيخ فلاناً؟ ونحو ذلك، وإذا تثبَّت من صحة ما يقال عن فلان من أهل العلم من أنه أخطأ في أمر ما، أرسل إليه نصيحة، أو هاتفه، أو طلب حضوره، وبعد ذلك يبدي له وجه الخطأ، ويورد الأدلة على ما قال بأسلوب يفيض بالرحمة، والنصح؛ فما يكون من ذلك الشخص إلا أن يقبل كلام سماحته ويدعو له". [8]
ولم يتوقف حسن ظن الشيخ عند العلماء وطلاب العلم إنما تعدى حسن ظنه ليشمل عوام الناس، ومن القصص التي تصور لنا ذلك ما ذكرته دوش بنت فلاح الدوسري، فقالت: "يذكر أحد الأشخاص الذين اعتادوا الذهاب إليه أنه أثناء سلام الناس عليه في مجلسه صافحه رجل كان فيه رائحة سجائر، فسارع أحد المتحمسين وأخبر الشيخ كأنه يريد منه تعنيف الرجل وتوبيخه، إلا أنه برحابة صدره المعهودة وحسن ظنه بالناس قال له ما معناه: لا تتعجل بالحكم، فلربما كان راكبًا مع شخص مدخن، فأصابه شيء منه". [9]
وهكذا بلغت سلامه صدر سماحة الشيخ وحسن ظنه بالآخرين، وأكثر من ذلك، الأمر الذي جعل القلوب تجتمع على محبته وذكره الحسن في حياته وبعد وفاته، فرحم الله سماحة الشيخ، ورفع درجاته في أعلى الجنان.

ذكاؤه وفراسته

الذكاء هبة ربانيه يهبها الله لمن يشاء من عباده، وسماحة الشيخ - رحمه الله - من الذين لهم نصيب وافر من صفات الصلاح والتقوى والبر والإحسان، وأيضًا من القدرات العقلية التي أهلته إلى تلك المكانة العالية والمنزلة المرتفعة، ومن هذه القدرات.

الذكاء:
هذه الصفة الحميدة، التي حبا الله بها سماحته كان لها أثر عظيم في حياته، ونفع الله بها الأمة نفعًا عظيمًا، هذه الصفة، تحدث عنها من عاشره وخالطه، ولهذا فإننا نجد كثيرًا من طلابه ومن كتب عنه يبرز هذه الصفة، وكأنهم متفقون على تميز سماحته بها، مع ما حباه الله من صفات حسنة أخرى.
نقل الشيخ إبراهيم الحازمي عن الشيخ مرزوق بن هيفان آل مرزوق في فطنته أنه قال: "قضيت معه في الجامعة عشر سنوات متعلمًا ومعلمًا في الجامعة، وجدته أبًا لكل منسوبي الجامعة، أساتذة وطلابًا وموظفين، ومما لاحظته عليه ذكاء في أدب جم، ذلك أنني بعد أن تخرجت من كلية الشريعة استأجرت بيتًا قريبًا من سكنه في حي شارع المطار خلف المدرسة السعودية سابقًا، فاستدعاني وقال لي: تريد أن تكون إمامًا لمسجد الحي. وكتب لي خطابًا لمدير الأوقاف، وتم تعييني وباشرت العمل، ودعاني يومًا للغداء مع ضيوفه، وهو كريم مضياف طيلة حياته، وهو لا يترك الصلاة في المسجد النبوي إلا لضرورة أو حاجة في نفسه.
وإذا بي أفاجأ به في صلاة المغرب يخرج من بيته ويتجه إلى المسجد الذي أنا إمامه، ولما أقيمت صلاة المغرب بادرني بقوله: تقدم يا شيخ.
فقلت: كيف يكون ذلك؟! فقال: تقدم بارك الله فيك.
تقدمت وأنا في غاية الخجل والتقدير لسماحته، وأدركت أنه يريد الاطمئنان على مقدرتي في الإمامة من حيث الأداء والتلاوة، وبعد أن تمت الصلاة قام وشرح الآيات التي تلوتها، وبعد أن خرجنا قال: الحمد لله، وفقك الله يا شيخ مرزوق.
فالشيخ - رحمه الله - حصل على مراده في غاية اللطف والذكاء؛ فتقديمي للصلاة كان في ظاهره أمام الناس تكريمًا لي مع وجوده، وحصل بذلك مراده من معرفة أحوال الإمام الذي أمر بتعيينه، - رحمه الله - رحمة واسعة". [1]
 
قصة تدل على نباهته وفطنته:
حصل له موقف أيام شبابه - رحمه الله - فنبه أحد مشايخه على هذا الأمر ففطن سماحة الشيخ مراد شيخه وعرف أنه هو المقصود، هذه القصة حدث بها سماحته أحد الموظفين لديه، والمقربين منه، وهو الشيخ محمد الموسى وحدث بها الشيخ محمد الموسى بعد وفاة سماحته فقال: "هذه القصة ذكرها لي سماحته قبل حوالي عامين، يقول سماحته - رحمه الله: قصة حدثت لي لا أزال متأثرا بها إلى اليوم، حدثت أيام شبابي، فقد كنت من المحافظين على الصف الأول في الصلاة، وفي يوم من الأيام تأخرت عن الحضور مبكرًا بسبب القراءة في بعض الكتب لبعض المسائل الهامة التي شغلتني عن الصلاة، فلم أدرك الصف الأول، وفاتني بعض الشيء من الصلاة، وحينما سلم الإمام، وهو قاضي الرياض الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، وكان أحد مشايخي - رحمه الله - حينما رآني أصلي في طرف الصف، وقد فاتني شيء من الصلاة تأثر لذلك كثيرًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بدأ يتكلم وقال: بعض الناس يجلس في سواليف ومشاغل حتى تفوته الصلاة، يقول سماحته: فعرفت أنه يعنيني بذلك الكلام، فلم أتأخر بعدها أبدًا، وذلك الموقف الذي حصل لي ما أنساه أبدًا". [2]
انظر إلى أسلوب الشيخ مع تلميذه وفطنة التلميذ الذي يعرف مراد شيخه، رحمهما الله جميعا.
ومما يدل على فطنته - رحمه الله - ما ذكره إبراهيم الحازمي عن الأستاذ عبدالكريم بن عبدالمحسن التركي أنه قال عن سماحة الشيح - رحمه الله: " كلمه رجل من أمريكا في منزله بعد العشاء، وتبين من حديث سماحته له أنه من أبناء الجاليات العربية هناك، يستفتيه ويطلب المساعدة في الزواج، فلاحظ الشيخ بسرعة بديهته ودقة ملاحظته أنه محتاج، فرأسًا طلب منه رقم هاتفه، وقال: نتصل عليك الآن حتى لا يكلفك الاتصال. وفعلا كلمه - رحمه الله - في الحال واستكمل الحديث معه". [3]
 
الفراسة:
الفراسة نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فيرى بنوره، فيدرك ما لا يدرك غيره، ويتفطن إلى أمور تخفى على كثير من الناس، بل يتوقع حصول أمور فتأتي كما توقع.
الفراسة كما قال عنها الإمام ابن القيم - رحمه الله: الفراسة الإيمانية سببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرِّق به بين الحق والباطل، والحال والعاطل، والصادق والكاذب، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدَّ فراسة، وكان أبو بكر الصديق أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيء: "أظنه كذا إلا كان كما قال" ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع عدة...
وفراسة الصحابة أصدق الفراسة، وأصل هذا النوع من الفراسة عن الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، قال بعض السلف: "من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة لم تخطئ فراسته". [4]
وسماحة الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله - كان من أولياء الله الصالحين كما نحسبه ولا نزكيه على الله، وقد كان صاحب بصيرة نافذة، وفراسة حادة، يعرف ذلك جيدًا من عاشره وخالطه، وأخذ العلم على يديه. ومما يؤكد على فراسته أنه يعرف الرجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجادّ منهم في هدفه ومقصده من الدعاة وطلبة العلم فيكرمهم أشد الإكرام، ويقدمهم على من سواهم، ويخصهم بمزيد من التقدير ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائمًا، وله فراسة في معرفة رؤساء القبائل والتفريق بين صالحهم وطالحهم.
يقول عبدالرحمن بن يوسف الرحمة: "وله فراسة... فيما يعرض عليه من المسائل العويصة، والمشكلات العلمية، فتجده لها متأملًا متمعنًا فيها، تقرأ عليه عدة مرات، حتى يفك عقدتها، ويحل مشكلها.
وله فراسة قوية ناصعة فيما يتعلق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائمًا يرى الإيجاز ووضوح العبارة ووصول المقصد إن كان المستفتي عاميًا من أهل البادية، وإن كان المستفتي طالب علم حريص على الترجيح في المسألة أطال النفس في جوابه مع التعليلات، وذكر أقوال أهل العلم، وتقديم الأرجح منها، وبيان الصواب بعبارات جامعة مانعة.
وقد ذكر الدكتور حمد بن إبراهيم الشتوي وفقه الله أنه جمع في فتوى لسماحة الشيخ - رحمه الله - ميزتين:
الأولى: تفصيل الفتوى، والزيادة عن محل السؤال بما يحتاج إليه السائل، وهذا من بلاغة الفتوى التي تسمى جواب الحكيم.
الثانية: العناية بذكر الدليل، وفيه تربية للطالب، وتعليم للسائل بمأخذ الحكم، وشحذ للذهن في إدراك وجه الدلالة وأنواع الاستدلال، مع ما فيه من التربية على الارتباط بالنصوص الشرعية (الكتاب والسنة).
قلت: وسماحة شيخنا - رحمه الله - قد أخذ هذا المنهاج الصافي في التفصيل والبيان من السنة النبوية، وطريقة النبي ﷺ في تفصيل الفتوى وإيضاحها حسب السائل كما في حديث البحر: الطهور ماؤه الحل ميتته". [5]
وقال الدكتور محمد بن سعد الشويعر: "من الفراسة - وهي كثيرة عنده رحمه الله - أنه صبور على الناس، ويتحملهم، ويفتح قلبه وذهنه لسماع ما يقولون؛ ليحكم على مطالبهم برفق وسعة صدر رغم مشاغله، فقد جاءه شخص وحرص على مقابلة سماحته والتحدث معه في جلسته المعتادة بعد المغرب، حيث يمتلئ مجلسه الكبير... فما كان من بعض مرافقي سماحته المنظمين للناس إلا أن حالوا دون ذلك، وطلبوا معه السبب، وتقديم مطلبه المكتوب... فقال: أريد الاجتماع بالشيخ وعلى انفراد؛ لأشرح ما عندي لسماحته، فأخبرت سماحته - رحمه الله - بما قال هذا الزائر، فقال: أحضروه الآن، وليحدثني بما يريد، فدعوناه فلما قرب من الشيخ قال: إنني رأيت رؤيا، فأجابه الشيخ: وما هي؟ أجاب الرجل: إنني رأيت الرسول ﷺ فقلت له: يا رسول الله، إن عندي مشكلة، فقال لي: أرسلها للشيخ ابن باز ويحلها لك. فقال له الشيخ: اكتب لنا وأخبرنا بهذه المشكلة أو أعلمنا بها.
فقال الرجل: إن مشكلتي أنني ليس عندي إقامة، وأريد إقامة، وأريد أن أبحث عن عمل.
فما كان من الشيخ إلا أن ضحك من هذا العمل، وقال: أخشى أنك لم تر رسول الله في المنام. ثم أضاف قائلا: ابحث عمن يزكيك من الثقات المعروفين لدينا، فإن رؤياك هذه ليست حقيقة... ذهب الرجل ولم يعد؛ لأنه على ما يبدو لم يجد من يزكيه.
أما الرسائل التي تأتيه من الخارج بطلبات متنوعة فلها شأن آخر، منها ما يأمر سماحته بتمزيقها، ومنها ما يكتب للجهات المختصة - سواء في الداخل أو الخارج - باستقصاء حالة مرسلها، وعلى ضوء ذلك يتم الإيجاب أو النفي، ومنها ما يكون لديه فيها فراسة يدرك بها صدق ما عرض عليه صاحب الرسالة من مشكلة وقع فيها... ومن ذلك: أن رسالة وصلت من وسط أفريقيا من امرأة تشكو إلى الله ثم إلى الشيخ ما حل بها بعدما أسلمت هي وزوجها، وما لاقيا من تحديات وضغوط، حتى أخرجا من بيتهما، وطردا من قريتهما، ومنعا من لقاء أطفالهما.. إلى آخر ما جاء في هذه الرسالة المطولة من شرح لمعاناتهما.
قرأتها على سماحته وهو يستمع بإمعان، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم ثبتهما على دينهما - الإسلام - بالقول الثابت، إنا لله وإنا إليه راجعون.
لما انتهيت من قراءة الرسالة أمرني أن أكتب عليها: يحول لها عشرة آلاف ريال بواسطة السفارة، وتعطى السفارة صورة من رسالتها، وتزود هي بنسخة من المكاتبة لتراجع السفارة، ويكون هذا من حسابي الخاص.
وفي آخر الصيف من نفس العام جاء إلى سماحة الشيخ بعض المشايخ من الجامعة الإسلامية الذين ذهبوا في مهمة بالصيف لتلك الديار، وصادف أن علمت كاتبة الرسالة عن هذا الوفد، وقال أحدهم لسماحته: جاءت هذه المرأة ونحن في وسط أفريقيا فقالت لأحد أفراد الوفد: أنتم من السعودية؟ أليس كذلك؟ لقد سمعت عنكم، وجئت أبحث عنكم. فرد عليها بالإيجاب، فقالت: هل تعرفون الشيخ ابن باز؟ قالوا: نعم. قالت: بلغوه سلامي، جزاه الله خيرا.
فقالوا: كيف تعرفت عليه؟ فقالت: هل يوجد مسلم في أي مكان لا يعرف الشيخ ابن باز وأعماله نحو المسلمين؟! لقد كنت أنا وزوجي ضمن العوائل النصرانية وأسلمنا، ولكن طاردنا أقاربنا ومن يعاونهم، وأخذوا دارنا وأولادنا وكل ما نملك، وضاقت بنا الدنيا، لا مأوى، ولا مطعم، فسألت عن مساعد بعد الله بعد أن كتبت لجمعيات عديدة، ولم أجد مجيبًا ولا معينًا، فقالوا: ليس لك بعد الله إلا الشيخ ابن باز، فكتبت له، وكنت لا أتوقع وصول رسالتي إليه، أو أن تهمل إذا وصلته، كما أهملت رسائلي العديدة التي بعثت لعدة جهات، ولكن فجأة وجدت السفارة السعودية تتصل بي وتبلغني بضرورة مراجعتها، ففعلت، وإذا بسماحة الشيخ قد أرسل لي عشرة آلاف ريال سعودي، ففرحت وزوجي بهذا فرحًا عظيما، وتحسنت أحوالنا، وهاجرنا من قريتنا إلى قرية أخرى أغلب سكانها مسلمون، واشترينا مسكنا يؤوينا بعد الضياع. فهذا له فضل كبير علينا بعد شكر الله، بعدما عرف عن مسلمين في محنة وبلاء، ونرجوكم إبلاغه سلامنا، وأننا الآن بخير ونعمة بفضل الله ثم بفضله. وأعطتهم اسمها واسم زوجها الذي كان يرافقها، ففرح الشيخ بهذه النتيجة، وقلت له: هل نحفظ اسمها مع خلاصة كلام المشايخ مع الأصل؟ فقال: مزق ذلك، الله سبحانه يعلم ذلك". [6]
ومن فراسته أنه كان يميز الكاذبين في دعاواهم، يقول الدكتور محمد الشويعر: "وقد حصل في آخر رجب عام 1412هـ ونحن مع سماحته بمكة: أن جاءه بعض الأفغان مدعين أنهم من المجاهدين، قدموا للعمرة وألحوا بطلب المساعدة، ولما لم يكن معهم تزكية وتعريف بهم فقد أعطى رئيسهم 500 ريال، فرجع وقال: إنني معي عشرة، وكتب أسماءهم، فأمر بأن يكونوا سويا في العطاء.
ولكن في اليوم التالي جاء عشرة آخرون، فتوقف عن إعطائهم شيئًا نهائيًا، وقال: لا بد من خطاب تعريف من الشيخ سياف، أو من أحد القادة المعروفين لدينا.
فادعوا أنهم بعيدون عن موقع سياف، ومن القادة المعروفين لدى سماحتكم، وأنهم سيعودون لبلادهم؛ لأنهم مجاهدون ويريدون نفقة الطريق، فمنعهم.
ثم تكاثر العدد وكل يوم في المسجد والمكتب والبيت حتى بلغ عددهم أكثر من خمسين، وعليهم ملابس الجهاد، وعمائم المجاهدين.
فأصر على عدم إعطائهم، وأن مساعدة المجاهدين عن طريق جهات مختصة، وما زالوا يترددون على سماحته، وهو يمنع إعطاءهم، مصرًا على رأيه، وبعد اليأس انقطعوا، وبعد ذلك بعشرة أيام تقريبًا جاء سماحتَه رسالةٌ في يوم 1412/6/8هـ من مكتب المجاهدين بمكة، يوضحون أن هؤلاء وعددهم أكثر من 400 تقريبًا قد قدموا لمكة، وليسوا من المجاهدين، وهم باطنية شمال أفغانستان، ويسيئون للجهاد والمجاهدين، ويطالب المكتب بلفت النظر إليهم، وعدم مساعدتهم". [7]
 

بداية طلبه للعلم

لقد حثَّ الإسلام على طلب العلم، وجعل له مقامًا عظيمًا في شريعتنا الغراء، ورفع أهل العلم وجعلهم ورثةً للأنبياء، وقد وردت الأدلة الشرعية التي تحض على طلب العلم والحرص عليه، ومن ذلك قول النبي ﷺ: مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقًا إلى الجنة[1]، وقال ﷺ: مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين[2].
ومن رحمة الله ولطفه بعباده أن قيَّض لهم في كل زمانٍ زمرةً من أهل العلم والفضل، يهدون الناس إلى صراط الله المستقيم، ويرشدونهم إلى المنهج القويم الذي رسمه سيد المرسلين محمد ﷺ.
ويعد الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - واحدًا من رجال هذه الزمرة المباركة، الذين اختارهم الله ليحملوا ميراث النبي ﷺ ويبلغوه إلى الناس، وقد هيأ سبحانه كافة السبل والوسائل التي أعانت الشيخ على السير في طريق العلم والاجتهاد في تحصيله.

البيئة المحيطة:
 بدايةً من مولده ونشأته في مدينة (الرياض) هذه المدينة الغراء التي عُرفت في ذلك الوقت باجتماع أهل العلم والفضل، وكثرة وفود طلاب العلم إليها من شتى البقاع، فكانت بمثابة البيئة العلمية التي استقبلت الشيخ منذ نعومة أظفاره، فأثرت في نشأته، وانطبعت في شخصيته، وأصبح محبًّا للعلم، مقبلًا عليه. [3]

التشجيع الأسري:
وإلى جانب تأثير هذه البيئة العلمية، كان لمحيطه الأسري أثرٌ عظيمٌ في إقبال الشيخ على العلم والتحصيل، حيث كانت الأسرة تشجعه أيما تشجيعٍ، وتدفعه دفعًا إلى ورود حياض العلم، فبالرغم من الوضع المادي والمعيشي الذي كانت تعيشه الأسرة، إلا أن والدته - رحمها الله - كانت حريصة على تهيئة الجو المناسب لطلب العلم، وكانت تعينه بالنصح والتوجيه، وكذلك كان يحرص أخوه على العمل والتكسب؛ لكي ينفق عليه ويكفيه مؤنته فيصبح متفرغًا للعلم بعدما كان يتاجر معه في الأسواق. [4]

النبوغ والذكاء وعلو الهمة:
ومما أعان الشيخ كذلك على السير في طريق العلم قدمًا ما حباه الله به من نبوغٍ وذكاءٍ فطري، وعلو همةٍ ونفسٍ وثابةٍ، فبالرغم من الأوضاع المادية والمعيشية والاجتماعية الصعبة التي كانت تسود بيئته والبيئات المحيطة به في ذلك الوقت لم تمثل هذه الأوضاع أية عوائق له، وذلك بفضل هذه النفس الوثابة والطموح العالي والهمة السامية التي كانت تحول بينه وبين اليأس والخنوع للواقع. [5]
يقول عبدالرحمن بن يوسف: "لقد عُرف سماحته - رحمه الله - بالنبوغ المبكر، والألمعية النادرة، والنجابة الظاهرة، والذكاء المفرط منذ نعومة أظفاره، حتى بزَّ أقرانه ورفاق أترابه، فهو منذ صغره صاحب همة عالية، ونفس أبية، وقلب طموح، وعليه فقد جعلته تلك الصفات الجليلة موضع تقدير واحترام وتبجيل وتعظيم لكل من عرفه آنذاك أو خالطه وزامله". [6]

قوة الحفظ والذاكرة :
ولقد تميز سماحة الشيخ منذ طفولته بقوة الحفظ والذاكرة حيث أتم حفظ كتاب الله بإتقان قبل البلوغ، كما حفظ عددًا كبيرًا من المتون العلمية، وعندما ابتلي - رحمه الله - بفقدان بصره لم يكن ذلك عائقًا له عن السير في طريق العلم والاجتهاد في تحصيله - كما يحدث لبعض المبتلين - إنما استطاع أن يُحول المحنة إلى منحة، حيث ساعده فقدان البصر على توفير مساحة واسعة من التأمل والتركيز والحفظ بإتقان.. 
يقول عبدالرحمن بن يوسف: "إن نعمة الحفظ وقوة الذاكرة هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله  - على تمكنه من طلبه للعلم، وازدياد ثروته العلمية، المبنية على محفوظاته التي وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ وسرعة الفهم ما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة". [7]

بداية التحصيل:
بدأ الشيخ - رحمه الله - طريقه بحفظ القرآن كعادة أهل العلم، وقد أتم حفظه قبل سن البلوغ على يد الشيخ عبدالله بن مفيريج، ثم اشتغل بطلب العلم على يد المشايخ في الرياض، وأول من قرأ عليه: الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، قاضي الرياض، المتوفى سنة 1372هـ، حيث قرأ عليه (الأصول الثلاثة) و(كتاب التوحيد) و(كشف الشبهات) وغيرها من كتب الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب.
 كما قرأ على الشيخ محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ مدة في بيته في العقيدة وغيرها، وقرأ كذلك على الشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق - رحمه الله - في الجامع الكبير في الرياض في النحو وغيره عام 1344هـ، وقرأ على الشيخ سعد بن وقاص البخاري في القرآن والتجويد عام 1355هـ، وقرأ على الشيخ العلامة حمد بن فارس الفارسي سجل (بيت المال) وكتاب (الآجرومية) في النحو.
كما قرأ على الشيخ العلامة الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ - مفتي البلاد السعودية سابقًا - المتوفى سنة 1389هـ، وقد لازم دروسه نحو عشر سنوات، ابتداء من سنة 1347هـ إلى 1357هـ، وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية، حيث رُشِّح للقضاء من قِبل سماحته. [8]
وبعد، فقد رأينا كيف تضافرت الظروف البيئية والسمات الشخصية على تنشئة سماحة الشيخ نشأة علمية؛ لتصبح سيرته العلمية نموذجًا فريدًا، حريٌّ بطلاب العلم أن يستلهموا منها الفوائد والعبر؛ ليكونوا من العلماء الربانين.

من تأثر بهم أو أثر فيهم

أولا: من تأثر بهم الشيخ:
لقد تتلمذ سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - على يدي زمرة من أهل العلم والفضل البارزين والأئمة الناصحين، وقد أفاد منهم أشدَّ الإفادة، وأخذ عنهم الصفات الحميدة، والعلوم الشرعية المفيدة، والتوجيهات السديدة، والأخلاق الرشيدة، فكان لذلك أكبر الأثر في تكوينه وتحصيله العلمي.
وقبل أن نشرع في ذكر هؤلاء العلماء، نشير إلى دور والدته - رحمها الله - التي أحاطته برعايتها وغرست فيه حبَّ العلم والإصرار على طلبه وكانت دائمًا تشجعه وتهيئ له البيئة المناسبة لطلاب العلم، وكان الشيخ كثيرًا ما يذكر فضلها وأثرها في نشأته ويثني عليها، ومن ذلك قوله: "ولا شك أن لوالدتي - رحمة الله عليها - فضلا كبيرا وأثرا عظيما في تشجيعي على الدراسة والإعانة عليها، ضاعف الله مثوبتها، وجزاها عني خير الجزاء". [1]

أبرز الشيوخ والعلماء الذين أخذ سماحة الشيخ عنهم العلم:
  1. الشيخ محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: الذي ولد ونشأ في الرياض عام 1283هـ، في بيت علمٍ وفضلٍ، حيث كان والده الشيخ عبداللطيف مرجعًا للمسلمين ومصدرهم في العلم والفتوي، فحفظ القرآن وحفظ المتون وأخذ العلم عن والده وعن غيره من علماء عصره: كالشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالملك بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالله بن محمد بن حميد وغيرهم، حتى صارت له اليد الطولى في علوم التوحيد والتفسير والحديث والفقه والعربية وأصبح من كبار علماء عصره وزمانه. [2]
  2. الشيخ سعد بن حمد بن على بن عتيق: ولد في الحلوة عام  1268هـ، نشأ في بيئة علمية معروفة بالخير والتقى والصلاح، فوالده الشيخ حمد بن على بن عتيق، الذي حرص على تربيته تربية سليمة، فشرع في القراءة عليه في القرآن الكريم والعلوم الشرعية الأخرى: كالحديث والفقه والتفسير والنحو، ثم سمت به الهمة للسفر إلى الهند سنة 1301هـ، للتزود من العلوم النافعة وتحصيلها والقراءة على علماء الحديث هناك، وأخذ الإجازات العلمية والحديثية منهم. [3]
  3. الشيخ حمد بن فارس بن محمد آل فارس: ولد في بلدة العطار عام 1263هـ، نشأ في بيئة علمية فقد كان والده الشيخ فارس من أهل العلم فنشأ نشأة طيبة، ورباه تربية صالحة، فلازم والده ملازمة تامة حتى حفظ عليه القرآن الكريم، وقرأ عليه في علوم الفرائض والحساب ومبادئ العلوم، كما أخذ العلم عن عددٍ من علماء آخرين منهم الشيخ عبدالله بن حسين المخضوب القحطاني والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ. [4]
  4. الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن حسين آل الشيخ: ولد في بلدة السلمية من إحدى بلدان محافظة الخرج سنة 1277هـ، ونشأ في بيئة علمية إذ والده الشيخ عبدالعزيز كان من العاملين بالقضاء، وقد دخل الكتاب وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة، ثم حفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم شرع في طلب العلم مبتدئًا بالمتون العلمية المهمة وخاصة كتب شيخ الإسلام ومجدد الملة والدين الإمام محمد بن عبدالوهاب وغيرها من الكتب النافعة، وقد أخذ العلم من عددٍ من العلماء منهم: الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، والشيخ عبدالله الخرجي، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ محمد بن محمود - رحمهم الله جميعًا، وغيرهم من العلماء. [5]
  5. الشيخ سعد بن وقاص البخاري: هو من العلماء الأفاضل المعروفين بسلامة المعتقد، وأصالة الرأي، وحسن التعليم، وإتقان التجويد وقد ذكر الشيخ ابن باز أنه أخذ عنه علم التجويد، وقد شارك سماحته في الأخذ عن الشيخ سعد بن وقاص عددٌ من العلماء وطلبه العلم النجديين ومنهم العلامة عبدالله بن حسن قعود - رحمه الله. [6]
  6. الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: ولد في الرياض عام 1311هـ، ونشأ في بيئة علمية معروفة بالخير والعلم والإيمان، وخاصة في كنف والده الشيخ إبراهيم، ولما بلغ الثامنة من عمره أدخله مدرسة تحفيظ القرآن التي هي للمقرئ المعروف عبدالرحمن بن مفيريج - رحمه الله - فختم القرآن تلاوة وحفظا وهو في الرابعة عشر من عمره قبل أن يصاب بمرض في عينه ويفقده بصره، ثم شرع في قراءة المتون العلمية وخاصة مختصرات الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - ومبادئ النحو والفرائض وغير ذلك من كتب العلم وفنونه المتنوعة، حتي نبغ في سائر الفنون، وقد أخذ العلم عن عددٍ من أهل العلم منهم: والده الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف، وعمه الشيخ عبدالله بن عبدالطيف، و الشيخ المحدث سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ النحوي حمد بن فارس، والشيخ الفرضي عبدالله بن راشد العنزي - عليهم رحمة الله - وغيرهم من أهل العلم والفضل.
ومن المناصب التي شغلها الشيخ ابن باز:
رئاسة دار الإفتاء والبحوث العلمية، ورئاسة القضاة، ورئاسة الكليات والمعاهد العلمية، ورئاسة الجامعة الإسلامية، ورئاسة دور الأيتام، والإشراف العام على رئاسة تعليم البنات، ورئاسة المعهد العالي للقضاة، ورئاسة المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي، ورئاسة المكتبة السعودية بالرياض، ورئاسة المعهد الإسلامي في نيجيريا، ورئاسة المجلس الأعلى للقضاء، ورئاسة معهد إمام الدعوة العلمي، ورئاسة مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية، والإشراف على ترشيح الأئمة والمؤذنين، وتعيين الوعاظ والمرشدين، وكان خطيبًا للجامع الكبير وإمام العيدين، وإمامًا في مسجده، وقد بدأ في إنشاء مجلس هيئة كبار العلماء، ولكن وافته المنية قبل أن يباشر المجلس أعماله. [7]

ثانيا: من تأثروا بالشيخ:
  • طلاب العلم:
لقد كان الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - محبًّا لطلاب العلم حريصًا على نفعهم وتيسير أمورهم، فكان بمثابة الوالد والمربي والمعلم لهم.
يقول الدكتور محمد لقمان السلفي: "كان - رحمه الله - شديد العناية بالطلاب الذين يأتون إلى الجامعة للدراسة، وكان يقربهم من نفسه ويطلب منهم الجلوس بجانبه، ويسألهم أحوالهم في محيط الجامعة، ويطمئن على سير دراستهم وصحتهم وراحتهم في المسكن، ويحل المشاكل بينهم إن وجدت، ويغتنم كل فرصة للحديث إليهم ينصحهم بالاجتهاد في الدراسة والإخلاص في النية والعمل بما يتعلمون، وهكذا يسعى جاهدًا ليل نهار أن يربيهم على الخير، ويسلحهم بالإيمان والغيرة لدينهم، والاستعداد للقيام بالدعوة إلى الله إذا رجعوا إلى بلادهم". [8]
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: "لم أر مثل الشيخ ابن باز في وده وحفاوته بإخوانه من أهل العلم، ولا في حبه وإكرامه لأبنائه من طلبة العلم... ". [9]
وقد بلغ اهتمام الشيخ بطلابه إلى حدٍّ بعيدٍ، حيث سعى إلى توفير مساكن آمنة لهم، فطلب من الملك عبدالعزيز بناء بعض المساكن لهؤلاء الطلاب وبخاصة المغتربين عن بلادهم لطلب العلم على يدي الشيخ، وبالفعل استجاب الملك لذلك المطلب، وليس ذلك فحسب إنما استطاع الشيخ بمساعدة الملك أن يوفر مكافآت شهرية لهؤلاء الطلاب تعينهم على التفرغ للعلم. [10]
ونظرًا لما تميز به سماحة الشيخ من منزلة رفيعة ومكانة علمية عالية؛ تطلعت نفوس الكثيرين من طلاب العلم واشرأبت أعناقهم للأخذ عنه، ولم يكن بالإمكان حصر تلاميذه؛ لكثرة عددهم وتفرق أماكنهم وأزمانهم، حيث ظلَّ الشيخ ينشر العلم بين الناس أكثر من ستين عامًا في الدلم والرياض ومكة والمدينة والطائف وغيرها.

بعض طلاب الشيخ: [11]
  1. الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصين: مدير مكتب الشيخ ابن باز ومستشاره الخاص.
  2. الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ: كان يعمل وزيرًا للعدل، وكان عضوًا لهيئة كبار العلماء.
  3. الشيخ أبو بكر جابر الجزائري: أحد علماء المدينة المعروفين، والمدرس بالمسجد النبوي، وصاحب الكتب النافعة.
  4. الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد: عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وصاحب المؤلفات الكثيرة المشهورة.
  5. الشيخ حسن بن عبداللطيف بن مانع: المدرس بالمعهد العلمي بالشفاء.
  6. الشيخ حمد بن سعد بن حمد بن عتيق: عمل قاضيا في محكمة التمييز، وهو من الأفلاج.
  7. الشيخ حمد بن محمد الفريان: كان عضوًا في مجلس الشورى ووكيل وزارة العدل سابقا.
  8. الشيخ حمود بن عبدالعزير السبيل: أحد القضاة المعروفين، والفقهاء المشهورين.
  9. الشيخ حمود بن عبدالله العقلاء الشعيبي: من أهل بريدة بالقصيم، وله باع في الفقه والعقيدة.
  10. الشيخ راشد بن صالح بن خنين: المستشار بالديوان الملكي، وأحد أعضاء هيئة كبار العلماء، وهو من الدلم.
  11. الشيخ زيد بن عبدالعزيز بن فياض: أحد كبار العلماء، وصاحب كتاب (الروضة الندية في شرح العقيدة الواسطية).
  12. الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين: مدير مركز الدعوة والإرشاد بعمان.
  13. الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم: إمام وخطيب المسجد الحرام، والقاضي بمكة سابقًا.
  14. الشيخ سلطان بن عبدالعزيز الخميس: عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود سابقًا.
  15. الشيخ سليمان بن عبدالله بن حماد: كان يقرأ على الشيخ، وعمل في التفتيش القضائي.
  16. الشيخ صالح بن سعد السحيمي: الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة، ورئيس قسم العقيدة بشعبة الدراسات العليا.
  17. الشيخ صالح بن عبدالعزيز المنصور: الفقيه المعروف، والمدرس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم.
  18. الشيخ صالح بن محمد اللحيدان: رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وعضو هيئة كبار العلماء.
  19. الشيخ صالح بن محمد بن رشود: المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية سابقا، وهو فقيه معروف بغزارة علمه وتمكنه من مذهب الحنابلة.
  20. الشيخ عبدالرحمن بن سحمان: كان كاتبًا للشيخ، ثم عمل رئيسًا لمحكمة الأفلاج فرئيسًا لمحكمة الدلم، ثم قاضيًا في هيئة التمييز للأحكام الشرعية، وهو من الأفلاج.
  21. الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن جلال: رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدلم.
  22. الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك: أستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو أحد كبار العلماء في العقيدة وأصولها، وهو من الرياض.
  23. الشيخ عبدالصمد بن محمد: الكاتب الفرضي المعروف، وأحد مدرسي الجامعة الإسلامية.
  24. الشيخ عبدالعزيز الشبل: مدرس سابق بالمسجد النبوي.
  25. الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم بن قاسم: القاضي بالمحكمة الكبرى، وهو فقيه أصولي لغوي عالم مشهود له بالعلم والفضل.
  26. الشيخ عبدالعزيز بن حمد المشعل: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
  27. الشيخ عبدالعزيز بن سلميان الحميدي: من أهل منطقة الرياض.
  28. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل الشيخ: من أهل منطقة الرياض.
  29. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله أبو زيد: القاضي بالمحكمة المستعجلة بالمدينة النبوية.
  30. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأحد العلماء المعروفين بسعة العلم.
  31. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله السالم: كان يعمل أمينًا عامًّا لمجلس الوزراء، وهو من الرياض.
  32. الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل عبدالمنعم: كان يعمل أمينًا عامًا لهيئة كبار العلماء.
  33. الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل عبداللطيف: المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
  34. الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن جلال: كان يعمل رئيسًا للحسبة في الدلم.
  35. الشيخ عبدالكريم بن مراد الأثري: أحد مدرسي الجامعة الإسلامية، وله نشاط دعوي في باكستان.
  36. الشيخ عبدالله بن إبراهيم الفتوخ: عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية سابقا، ومدير عام الدعوة في الداخل.
  37. الشيخ عبدالله بن حسن بن قعود: عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقًا، وإمام وخطيب جامع الملك عبدالعزيز بالمربع، وهو من الحريق.
  38. الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري: رئيس ديوان المظالم سابقًا، وهو من الحوطة.
  39. الشيخ عبدالله بن صالح القصير: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والمستشار بوزارة الشؤون الإسلامية.
  40. الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين: أحد العلماء والمعروفين، والمفتين المشهورين.
  41. الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الشثري: المستشار بالحرس الوطني، من حوطة بني تميم.
  42. الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن غديان: أحد أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وعضو هيئة كبار العلماء.
  43. الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن إدريس: الأديب المعروف ورئيس نادي الرياض الأدبي.
  44. الشيخ عبدالله بن محمد بن رشيد: عضو مجلس القضاء الأعلى.
  45. الشيخ عبدالله بن محمد بن زاحم: رئيس محاكم المدينة المنورة سابقا، وعضو المجلس الأعلى للقضاء، وإمام وخطيب المسجد النبوي.
  46. الشيخ عبيد بن عبدالله الجابري: المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
  47. الشيخ عطية بن محمد بن سالم: القاضي بمحكمة المدينة، والمدرس بالمسجد النبوي.
  48. الشيخ علي بن سليمان الرومي: نائب رئيس محكمة التمييز بالرياض.
  49. الشيخ علي بن سليمان المهنا: أحد علماء المدينة النبوية، ورئيس محكمة المدينة المستعجلة سابقًا.
  50. الشيخ علي بن عبدالله بن حواس: من علماء القصيم المعروفين، وصاحب الردود الشهيرة، والمؤلفات القيمة.
  51. الشيخ علي بن محمد بن زامل: النحوي المعروف، وعالم القصيم في اللغة والنحو.
  52. الشيخ علي بن محمد بن سنان: العالم المعروف، والمدرس بالمسجد النبوي.
  53. الشيخ علي بن محمد بن ناصر: الأستاذ بالجامعة الإسلامية، ورئيس مركز شؤون الدعوة بها.
  54. الشيخ علي بن مشرف العمري: الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سابقًا.
  55. الشيخ عمر بن سعود العيد: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
  56. الشيخ عمر بن عبدالعزيز بن مترك: المستشار في الديوان الملكي سابقًا.
  57. الشيخ عمر بن محمد بن فلاتة: المدرس بالمسجد النبوي، ورئيس مركز السنة النبوية سابقًا.
  58. الشيخ فالح بن سعد آل مهدي: أحد العلماء المعروفين بقوة الفهم والحفظ.
  59. الشيخ فهد بن حمين: عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأحد كبار أهل العلم والفضل.
  60. الشيخ محمد بن أحمد بن سنان: صاحب مدرسة ابن سنان لتحفيظ القرآن الكريم.
  61. الشيخ محمد بن المجذوب بن مصطفى: الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سابقًا.
  62. الشيخ محمد بن بكري السميري: الباحث العلمي برئاسة البحوث العلمية والإفتاء.
  63. الشيخ محمد بن زيد آل سليمان: رئيس المحاكم الشرعية في الدمام، وعضو هيئة كبار العلماء، وهو من الحريق.
  64. الشيخ محمد بن سليمان آل سليمان: القاضي في المحكمة الكبرى بالدمام سابقًا، ورئيس جمعية تحفيظ القرآن بالمنطقة الشرقية، وهو من الحريق.
  65. الشيخ محمد بن سليمان الأشقر: العالم الأصولي المعروف صاحب كتاب (زبدة التفسير عن فتح القدير)، "وكان قد تولى إدارة المعهد العلمي بشقراء، وبقي في شقراء مدة افتقده فيها شيخه الشيخ ابن باز - رحمه الله، فلما قدم الرياض بعد ذلك، وزار الشيخ، سأله عن سبب غيابه؟ فقال الشيخ محمد: يا فضيلة الشيخ لقد كلفت بإدارة المعهد العلمي بشقراء. فقال الشيخ ابن باز: ما ينبغي لطالب العلم أن يشتغل بالإدارة في وقت طلبه للعلم!، يقول الشيخ محمد: فعزمت على ترك المعهد واتجهت لمواصلة طلب العلم، فكانت فائدة جليلة من هذا الشيخ الجليل". [12]
  66. الشيخ محمد بن صالح العثيمين: أحد كبار العلماء المعروفين، والمفتين في العالم الإسلامي، مفسر أصولي فرضي نحوي فقيه.
  67. الشيخ محمد بن عبدالله الأمير: عضو مجلس القضاء الأعلى، وأحد أهل العلم والفضل.
  68. الشيخ محمد بن ناصر العبودي: الأمين العام للجامعة الإسلامية سابقًا.
 
  • محيطه الوظيفي وعوام الناس:
لم يتوقف تأثير الشيخ - رحمه الله - على طلابه فحسب، إنما تعدى هذا التأثير ليشمل كلَّ من جالس سماحته أو تعامل معه ولو لمرة واحدة، فلم يحل الشيخ في مكانٍ إلا وتعلقت به القلوب والتفَّ حوله العام والخاص، ومن ذلك أنه عندما عُين قاضيًا على الدِّلم وجاء الأمر بنقله من المنطقة، وكان واقع هذا الخبر شديدًا على قلوب الجميع، ووصل الأمر بهم أن أرسلوا وفدًا منهم إلى الملك عبدالعزيز؛ يطلبون منه إبقاء الشيخ قاضيًا على المنطقة. [13]
وفي عام 1414هـ عندما كان يعمل سماحته في الجامعة صدر الأمر الملكي بنقله وتعيينه في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكان واقع هذا الأمر أيضًا شديدًا على الجامعة: طلابًا ومدرسين وموظفين، حيث احتشد عددٌ كبيرٌ من هؤلاء في المسجد؛ ليودعوا الشيخ ويعبروا عن تقديرهم لسماحته وحبه الذي خالط دماؤهم، فما إن همَّ الشيخ بإلقاء كلمة يودع فيها هؤلاء المحبين إلا وفاضت الدموع من الجميع وارتفعت أصوات النشيج فتأثر الشيخ وبكى هو أيضًا، الأمر الذي يصور مدى الترابط الروحي بينهم وبين سماحة الشيخ. [14]
وكما تأثر بسماحته عددٌ كبيرٌ من عوام الناس، سواء داخل المملكة أو خارجها حيث كان اسم الشيخ - رحمه الله - محل ثقة لديهم لعلمهم بمكانته وفضله، ولأن الشيخ كان يحيط هؤلاء العوام بالاهتمام والرعاية، والقصص الدالة على ذلك كثيرة، نذكر منها قصة عجوز أفريقيا التي التقى بها بعض رجال هيئة الإغاثة في أدغال إفريقيا، فبعد مسير هؤلاء أربع ساعات على أقدامهم مروا على امرأة عجوز في خيمة، فسلموا عليها وأعطوها بعض المعونات، فقالت لهم: من أي البلاد أنتم، فقالوا: من المملكة العربية السعودية، فقالت بلغوا سلامي إلى الشيخ ابن باز، فقالوا: يرحمك الله وما يدري ابن باز عنك في هذه الأماكن البعيدة، فقالت والله أنه يرسل لي في كل شهر ألف ريـال بعد أن أرسلت له رسالة أطلب منه المساعدة والعون بعد الله . [15]
فهذه المواقف وغيرها الكثير توضح لنا مدى تأثير الشيخ عبدالعزيز بن باز في الآخرين، فرحم الله سماحة الشيخ، ورفع درجاته في عليين.

عنايته بالقرآن الكريم

عناية الشيخ بكتاب الله العظيم
لقد كانت حياة الإمام مع القرآن منذ الصغر وعنايته به في سن مبكرة، فقد بدأ في حفظ القرآن في صغره وأتم حفظه قبل البلوغ، يقول - رحمه الله - عن نفسه: "وقد بدأت الدراسة منذ الصغر، فحفظت القرآن الكريم قبل البلوغ على يدي الشيخ عبدالله بن مفيريج - رحمه الله، ثم بدأت في تلقي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض". [1]
واستمرت عنايته بكتاب الله بعد البلوغ فصلى به التراويح والقيام في رمضان سنة 1347هـ. [2]
ولحرصه على تعلم القراءة الصحيحة لكتاب الله قرأه وتعلم تجويده على يدي الشيخ سعد وقاص البخاري - رحمه الله، يقول الشيخ - رحمه الله - وهو يحكي بداية طلبه للعلم ومن أخذ عنهم العلم: "الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة أخذت عنه علم التجويد في عام 1355هـ، حيث كنت أتردد على الشيخ سعد في دكانه مدة شهرين، آخذ عنه علم التجويد". [3]
وبعد أن حفظ القرآن الكريم وأتقنه كان - رحمه الله - عظيم العناية به، شديد الحفاوة به، كثير الإقبال عليه؛ قراءة وتدبرًا، وتعليمًا وتفسيرًا، وقد أخذت هذه العناية صورًا شتى علمًا وعملًا، في حياته الخاصة والعامة، وبرزت من خلال مظاهر عديدة، منها:
أولًا: حفظه المتقن المتمكن لكتاب الله تعالى، فلا يكاد يخطئ في تلاوته، أو يتلعثم عند قراءته، أو يطلب الفتح عليه.
يقول الدكتور محمد السريع - أحد تلاميذ الشيخ رحمه الله: "إن الشيخ إبراهيم الأخضر القيم شيخ القراء في المدينة المنورة قال: "لقد كان حفظ الشيخ للقرآن الكريم متقنًا جدًا، فسبحان الذي أعطاه، إن حافظته ليست محِلَ سؤال، لقد كان شيئًا نادرًا".
ومن مظاهر هذا الإتقان والتمكن أنه ربما ارتجل الكلمة على البديهة أو شرع في إجابة سؤال مفاجئ، فإذا به يسوق مع الآية أخواتها، ويورد مع الاستشهاد أمثاله متتابعًا دون توقف، متدفقًا دون إبطاء، وربما كانت الآيات من التشابه اللفظي فلا يكاد يخطئ في شيء منها". [4]
يقول الشيخ محمد الموسى: "لا أعرف أن الشيخ أخطأ في شيء من المتشابهات، بل كان إذا أملى آية، وقلنا: أليست كذا؟ قال: لا تلك في سورة كذا وكذا". [5]
ثانيًا: الاتصال الدائم بكتاب الله، والارتباط الذي لا ينقطع به، فقد كان - رحمه الله - لا يترك ورده اليومي أبدًا، فهو يصحو قبل الفجر بساعة ليصلي ويقرأ من القرآن ما شاء الله [6]، وكلما سنحت له فرصة في الطريق أو قبل الصلوات اغتنمها بذكر الله وقراءة القرآن الكريم.
ثالثًا: تحين الفرص لدلالة الناس على فضل القرآن وربطهم به، يقول تلميذه الدكتور محمد السريع: "فمما هو معروف من سيرته - رحمه الله - أنه لا يكاد يجلس مجلسًا، أو يزور أحدًا أو يدعى إلى مناسبة إلا ويأمر أحد طلابه أو مرافقيه بتلاوة شيء من القرآن، ثم يفسر الآيات ويعلق عليها، ويبين معانيها.
وهذا المنهج لم ألتق أحدًا ممن عرف الشيخ قديمًا ولا حديثًا إلا وهو يحدثني عنه ... الذين صحبوا الشيخ في الدلم أو الذي عرفوه في آخر حياته على حد سواء". [7]
وقال الدكتور عبدالله الأهدل - أحد تلاميذ الشيخ في المدينة المنورة: "كنا إذا اجتمعنا مع الشيخ في لقاء أو احتفال أو رحلة أمر أحد الطلاب أن يقرأ القرآن، ثم يفسر الآيات ويوضح معناها، وكان يحب قراءة الشيخ محمد أيوب، ويأمره أن يقرأ إذا كان موجودا، ويثني على قراءته". [8]
وقال الدكتور عبدالعزيز القارئ: كان الشيخ - رحمه الله - يفتتح جلسات المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالقرآن ويختمها بالقرآن، وكان يفتتح المحاضرات التي تلقى في الجامعة بالقرآن، وكان يحثني أن يكون القارئ مجودًا حسن الصوت، وكان يوجهني أن تكون القراءة طويلة، وأحيانا يقول: من طوال المفصل".
وقال أيضًا: كان الشيخ يدعونا لما كان في المدينة في كل شهر إلى جلسة خارج المدينة - في الصيف ليلًا وفي الشتاء نهارًا - وكان يدعو نحوًا من عشرين من الإخوة وأهل العلم، وكان اللقاء يُعمر بالقراءة في الكتب والمذاكرة والنقاش العلمي في جو لا يخلو من الانبساط والأنس، وكان يفتتح الجلسة بالقرآن وتفسيره، وذات مرة أمرني أن أقرأ وقال: اقرأ حزبًا، فلما قدرت أن القراءة ستطول والحال حال نزهة قرأت حدرًا، فتبسم وقال: ليش العجلة، احنا جالسين، وكان يعلق أثناء القراءة فتكون القراءة أطول من التي أطول منها". [9]
قال الشيخ تقي الدين الهلالي فيه:
بتفسير قرآن وسنة أحمد يُعمِّرُ أوقاتًا وينشرُها درًا[10]
هذه بعض مظاهر عنايته - رحمه الله - بكتاب الله ، وما لم نذكره أكثر مما ذكر، رحم الله الشيخ الإمام ابن باز، وأسكنه فسيح الجنان.

عنايته بتفسير القرآن العظيم
من عنايته بكتاب الله وتعلقه به، عنايته ببيانه وتوضيحه للآخرين، سواء كانوا طلابًا أو عامة، أو سائلين، فقد كان - رحمه الله - يلقي المحاضرات التي تبين أهمية كتاب الله ، وتحث على التمسك به، والعمل بما فيه، وكذلك الدروس التي تفسر آياته، وتجلي معانيه ومقاصده، ولذا فإنه قلَّ أن يخلو درسٌ من دروسه عن جزء مخصص للتفسير.
فمنذ أن جلس للناس حين كان قاضيًا في الخرج وتدريس التفسير يلازمه لا يكاد ينفك عنه، يقول عبدالعزيز بن ناصر البراك - أحد تلامذته: "وقد قسّم الشيخ أوقاته بين القضاء والتدريس، وعقد له حلقتين في المسجد الجامع الكبير في الدِّلم: إحداهما بعد صلاة الفجر في التوحيد والفقه والحديث والنحو والتفسير..."، ثم قال: "وبعد أذان العشاء يبدأ درسًا آخر في تفسير ابن كثير حيث يقرأ أحد تلامذته وهو عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن جلال على الشيخ في تفسير ابن كثير مدة من الزمن". [11]
يقول ابن جلال: "لقد أكرمني الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله - بتخصيص هذا الوقت لي للقراءة عليه في تفسير ابن كثير قبل صلاة العشاء، وقد لاحظت من خلال قراءتي عليه شدة تأثره وكثرة بكائه، وربما زاد تأثره بما يسمع، فيمتد الدرس ويطول الوقت دون أن يشعر، حتى ينتبه فينهيه، فتقام صلاة العشاء". [12]
ومما أدركه طلابه إقباله الدائم على كتاب الله وحرصه على تبليغه، وقد كان لهذا الحرص الأثر البالغ على أولئك الطلاب.
يقول الدكتور محمد السريع: "ولقد أمضى الشيخ - رحمه الله - فترة من الزمن على افتتاح درسه في الجامع الكبير بالرياض بتلاوة آيات من القرآن يقرؤها أحد الطلاب، ثم يشرع في تفسيرها وبيان معانيها". [13]
ويقول الشيخ عبدالرحمن بن جلال: "خرجنا مع الشيخ - رحمه الله - في نزهة برية، وذلك للمذاكرة، والراحة، وجلسنا في حلقة علم وأنس وتذكير ورياضة واتباع للسنة، وقراءة عامرة في بطون الكتب، فلما جاء المساء نزل مطر غزير، وكان معنا حمار نحمل عليه البسط، ولوازم السفر، فلجأنا إلى بعض الفرش والعباءات نتدثر بها، واشتد الأمر، فالمطر عظيم، فلما دخلنا واستقر بنا المقام، قال الشيخ - رحمه الله - رافعًا صوته: ابن جلال!! معك آيات من كتاب الله، اقرأها واجعلها من حزبك، فعرفت أنه يريد أن تكون القراءة طويلة، وقال: سمّ اقرأ، فعجبنا من ذلك أشد العجب، فقرأت من سورة الأعراف من أولها إلى ذكر قصة نوح عليه السلام، ففسر الآيات تفسيرا رائعا، يبكي فيه أحيانًا، ويفسر أحيانًا". [14]
فالشيخ - رحمه الله - كان دائم التعلق بالقرآن الكريم، كثير الاهتمام به، يريد أن يوصل رسالته إلى كافة الناس، فهو ينتهز كل فرصة، ويغتنم كل مناسبة، ليعلم كتاب الله .
يقول الدكتور عبدالله الأهدل: "كنا إذا اجتمعنا مع الشيخ في لقاء أو احتفال أو رحلة أمر أحد الطلاب أن يقرأ القرآن، ثم يفسر الآيات، ويوضح معناها". [15]
وقال الدكتور عبدالعزيز القارئ: "كان الشيخ - رحمه الله - يدعونا لما كان في المدينة في كل شهر إلى جلسة خارج المدينة - في الصيف ليلًا وفي الشتاء نهارًا - وكان يدعو نحوًا من عشرين من الإخوة وأهل العلم، وكان اللقاء يُعمر بالقراءة في الكتب والمذاكرة والنقاش العلمي في جو لا يخلو من الانبساط والأنس، وكان يفتتح الجلسة بالقرآن وتفسيره ... وكان يعلق أثناء القراءة فتكون القراءة أطول من التي أطول منها". [16]

دروس التفسير
كان الشيخ - رحمه الله - له دروس في تفسير القرآن الكريم منها ما كان في المسجد، ومنها ما كان في بيته، وقد كانت هذه الدروس في: جامع البيان، لابن جرير، ومعالم التنزيل للبغوي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وتفسير الجلالين [17]، ولكن الأغلب كان في كتابي: الإمام البغوي، والإمام ابن كثير، رحمهما الله.
أما تفسير ابن كثير فكان - رحمه الله - يقرأ عليه في الفجر، وبعد المغرب، وبعد صلاة الجمعة، وأما تفسير البغوي فكان يقرأ عليه بعد صلاة الجمعة.
يقول عبدالرحمن بن يوسف الرحمة: "تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، قرأه في درس الفجر الشيخ د. عمر بن سعود العيد، وفي درس المغرب الشيخ عبدالعزيز بن ناصر بن باز، وكلاهما وصل إلى حدود المجلد الثاني من المجلدات الأربعة، وكان يُقرأ أيضًا في بيت سماحة الشيخ - رحمه الله - بعد صلاة الجمعة، وقرأه الشيخ أحمد بن راشد العرفج من بدايات المجلد الأخير فيما أحسب، وقد طالعت نسخة سماحة الشيخ في مكتبته فرأيت له فيها عددًا من التعليقات النفيسة". [18]
أما يوم الجمعة فكان - رحمه الله - بعد أن يؤدي صلاة الجمعة يجتمع مع طلابه وزوَّاره وأصحاب الحاجات، فيقيم لهم وليمة في منزله العامر، ويجيب على الأسئلة والاستفسارات، ويقضي حوائج أصحاب الحاجات، ومع هذه الأعمال الجليلة إلا أن درس التفسير له النصيب الأوفر والحظ الأكثر.
يقول تلميذه عبدالرحمن الرحمة عن محطاته اليومية أنه "بعد صلاة الجمعة يجتمع عند طلابه للأسئلة والاستفسارات ويقيم لهم وليمة غداء في منزله العامر، ومع هذه الوليمة درس في تفسير ابن كثير ثم في البغوي يتناوب القراءة عليه فيه كل من الشيخين الفاضلين عبدالعزيز بن ناصر بن باز، وأحمد بن راشد العرفج - وفقهما الله لكل خير". [19]

إجاباته عن أسئلة بعض السائلين في التفسير
كان الشيخ - رحمه الله - يسأل كثيرًا عن تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم من قبل المستفتين، وكان يجيب عليها بإجابات شافية، يفسر فيها ما طلب، بكل وضوح وسهولة فيقرب معانيها للسائلين، ويزيل الإشكال الذي في أذهان المستفتين، وقد حفل كتابه (مجموع الفتاوى) بإجابات كثيرة حول هذا الأمر، ومنها على سبيل المثال:
يقول السائل: ما هو الحق في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42]؟
فأجاب الشيخ - رحمه الله: "الرسول ﷺ فسرها بأن المراد يوم يجيء الرب يوم القيامة، ويكشف لعباده المؤمنين عن ساقه، وهي العلامة التي بينه وبينهم سبحانه وتعالى، فإذا كشف عن ساقه عرفوه وتبعوه، وإن كانت الحرب يقال لها: كشفت عن ساق إذا استشرت، وهذا معروف لغويًّا، قاله أئمة اللغة. ولكن في الآية الكريمة يجب أن يفسر بما جاء في الحديث الشريف، وهو كشف الرب عن ساقه .
وهذه من الصفات التي تليق بالله لا يشابهه فيها أحد جل وعلا، وهكذا سائر الصفات كالوجه واليدين والقدم والعين وغير ذلك من الصفات الثابتة بالنصوص، ومن ذلك الغضب والمحبة والكراهة وسائر ما وصف به نفسه سبحانه في الكتاب العزيز، وفي ما أخبر به عنه النبي ﷺ كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ، ومن تبعهم بإحسان من أئمة العلم والهدى، والله ولي التوفيق". [20]
كان هذا جانبًا من حياة الشيخ - رحمه الله - مع كتاب الله العزيز، القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حري بالعلماء وطلبة العلم أن يستفيدوا من حياة الشيخ هذا الجانب، وينهلوا من علمه الذي تركه في تفسير آيات كتاب الله العزيز.
 
تأثره - رحمه الله - عند سماع القرآن الكريم
القرآن الكريم له وقعه الخاص على القلوب، فهو علاجها الشافي، ودواؤها الناجع، فترق القلوب وتلين عند سماعه وتخضع الجوارح عند قراءته، قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21].
ولقد ظهر أثر كتاب الله على سماحة الشيخ - رحمه الله - في جوانحه وجوارحه، يلحظ ذلك من جالسه، ويراه من تتلمذ على يديه؛ لأنه أحيانًا من شدة تأثره ما كان يستطيع أن يخفي بكاؤه وعبرته.
وقد تكاثرت النقول التي تصف حاله - رحمه الله - عند سماعه لما كان يقرأ من آيات، أو ما يسمع من تفسير لبعض الآيات.
كان عندما يسمع القرآن لا يتمالك نفسه، فتدمع عينه ويتغير وجهه، ويظهر الخشوع على جوارحه، وهذا ينبئ عن قلب يحيا مع القرآن، ونفس شفافة أضاءت بأنواره.
يقول الشيخ إبراهيم الأخضر: "لم أر في حياتي أحدًا يستمع القرآن مثل الشيخ ابن باز، كنت أتأمل في وجه الشيخ أثناء القراءة فكان يتغير ويتأثر، لقد كان في سماعه للقرآن عجيب جدًا، كنت تشعر كأنه يُحس بكل حرفٍ، وكل حركة على كل حرف". [21]
ويقول ابنه أحمد: "كان كثير التأثر إذا سمع القرآن، وخصوصًا قصص الأنبياء عليهم السلام، وأحوال الأمم السابقة، وكل مرة تمر عليه يتأثر ويبكي وكأنه لأول مرة يسمعها". [22]
هذه الحالة من التأثر التي كان يراها من حوله كانت درسًا مؤثرًا، وموعظة بليغة في الانتفاع من كتاب الله .
ولا عجب فالطالب يتأثر بشيخه ويستفيد من حاله كما يستفيد من مقاله وربما أكثر.
يقول ابن الجوزي عن شيخه الأنماطي: "كنت أقرأ عليه وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره". [23]
هذا التأثر وهذا الخشوع كان يُرى كذلك عند دروس تفسير القرآن، وشرح آيات الرحمن، يقول الشيخ ابن جلال: "كنت أقرأ على الشيخ في تفسير ابن كثير، وكان طيلة هذه القراءة ما بين شرح وتذكير، وما بين تضرع وبكاء وخشوع، حتى أنه في بعض الليالي ينسى الوقت مع الخشوع حتى يذهب وقت كثير". [24]
ويقول الشيخ أحمد العرفج: "كان - رحمه الله - كثير البكاء عند سماع التفسير، مع أنه يخفي بكاءه فلا يُفطن له في كثير من الأحيان، وأحيانًا يُغلب فيظهر بكاؤه، وأكثر ما رأيته يبكي عند قصة الإفك في سورة النور". [25]
ويقول مدير مكتبه محمد الموسى - وهو يعدد بعض المواطن التي كان يبكي فيها الشيخ: "كان - رحمه الله - كثيرًا ما يبكي عند سماع القرآن الكريم، أيًّا كان صوت التالي، أو حسن ترتيله من عدمه...
أما طريقة بكائه فكان يبكي بصوت خافت جدًا، ويُرَى التأثر على وجهه، أو يرى الدمع يُهراق من عينيه، وكان لا يحب رفع الصوت بالبكاء...
وكان كثير البكاء إذا سمع شيئًا يتعلق بتعظيم القرآن، أو السنة، وأذكر أنني كنت أقرأ عليه في كتاب (القول القويم) للشيخ العلامة حمود التويجري - رحمه الله - ومر أثناء القراءة كلام للشيخ حمود حول تعظيم السنة فالتفتُّ فإذا دموع سماحة الشيخ تتحادر على خديه.
وكانت من عادة سماحة الشيخ - رحمه الله - أنه إذا استُضيف في مكان ما طلب من بعض الحاضرين أن يتلو بعض الآيات؛ ليعطر بها المجلس، وليقوم سماحته بشرحها، وكثيرًا ما كنت ألحظ عليه البكاء، والدمع، وتغير الصوت". [26]
لقد كان الشيخ - رحمه الله - سريع العبرة، متدفق الدمعة، عميق الفكرة، حاضر الخشوع.
يقول الشاعر الدكتور ناصر بن مسفر الزهراني عنه:
العين دامعة، والكف ضارعة  والنفس خاشعة من خشية الوالي[27]
هذه حاله - رحمه الله - مع كتاب ربه سبحانه وتعالى، وهذا جانب من حياته مع القرآن الكريم.

عنايته بالحديث النبوي 1

اعتنى الشيخ - رحمه الله - بالحديث النبوي عناية فائقة؛ واهتم به اهتمامًا بالغًا؛ لأنه كان يدرك إدراكًا تامًّا أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع، المكملة والموضحة للمصدر الأول، ونتيجة لهذا الاهتمام الكبير والعناية الفائقة برز - رحمه الله - بروزًا كبيرًا في الحديث وعلومه حتى أصبح - رحمه الله - محدثًا جهبذًا، يحفظ كثيرًا من نصوص السنة ويستظهر كثيرًا من رجال الحديث، ودرجاتهم، وإضافة إلى ذلك الحفظ فقد كان له قدرة عالية على التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها، بل أصبحت أحكامه على الأحاديث من حيث الصحة والضعف مرجعًا للمستفيدين.
ولعل تلك المكانة التي تبوأها الشيخ والمكانة التي حازها ترجع إلى أمرين مهمين: تتلمذه على علماء أجلاء في هذا الأمر، وعنايته الخاصة بكتب الحديث وعلومه عند تعلمه وتعليمه  - رحمه الله.

أبرز الشيوخ الذين أفادوه في الحديث وعلومه:
من أبرز الشيوخ الذي أفادوا الشيخ - رحمه الله - في علوم الحديث: متونًا، وشروحًا، وأصولًا - عالمان جليلان، هما:
  1. الشيخ المحدِّث المسند سعد بن حمد بن عتيق - رحمه الله (ت 1349هـ)، الذي تلقى علوم الحديث عن الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، وأيضًا في رحلاته إلى الهند والحجاز؛ حيث تلقَّى أسانيدهما عمَّن أجازه من شيوخهما، وسماحة الشيخ أخذ عنه، ودرس عليه، واستفاد منه.
  2. الشيخ المحدث الفقيه الأصولي محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله (ت 1389هـ)، وهو الشيخ الذي طالتْ ملازمةُ الشيخ ابن باز - رحمه الله - له مدة عشر سنين متواصلة، من سنة 1347-1357هـ إلى توليه القضاءَ، وتنوَّعتْ دراستُه على شيخه في فنون العلم، وفي مقدمتها علم الحديث النبوي، بحفظ متونه، وشروحها، ومطالعة شروح مطولاته، وحفظ أصول الحديث (مصطلحه). [1]

عنايته بكتب الحديث وقت الطلب:
بدأ - رحمه الله - بمختصرات المتون الحديثية، ثم كتب الأحكام مثل: (عمدة الأحكام)، للشيخ عبدالغني المقدسي، ثم (بلوغ المرام من أدلة الأحكام)، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم (منتقى الأخبار)، للمجد بن تيميَّة، ثم في (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، والسنن، والمسانيد، ومصنفات الحديث النبوي.
وكان حالَ الطلبِ يراجع هذه المتون وشروحها الشهيرة المتداولة بين أيدي طلبة العلم.
وأعظم الشروح التي كان الشيخ يبحث فيها ويراجعها، شرح الحافظ الكبير ابن حجر على (صحيح البخاري)، والمعروف (بفتح الباري شرح صحيح البخاري)، فكان الشيخ حفيًّا به وبمطالعته، معجبًا بتقريرات الحافظ ونقوله فيه، وتنوع مباحثه ومتونه، ويزيد بـ (عمدة القاري) للعيني، رحمهم الله جميعًا. [2]

عنايته بكتب الحديث عند بذل العلم:
اعتنى الشيخ - رحمه الله - واحتفى في دروسه العامة المرتبة لطلاب العلم بكتب الحديث وشروحه، والتعليق عليها؛ ولهذا لم يخلُ درس من دروسه العلمية المرتبة فجرًا وضحًى وليلاً من القراءة في كتب المتون، ولاسيما صحيحا البخاري ومسلم، وكتب السنن: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، والسنن الكبرى للنسائي، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وغيرها من كتب السنة، إضافة إلى ذلك مراجعة شروح أمهات الكتب الست التي حوت كثيرا من العلم في الحديث والفقه وغيرهما. [3]
يقول الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل: "كان الشيخ حفيًّا بمطالعة كتب الشروح؛ للتحضير منها، ومراجعة البحوث فيها في مكتبه، ومع خواص أصحابه وطلابه، حيث ينشط لهذا نشاطًا متميزًا.
وكان يكلف الجادين من طلابه بالبحوث الحديثية، ودراسة الأحاديث وتخريجها وجمع مختلف كلام العلماء عليها، والتأليف بينها". [4]
"ثم ثمة مظهر بارز حرَص عليه سماحتُه من خلال العناية بالأصول الخطية (المخطوطات) لكتب الإسلام، فهذا الشرح الحافل على صحيح البخاري (فتح الباري)، للحافظ الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - رحمه الله - وعفا عنه جمع له الشيخ عددًا من المخطوطات؛ لتوثيق نصه وضبطه، وفتح الله عليه بالتعليق على بعض مجلداته إلى نهاية كتاب الحج بتمام المجلد الثالث منه". [5]
كما أنه - رحمه الله - كان كثيرًا ما يطالع في كتب تراجم الرواة وكتب الجرح والتعديل، وعلوم الحديث، يقول الشيخ عائض القرني وهو يتكلم عن مجالات الشيخ العلمية: "وأما في الحديث فهو محدث جهبذ، يعرف الرجال ... وقد سألته قبل ما يقارب أربع سنوات عن حجاج بن أرطاة، قال ضعيف ومدلس، وغيره من الرجال، فهو يحفظ مئات بل آلاف الرجال في ذهنه إذا سألته عن الرجل أخبرك عنه، وما قيل فيه. وهو مغرم بعلم الرجال يطالع كثيرا في تهذيب التهذيب لابن حجر وهو كتابه المفضل فيما أعلم، وقال لبعض محبيه: ربما حفظت ثمانين في المئة من هذا الكتاب، وفتح الباري، وقد قرأه مرات عديدة من وقت طلبه للعلم إلى الآن وهو الذي تولى الإشراف على إخراجه وتحقيقه للناس بالاشتراك مع الفاضلين محب الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبد الباقي، رحمهما الله تعالى... والشيخ يحفظ فيما أعلم بلوغ المرام". [6]
 
كثرة استدلالاته بالحديث النبوي:
كما أن عنايته - رحمه الله - بالحديث النبوي تظهر من خلال محاضراته وكلماته وفتاويه وتوجيهاته، التي كانت تستند على الدليل من الكتاب والسنة، ويكثر فيها الاستشهاد بنصوص الوحيين، فتجده - رحمه الله - يسوق الأدلة المتظافرة على المسألة التي يذكرها أو الحكم الذي يستنبطه، يقول: الدكتور علي الشبل: "... عناية سماحة شيخنا وحفاوته بحديث النبي ﷺ وظهر هذا من خلال دروس سماحته العلمية، ومحاضراته، وفتاواه، وتوجيهاته؛ حيث اعتنى بكتب الحديث ومتونه، ومدوناته وشروحه، وأصوله وفقهه تدريسًا، وحفظًا، وإقراءً. وأيضًا عنايته واهتمامه - رحمه الله - بالأدلة من الكتاب والسنة؛ فسِمةُ التدليل على الفتاوى والرسائل والمحاضرات، والبحوث والمناقشات، ولا سيما تربية طلبة العلم على العناية بهذا، مع العناية بتخريج الأحاديث ودراستها، وكذا الحكم على الأحاديث صحةً وحسنًا وضعفًا، والبحث في كتب الحديث وتراجم الرواة وكتب الجرح والتعديل". [7]

الإسهام في نشر كتب الحديث:
ومن عنايته - رحمه الله - بالحديث عنايته بطبع كتب الحديث، من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والشروح عليها، وتكرار طبع ما نفد منها، ثم توزيعها على طلاب العلم، والدعاة، والباحثين.
ولذا لم تخلُ مكتبة طالب علم في المملكة وغيرها -في الغالب- من أحد منشورات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، بتوجيه سماحة رئيسها: الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله.
ومما يظهر عناية الشيخ بالحديث النبوي الشريف عنايته بطلابه ودعمه لهم، فإنه - رحمه الله - كانت له عناية خاصة بدار الحديث بمكة المكرمة، ومن ذلك على سبيل المثال: لما مُنح جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 1402هـ، أعلن عن تبرعه بها لدار الحديث الخيرية، وكانت مقدار تلك الجائزة ثلاثمئة ألف ريال. [8]
 
حفظه وضبطه:
تميز الشيخ - رحمه الله - بحافظة قوية وذاكرة وقَّادة مكنته من حفظ كثير من متون السنة، ورجالها، وأحوال رجالها، فكان - رحمه الله - يستحضر متون الأحاديث وأهم مخرِّجيها، حتى يكاد يستظهر أغلب أحاديث الأمهات الست، ويميز كثيرًا من ألفاظها، كما يحفظ أحاديث الأحكام، ويستحضر أكثر رواة الكتب الستة ومراتبهم جرحًا وتعديلًا. [9] 
قال الشيخ إسماعيل الأنصاري - رحمه الله - وغيره: إن سماحته يكاد يحفظ تقريب التهذيب عن ظهر قلب. [10]

إتقانه في الحفظ:
مما يدل على حفظه المتقن واستحضاره لمتون الأحاديث، كثرة استدلالاته بها في دروسه ومحاضراته وفتاواه، فإنه - رحمه الله - كان يذكر الدليل ويسوق معه روايات أخرى، ويذكر من خرجها، والحكم عليها، وهذا الفعل منه هو الغالب.
والمتتبع مثلا للفتاوى التي كان يجيب عليها سماحته، أو رسائله ومكاتباته، أو دروسه ومحاضراته، يرى ذلك جليًا واضحًا، فهو لا يذكر حكمًا إلا ومعه الدليل من الكتاب والسنة، بل يكثر من ذكر الأدلة على ذلك، وإذا كانت هذه الأدلة من السنة فإنه يذكر من خرجها، ومن رواها، والحكم عليها.
فتجده مرة يقول: في الصحيحين .. متفق عليه .. وعند الشيخين .. رواه البخاري ومسلم .. وفي البخاري .. وعند مسلم .. وفي المسند .. رواه أبو داود .. وكذلك النسائي، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، والبزار، والطبراني، وابن حبان في صحيحه.
ومرة يقول: رواه أهل السنن واللفظ لأبي داود، زاد فلان، وفي رواية، وفي لفظ، والسياق للترمذي، وهكذا.
وحصر مثل هذه الألفاظ أو هذه المواضع من مطبوعاته لا يتيسر، ولكن نذكر بعض النماذج:
قال رحمه الله: "... فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء، يقول الله يوم القيامة للمرائين: اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء؟ رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد الأشهلي الأنصاري ، ورواه الطبراني أيضًا والبيهقي وجماعة مرسلا عن محمود المذكور، وهو صحابي صغير لم يسمع من النبي ﷺ، ولكن مرسلات الصحابة صحيحة وحجة عند أهل العلم، وبعضهم حكاه إجماعًا". [11]
وقال وهو يتكلم عن وجوب طاعة النبي ﷺ: "... وفي صحيح البخاري عنه أن النبي ﷺ قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى. وخرج أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه[12]
وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح". [13]
والشيخ - رحمه الله - كان يحفظ كتاب (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) للحافظ ابن حجر العسقلاني، وجملة ما في الكتاب من الأحاديث قرابة ألف وخمسمئة واثنين وثمانين حديثًا، كما أنه كان يحفظ كثيرا من كتاب (المنتقى) للمجد ابن تيمية.
يقول  الشيخ عبدالعزيزالسدحان: "سألته ذات مرة في درس قديم فقلت: يا شيخ حديث ذكره الحافظ في بلوغ المرام وهو: نعم الأجر يؤخذ على القرآن فسكت، فقال: ليس في البلوغ، فقلت: يا شيخ أنا قرأته في البلوغ، فمكث يفكر ثم قال: ليس في البلوغ، فأشار إليَّ أحد الإخوة أن الشيخ مصرٌّ، فقلت: يا شيخ أنا قرأته، فقال: أحضره غدا معك، وكان ذلك الدرس يوم الخميس.
فأخذت أقلب البلوغ صفحة صفحة ولم أعثر عليه، وبعد مضي فترة زمنية أقدرها بأربعة إلى خمسة أشهر وجدت الحديث في البلوغ، فأتيت إلى الشيخ وقلت: يا شيخ أحسن الله إليك سألتكم عن حديث وذكرت لك أنه في بلوغ المرام ونفيتم ذلك وهو الآن معي، فقال: اقرأ، فقلت: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله قال: نعم، لكن أنت سألت عن لفظ: نعم الأجر يؤخذ على القرآن أما هذا الحديث فهو في البخاري في حديث الرقية". [14]
فانظر إلى قوة حافظته - رحمه الله - أنه بداية أنكر أن يكون الحديث في بلوغ المرام، لأنه يحفظه حفظًا متقنًا، ومن العجيب في القصة أنه تذكر اللفظ الذي سُئل عنه مع أنه قد مر عليه عدة أشهر.
 
دقته في الضبط:
مع حفظه - رحمه الله - كان ضابطًا لما يحفظ، مميزا لما قد يطرأ على الكتب من التصحيف، ولذا تجده لدقة ضبطه يقول لطلابه عندما يقرؤون عليه شيئا حصل له تصحيف أو تحريف الصواب كذا، أو ما أظن أن هذا كذا.
يقول الشيخ عبدالعزيزالسدحان: "... كنت أقرأ على الشيخ سندًا في كتاب التاريخ الكبير للبخاري، وكان من ضمن رجال السند رجل اسمه صدقة بن صالح، وطلب الشيخ الاستزادة من ترجمة صدقة بن صالح، ثم قال: ابحث لي عمن اسمه صدقة، فقلبت الصفحات فوقعت عيني على صفحة فيها (صدقة الثوري)، فقال: اقرأ فقرأت والشيخ - رحمه الله - يتبسم.
وكان - رحمه الله - يحاول أن يجعلني أوافق الصواب. فقال: سبحان الله أعد، فقلت: صدقة الثوري، فقال: اللهم اهده، تأكد، وفي تلك الحال ظننت أن الشيخ يرد علي نحوا وأنا ضعيف في النحو فقلت: يا شيخ، صَدَقَة الثوري، فقال: هداك الله، صدَّقَهُ الثوري". [15]
ومن ضبط الشيخ العجيب، أنه قرئ عليه هذا السند، قال الدارقطني: أخبرنا نصر بن علي حدثنا عبدالأعلى عن معمر عن الزهري عن الأغر أبي عبدالله صاحب أبي هريرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم الجمعة ...   ثم ذكر تقريب الدجاجة والبيضة إلى آخر الحديث.
فاستعاد الشيخ القارئ مرة أخرى، فقال القارئ: قال الدارقطني: أخبرنا نصر بن علي، ثم ساق السند مرة أخرى، ولم يرتضِ الشيخ هذا النقل، فقال الشيخ: ما أظن، ما أدرك نصر بن علي لعله سقط منه شيخ الدارقطني، فقال القارئ: نعم يا شيخ، الدارمي وليس الدارقطني، قال: نعم. [16]
ومن حفظ الشيخ وضبطه - رحمه الله - أن حديثًا في طبقات ابن سعد أشكل على بعض طلبة العلم، وكان في سنده رجل منسوب إلى الجد الثاني: فلان بن فلان بن فلان بن فلان، يعني وصل النسب إلى الجد الثاني.
وبعد البحث المضني لم يعثروا عليه، فسألوا سماحة الشيخ فقال - رحمه الله: (ابن) الثانية صوابها (عن)، فيكون هذا الاسم راويين وليس راويًا واحدًا.
ومن حفظه وضبطه - رحمه الله - أن أحد الذين كان يقرأ عليه قرأ سندًا، فقال: عن جويرية به، فقال الشيخ: صوابه عن جريرٍ به. [17]
 
تميزه في نقد المتون:
مما عرف عن الشيخ - رحمه الله - تعالى تميَزه في نقد المتون ومعرفة دقائق العلل التي تخفى على أهل الفن أحيانًا، حتى إنه لكثرة بحثه واهتمامه بالحديث وعلومه، وتوسعه في علوم الشريعة؛ وكمال متابعته للسنة قولًا وفعلًا: صار له ذوق خاص في التنبه لنكارة المتن ومخالفته لسائر الأحاديث أو لروح الإسلام، والناظر في كتابه (التحفة الكريمة) يجد أمثلة كثيرة انطلق سماحته في إعلالها من نكارة المتن، وقد يتوسع في التنبيه على علل في الإسناد بما لا يعرف أنه قد سُبق إليه. [18]
وكان - رحمه الله - عندما تقرأ عليه كتب السنة يُصغي للإسناد حال القراءة ليتصور حاله، وقد يُعيده غير مرة، وقد يتنبه لأشياء ربما تخفى على بعض أهل الفن المبصرين. [19]
 
إدراكه للعلل الخفية:
من دلائل نبوغ الشيخ وعلو منزلته في علم الحديث، الحس الذي كان يتميز به في معرفة العلل الخفية في أسانيد الأحاديث، والتنبيه على هذه العلل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أحد طلابه الذين كانوا يتلقون العلم عنده، يقول الشيخ عبدالعزيز السدحان: "طلب مني سماحته في عام 1398هـ بحث حديث (النهي عن الانتعال قائمًا) وكان سماحته قد استمع إلى تخريج الحديث في السلسلة الصحيحة للألباني، واستعاد الشيخ كلام الشيخ الألباني مرارًا - وكان الذي يقرأ عليه الشيخ خالد الشريمي - وكانت جلسة منزلية في دار سماحته بعد العشاء.
فأراد الشيخ التثبت من اكتمال رجال السند - سند ابن ماجه - وعدم وقوع السقط من الطابع، فطلب سماحته إحضار كتاب سنن ابن ماجه، فأحضر وقرئ عليه، فكان السند مطابقًا لما ذكر الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، فأمرني الشيخ بإحضار كتاب (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري) - فيما أظن- فبحثت عنه في مكتبته فلم أعثر عليه فأمرني أن أعود للبحث مرة أخرى، وقال إنه موجود، ومع ذلك لم أعثر عليه لكثرة الكتب وتراكمها.
وقبل انصرافي من منزل سماحته أشار إليَّ الشيخ إبراهيم الحصين - رحمه الله - بأن الشيخ يأمرك بعدم الانصراف فلما جئت إليه، أمرني بالذهاب إلى المكتبة السعودية ونقل إسناد الحديث من النسخ الخطية لسنن ابن ماجه، ثم أمر الشيخ إبراهيم الحصين أن يكتب لي خطابًا موجها إلى المكتبة؛ لكي أتمكن من البحث في النسخ الخطية.
فذهبت إلى المكتبة، وأحضروا لي ثلاث نسخ، وقالوا: بقي رابعة، فقلت: يكفيني ثلاث نسخ. وبعد البحث وجدت إسناد الحديث مطابقا للنسخة المطبوعة، فرجعت إلى الشيخ وأخبرته بما فعلت فأمرني بالعودة إلى المكتبة مرة أخرى والبحث في النسخة الرابعة - وقد أخبرت الشيخ عنها - كما أوصاني أن أنقل سَمَاعات النسخة في آخرها.
وبعد العودة إلى المكتبة طلبت النسخة الرابعة، وكانت المفاجأة وهي أن الحديث غير موجود موضعه - في سائر النسخ المخطوطة أو المطبوعة - فجئت إلى سماحة الشيخ في منزله بعد المغرب فأخبرته بعدم وجود الحديث في النسخة الخطية الرابعة، فتربع على كرسيه وتبسم ضاحكًا وقال: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ثم سألني عن سماع النسخة فأخبرته بأنها قرئت على الإمام الشوكاني - رحمه الله، فترحم الشيخ على الإمام الشوكاني ...
بكل حال أتذكر أن الشيخ أعلّ الحديث في سنن ابن ماجه من جهة علي بن محمد الذي يرويه عن وكيع، وذكر لي الشيخ أن وكيعًا إمام مشهور وطلابه كُثر ومع هذا لم يرو هذا الحديث عنه إلا علي بن محمد وليس من طلاب وكيع المشهورين". [20]
فأعل الشيخ طريق ابن ماجه بسبب تفرد علي بن محمد عن وكيع، وهذا المأخذ يعلّ به السند عند أهل العلم.
 
شهادات أهل العلم له بعلو كعبه في الحديث وعلومه:
في عام 1399هـ كان جماعة من طلاب العلم المعتنين بالحديث والحريصين على السنة، يسعون بين العالمين الجليلين العلامة محمد ناصر الدين الألباني والعلامة ابن باز - رحمهما الله - ليجتمعا في النقاش على المسائل الثلاث في صفة الصلاة:
  1. قبض اليدين بعد الرفع من الركوع.
  2. وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود.
  3. والقيام معتمدا باليدين على الركبتين.
فوافق سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - ورحب بالاجتماع، لكن الشيخ الألباني رفض الاجتماع، وقال: "يكتب لي وأكتب له" ولما ألح عليه الطلبة قال لهم: "ابن باز يناقش من حفظه، وأنا لابد لي من مراجعة كتبي". [21]
فالعلامة المحدث الألباني - رحمه الله - على جلالة قدره وعلو كعبه في الحديث وعلومه في هذه القصة يبين معرفته وإدراكه بقوة حافظة سماحة الشيخ ابن باز، وأنه من الحفاظ للنصوص السنة النبوية، المتضلعين فيها، رحمهما الله جميعًا.
أما الشيخ العلامة عبدالله بن دهش - رحمه الله - فقد قال: "محدث المذهب الشيخ عبدالعزيزبن باز". [22]
وقال سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله: "كان له إلمام كبيرٌ في علم الحديث، ورغبة أكيدة، وفتح لنا جزاه الله خيرًا أبوابًا جيدة في هذا الموضوع ... انتفعت بقراءتي عليه من حيث التوجيه، والانتقال من العكوف على الكتب الفقهية وتمحيص الأقوال وتلخيصها، انتقلت من هذه المرحلة إلى مرحلة الحديث، وكان الأثر المباشر من الشيخ نفسه". [23]
وقال الشيخ عبدالله بن جبرين: "عُرف اختصاصه بعلم الحديث، وهذا ما يشهد له كلُّ من عرفه: أنه يعرف الأحاديث، فكان إذا سئل عن حديث مرَّ به أو مر بأحد من الطلبة ذكر موضعه، وقال: هكذا درجته: صحيح، أو ضعيف أو فيه مقال، أو له شواهد، أو رواه فلان أو فلان أو ما أشبه ذلك، هكذا يذكر كثيرًا من ذلك، وقبيل موته بنحو شهر أو نحوه سألته عن حديث مرَّ بنا؛ وكنت كثيرًا ما أستدل به، فلما ذكرتُه له قال: إنه ضعيف. مما حملني على أن أتحاشى عن الاستدلال به مع كثرة من يستدل به. لا شك أن هذا مما فتح الله تعالى عليه من المعرفة والتخصص والتوغل في علم الحديث، ولم يكن هذا أيضًا شغله الشاغل، بل علمه في جميع الفنون كثير". [24]
وقال تلميذه الشيخ عبدالمحسن العباد: "كان - رحمه الله - عالمًا بالحديث والفقه، له عناية بالدليل، وحرصٌ على الرجوع إلى الأدلة والتمسك بها، والحث على سلوك هذا المسلك، فكان معنيًّا بالحديث، ومعرفة صحيحه وضعيفه، ورجاله، ومن يتكلم فيه منهم، وكان في فتاواه وفي دروسه يذكر ذلك، فيقول: الحديث الفلاني صحيح، أو ضعيف؛ لأن في سنده فلانًا، أو أنه منقطع، أو أنه مرسل، أو أنه كذا، أو أنه كذا". [25]
هذه مقتطفات من شهادات أهل العلم الأجلاء، الذين يعرف العالم المسلم مكانتهم ومنزلتهم، يبينون مكانة وعلو منزلة سماحة الشيخ ابن باز في علم الحديث وتمكنه منه، وعنايته الفائقة به.
ومن كل ما سبق نعرف شيئًا من المكانة التي كان عليها سماحة الشيخ في هذا العلم في الحفظ والضبط والاتقان والتخصص.
هذه شذرات من مظاهر عنايته - رحمه الله - بالحديث النبوي الشريف التي هي غيض من فيض وقليل من كثير.
 

عنايته بالفقه

كان الشيخ ابن باز - رحمه الله - من العلماء المجتهدين والفقهاء المحررين المتجردين للدليل، يدور معه حيث وجوده ويأخذ به عند حصوله، وإن كان مذهبه الفقهي حنبليًّا لكنه لا يتقيد به عند ترجيحاته، بل منطلقه، ومآله الأخذ من الدليل، والاستنباط منه، وفق القواعد الشرعية، والضوابط المرعية.

أولاً: عنايته - رحمه الله - بالفقه:
لا شك أن الشيخ - رحمه الله - كان على رأس الفقهاء في هذا الزمان، فقد قضى زمنًا طويلًا من عمره تدريسًا للفقه وإقراءً له، وبحثًا في مسائله، وقضاء به بين الخصوم، ومفتيًّا للعامة والخاصة في كل ما يعرض لهم، حتى تبوأ الإمامة في الفتوى أكثر من ربع قرن من الزمان.
و"لئن كان الفقه هو الفهم والإدراك للمعنى القائم على دلالة النقل ومقصد الشريعة ومراعاة الحال وتغير الزمان والمكان، فإن سماحة الشيخ - رحمه الله - ممن عني بالفقه التام بجميع صوره وأشكاله، ولم يكن في فقهه مجرد ناقل للأقوال، يتبع آراء الفقهاء وكلامهم دون تمييز، وينقل أقوالهم دون تمحيص، بل إن منهجه في الفقه جمع بين أمرين:
الأول: الاعتناء بالنصوص وحفظها ومعرفتها والعناية التامة بأقوال الصحابة والتابعين عليها واستنباط الأحكام منها دون الميل إلى الشذوذ والانفراد ما أمكنه إلى ذلك سبيلًا، ولهذا لا تعلم له فتاوى شاذة في الفقه وغيره من العلوم الشرعية.
الثاني: الاستئناس بأقوال الفقهاء والرجوع إلى كتب الفقه المعتمدة للقراءة والاستفادة منها ومعرفة موارد الاستدلال وتقديم أقواها حجة وبرهانًا وأقربها إلى مقتضى قواعد الشريعة، وهذه الطريقة جامعة مانعة؛ لأنها جمعت بين الطريقتين المشهورتين في الفقه:
الأولى: دراسة الفقه المذهبي، "المرتبطة بسلسلة المصنفات الفقهية في المذاهب، وما فيها من الموافقات والتصحيحات والتنقيحات والتقديمات، وتحديد المذهب، أو الصحيح من المذهب، أو نحوها من الروايات والأقوال.
مع المقارنة عند الحاجة بالمذاهب الفقهية الأخرى، وتحرير محل النزاع في المسألة، وثمرة الخلاف فيها، وما إلى ذلك من المباحث". [1]
الثاني: دراسة الفقه على طريقة المحدثين المرتبطة في أصولها بكتب المذاهب الفقهية، ثم بعد ذلك النظر في الأدلة والمدلولات والأخذ بالراجح وتقديمه على غيره، وإن كان في ذلك مخالفة للمذهب وخروج عن جادته، وهذه الطريقة هي التي سلكها، وذلك لما وهبه الله من أدوات الاجتهاد والرسوخ والمعرفة التامة والإحاطة الشاملة بالسنة النبوية وآثار السلف الصالح - رحمهم الله" [2].
يقول حمد بن إبراهيم الشتوي: "وهذه الطريقة التي يسلكها بعض الفقهاء المجتهدين، الذين وهبهم الله العلم بالسنة، وتمييزها، والقدرة على النظر المقالات، ومعرفة مسالك الترجيح، والدربة على ذلك.
وبعض الناس يظن أن الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- قد سلك الطريقة الثانية هكذا ابتداءً، ويظن أنه يمكن لطالب العلم التفقه بها مباشرة، والذي أرى أنه لا يمكن التفقه الصحيح السليم من الشطحات والشذوذ، إلا بالجمع بين الطريقتين؛ الأولى، ثم الثانية إذا تأهل طالب العلم لها، وصار قديرًا عليها، وهذا هو الذي كان عليه سماحته؛ فقد بدأ التفقه على كتب أصحابنا الحنابلة، ثم صار بعد ذلك إلى التوسع في النظر في المقالات، والترجيح بين المذاهب". [3]
يقول - رحمه الله: "وأما ما جرى من الاختلاف بين أهل العلم في المذاهب الأربعة وغيرها، فالواجب أن يؤخذ منه ما هو أقرب إلى الصواب وهو القول الذي هو أقرب إلى ما قاله الله ورسوله نصًّا أو بمقتضى الشريعة". [4]

ثانيًّا مؤلفاته في الفقه:
من الأمور التي تدل على عنايته بالفقه مؤلفاته في هذا المجال، وإن كانت قليلة إلا أنها تدل على مكانته العالية في الفقه، ومنزلته السامية في الاجتهاد، ومن أهمها:
  • الإفهام في شرح عمدة الأحكام.
  • كيفية صلاة النبي ﷺ.
  • التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب.
  • الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
  • أحكام صلاة المريض.
  • ثلاث رسائل في الصلاة.
  • كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • وجوب أداء الصلاة في الجماعة.
  • أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع.
  • الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح.
  • حكم شرب الدخان وإمامة من يتجاهر به.
  • رسالتان موجزتان عن أحكام الزكاة والصيام.
  • شرح رسالة محمد بن عبدالوهاب في شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها.
  • فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
  • فتاوى عاجلة لمنسوبي الصحة.
  • فتاوى مهمة تتعلق بالحج والعمرة.
  • الجواب المفيد في حكم التصوير.
ثالثًا: درجته - رحمه الله - في الاجتهاد:
إن فضل الله علينا أن قيّض هذه الأمة عباقرة وأفذاذًا في شتى مجالات العلوم والآداب والفنون المختلفة، كما برز النوابغ في مجال الفقه والاجتهاد الإسلامي. [5]
"ولم تخل هذه الأمة من علماء أجلاء على درجة عالية من العلم والتقوى والفهم والبصيرة بلغوا درجة الاجتهاد، ومن هؤلاء الإمام العلامة الفقيه المجتهد الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - والذي كان على درجة عالية من الذكاء والفطنة والتقوى والخشية بالإضافة إلى غزارة العلم وسعة الأفق، فبلغ درجة الاجتهاد ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد لتجرده من التبعية، ولأن هدفه البحث عن الحق الذي عليه الدليل ولو خالف بذلك أئمة المذاهب وغيرهم، لا من أجل الشهرة بل كان غرضه إرضاء ربه وخدمة دينه وبعث روح الاجتهاد في الأمة، وأنه أمر متيسر جدًّا لمن وفقه الله، وأخذ بأسبابه وتحصيل آلاته". [6]
وقبل ذكر درجة الشيخ - رحمه الله - في الاجتهاد نذكر ما ذكره العلماء في مراتب الاجتهاد حتى نعرف بذلك المرتبة التي حصل عليها الشيخ - رحمه الله - في الاجتهاد.
قسم العلماء مراتب الاجتهاد إلى قسمين رئيسيين:
"القسم الأول: المجتهد المطلق المستقل، والقسم الثاني: المجتهد المطلق غير المستقل.
فالقسم الأول: المجتهد المطلق المستقل:
وهو الذي استقل بوضع أسس مدرسة اجتهادية لنفسه، بإدراك وترتيب قواعد مذهبه دون تقليد أو تبعية لأحد، واستقل في وضع مبادئ أصولية عامة، يسير عليها في اجتهاده. واتصف هذا القسم بصفتين:
الأولى: الاستقلال بالقواعد التي استنبطوها.
الثانية: أنهم لم يقلدوا أحدًا لا في الأصول ولا في الفروع.
ومن هؤلاء المجتهدين المستقلين: فقهاء الصحابة والتابعين، وأئمة المذاهب الأربعة، والليث بن سعد، وأبو عمرو الأوزاعي، وسفيان الثوري وغيرهم.
وهؤلاء تعذر وجودهم بعد عصر الأئمة، وهم الذين استوعبوا القواعد والأسس العامة للاجتهاد ومناهج الاستنباط والإفتاء، وعليه فقد طوي بساط المجتهد المستقل وأفضى أمر الفتوى والاجتهاد إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة. [7]
القسم الثاني: المجتهد المطلق غير المستقل: وينقسم إلى طبقتين:
الطبقة الأولى: المجتهد المطلق المنتسب:
وهو الذي عنده الكفاءة على تأصيل الأصول وتقعيد القواعد واستنباط الأحكام وتفريع الفروع، فهو في الواقع كالمجتهد المطلق؛ لأنه وصل إلى ما وصل إليه المجتهد المستقل، من غير أنه يكون قد أسس ورتب لنفسه قواعد ومناهج للاستنباط، فهو لا يقلد إمامه في الدليل والحكم، غير أنه يستعين بكلامه في تتبع الأدلة والتنبيه للمآخذ.
ويتميز هذا الصنف من المجتهدين بما يلي:
  1. أنه يستقل بالنقد والترجيح عن إمامه.
  2. أنه يستحسن شيئًا مما سبق إليه إمامه ويستدرك عليه شيئًا.
  3. أنه يأخذ الأحكام من الكتاب والسنة.
  4. أنه غير مقلد لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل، وإنما ينتسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد.
    ويعتبر اجتهاد المنتسب كاجتهاد المستقل من حيث العمل به، والاعتداد به في الإجماع والخلاف [8] ....". [9]
الطبقة الثانية: المجتهدون المقيدون في المذهب، وهؤلاء ثلاثة مراتب، ولكن في الجملة لا يخرج اجتهادهم عن مذهبهم.
والذي استقر عليه رأي الأصوليين هو المجتهد المطلق، الذي حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام من أدلتها، والتي لم ينص عليها إمامه ولا أصحابه من قواعدهم وأصولهم، فهو كالمجتهد المطلق في الشريعة الإسلامية، ولا شك أنه لم يخل عصر من العصور عن مجتهد مطلق منتسب متمكن من الاستنباط من مصادرها الأصلية بناء على القواعد والأصول المقررة في المذاهب.
وهذا مما يدل على أن باب الاجتهاد لا زال مفتوحًا إلى قيام الساعة، فهو الدليل القوي على قابلية أحكام هذا الدين العظيم لمواجهة كل التغيرات والاختلافات والوقائع.
وبعد ما سبق من توضيح مراتب الاجتهاد تتبين لنا درجة الشيخ - رحمه الله - في الاجتهاد، وأن درجته - والله أعلم - هي درجة المجتهد المطلق غير المستقل؛ فالشيخ حاز على مؤهلات الاجتهاد وشروطه التي وضعها العلماء فأتقنها دراسة وحفظًا وتطبيقًا. [10]
يقول الشيخ - رحمه الله - في وجوب الاجتهاد وخاصة في هذا العصر حيث إن السابقين لهم قضايا عصرهم ونحن لنا قضايانا المتجددة: "... التفقه في الدين والتماس حل المشكلات بالطرق الشرعية في المسائل التي جدَّت بين المسلمين، ولم يتكلم فيها الأوائل، فهذا حق وليس فيه مخالفة للسابقين واللاحقين؛ كلهم يوصون بتدبر الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما، والاجتهاد فيما يعرض من المسائل المشكلة على ضوء الكتاب والسنة، وليس هذا تحديدًا مخالفًا للسابقين، ولكنه تجديد منطلق على منهج السابقين وعلى أصولهم". [11]
وهو - رحمه الله - لا يقلد الحنابلة في الدليل والحكم، بل يستعين بكلامهم في تتبع الأدلة والتنبيه للمآخذ، وأخذه من القرآن والسنة مباشرة، فهو مجتهد مطلق غير مستقل، وإنما ينتسب لمذهب الحنابلة في أصولهم بسبب نزعتهم الأثرية.
يقول - رحمه الله: "مذهبي في الفقه هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وليس على سبيل التقليد، ولكن على سبيل الاتباع في الأصول التي سار عليها". [12]

رابعًا: شهادات العلماء له بالاجتهاد:
شهد لسماحته - رحمه الله - جُل علماء العصر ببلوغ رتبة الاجتهاد، وعلو مكانته في الدين، ورسوخه في العلم، ونقتطف من هذه الشهادات ما يلي:
قال الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالرحمن البسام - رحمه الله - عضو هيئة كبار العلماء: "شيخنا ابن باز هو المستحق الآن للقب شيخ الإسلام والمسلمين ... فهو الداعية الكبير، وهو المفتي الأول في الداخل والخارج، وهو المرجع في كل شأن من شؤون الإسلام؛ لما حباه الله تعالى من إخلاص لدينه وأمته، ولما امتاز به من سعة علم وبعد نظر". [13]
وقال الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: "وصاحب السماحة الإمام العالم العلامة، الحبر والبحر، والدنا وشيخنا عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله، أنموذج من هؤلاء، علم يتنسم الذروة في الرجال، ويعلو القمة في الأفذاذ، دينًا وورعًا وفضلًا، وكرمًا وجودًا، فعطاؤه تجلى عبر قنوات ثلاث - ثم ذكر الثالثة - وهي روح الاجتهاد والاستنباط المنبثقة من الفقه المتين والدراسة الواعية والفهم العميق والفكر المستنير، مع الإحاطة البينة بمقاصد الشريعة وأصولها، وقواعدها وضوابطها". [14]
 
خامسًا: الفتوى عند الشيخ ابن باز:
كانت فتاواه - رحمه الله - تلقى قبولًا كبيرًا من العامة والخاصة داخل المملكة وخارجها، لما كان يتميز به من المنزلة العلمية الرفيعة، والمنهج الفريد في الفتوى، والحرص على الصواب، والشفقة والرحمة بالخلق، لمس ذلك السائلون والسامعون والقارئون لتلك الفتاوى.

أبرز المعالم في منهجه في الفتوى:
  1. اتباع الدليل، ومجانبة التقليد.
  2. العناية بصحة الحديث: سندًا ومتنًا.
  3. الاعتماد على آثار الصحابة، وفعل السلف الصالح .
  4. الجمع بين الرواية والدراية.
  5. الاستدلال بالقواعد الأصولية، ورعاية مقاصد الشريعة.
  6. مراعاة العلل الشرعية للأحكام، وتغير أحوال الزمان والمكان.
  7. اعتبار القواعد الشرعية في التيسير، ورفع الحرج دون تساهل.
  8. الاستشارة في الفتوى، والاستفادة من أهل الخبرة.
  9. الأخذ بالاجتهاد الجماعي، والدعوة إليه.
  10. العالمية والاجتهاد في النوازل والمستجدات.
  11. التركيز على مسائل الاعتقاد.
  12. الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والأخلاقية.
  13. مزج الفتوى بالدعوة والتربية.
  14. الحرص على جمع الكلمة، ووحدة الصف.
  15. الدقة والإلمام بحيثيات المسألة، والتفصيل فيها.
  16. الوضوح والبعد عن الإغراق في الاختلافات.
  17. الورع والتوقُّف، والأخذ بالأحوط في المشتبهات.
  18. الثبات في الفتوى عند وضوح الدليل، والرد على المخالف.
  19. الأدب مع العلماء المخالفين، وإحسان الظن بهم.
  20. عدم الإنكار على المخالف في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها. [15]
هذه المعالم جعلت الناس يقبلون على فتاواه - رحمه الله - ويتلقونها بالقبول والترحيب والعمل والتطبيق، فكم حلت هذه الفتاوى من نزاع، وكم قطعت من خصومة، وكم أزالت من إشكال، وبصرت من جاهل، وأرشدت من عالم، فرحم الله الإمام العلامة ابن باز رحمة واسعة.
كما أن هذه الفتاوى اعتنى بها كثير من طلبته ومحبيه، وقد خرج منها شيء كثير، من أهمها:
  • مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 30 مجلدًا. أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر.
  • فتاوى نور على الدرب وقد بلغت 22 مجلدًا. قام بجمعها وترتيبها: محمد بن سعد الشويعر.
 
سادسًا: مذهبه - رحمه الله - في مسائل الخلاف:
على الرغم من أن مذهبه حنبليًّا لكن منهجه في مسائل الخلاف الأخذ بما يترجح من مقتضى الدليل حتى ولو خالف مذهبه رحمه الله، يقول - رحمه الله - عندما سئل: هل لسماحتكم مذهب فقهي خاص؟ وما هو منهجكم في الفتوى والأدلة؟
قال - رحمه الله: "مذهبي في الفقه هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله، وليس على سبيل التقليد، ولكن على سبيل الاتباع في الأصول التي سار عليها، أما مسائل الخلاف فمنهجي فيها هو الترجيح ما يقتضي الدليل ترجيحه، والفتوى بذلك، سواء وافق مذهب الحنابلة أم خالفه؛ لأن الحق أحق بالاتباع، وقد قال الله : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59]". [16]

أدبه في الخلاف:
كان - رحمه الله - عندما يتعقب الحافظ ابن حجر أو من ينقل عنه في بعض المسائل يبدأ بقوله: هذا القول فيه نظر، والصواب هو كذا وكذا، ويذكر الدليل على ذلك، أما إذا كان القول ساقطا أو باطلا ظاهر البطلان مجانبا للحق ومخالفا للدليل فإنه يقول: هذا القول ظاهر البطلان، أو هذا القول غير صحيح، أو لا يصح، قول باطل، أو ما إلى ذلك من العبارات. [17]
والنماذج كثيرة للشيخ ابن باز - رحمه الله، ومنها ما قال فيه: "قد ذكَر أخونا العلامة الشيخ ناصر الدين في حاشية كتابه المذكور ما ذكَر، والجواب عنه من وجوه:
الأول: أن جزمه بأن وضع اليمنى على اليسرى في القيام بعد الركوع بدعةٌ ضلالة - خطأٌ ظاهر، لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم من أهل العلم، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدِّم ذكرُها، ولستُ أشك في علمه وفضله وسَعَة اطلاعه، وعنايته بالسُّنة، زاده الله علمًا وتوفيقًا؛ ولكنه قد غلط في هذه المسألة غلطًا بينًا". [18]
 وهذه طريقة الراسخين في العلم، ومنهج السلف في مواطن الخلاف، يقول الإمام ابن تيميَّة: "وكانوا يتَناظرون في المسألة مناظرةَ مشاوَرة ومناصَحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العِلمية والعمَلية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدِّين". [19]

هذه بعض الجوانب التي تدل على فقهه - رحمه الله، وعلو كعبه في هذا المجال، وما تركه من علم جم خير شاهد، وأوضح برهان على ذلك.
 

مؤلفاته

بالرغم من غزارة علم سماحة الشيخ وسعة اطلاعه ووضوح أسلوبه وعباراته إلا أنَّه - رحمه الله - لم يترك لنا عددًا كبيرًا من المؤلفات تتناسب مع سعة علمه واطلاعه؛ وذلك يرجع لانشغال سماحته بما يحمل على كاهله من المهمات الوظيفية إلى جانب انشغاله بشئون العامة وإعداد الدروس والرد على المرسلات وأمور الإفتاء ونحوها. [1]
ولقد خرجت أغلب مؤلفات الشيخ على شكل رسائل مختصره، تعالج موضوعات معينة، دعت الحاجة إلى تأليفها، حتى أصبح جميع ما سطره سماحته ذا أهمية ويمس الواقع، وقد لاقت مؤلفاته - رحمه الله - القبول لدى عامة المسلمين داخل المملكة وخارجها؛ بفضل ما عُرف عن الشيخ من سعة العلم والفقه إلى جانب الإخلاص والتقوى، وما تميزت به مؤلفاته من السهولة ووضوح العبارة، والبعد عن الإسهاب والإطناب الذي لا فائدة فيه، فكانت جميع كتاباته مركزة ووافية يسندها دائمًا الدليل والبرهان من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ [2]، ومن أشهر هذه الكتب والمؤلفات:
  • العقيدة الصحيحة وما يضادها.
  • وجوب العمل بالسنة وكفر من أنكرها.
  • الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
  • وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
  • نقد القومية العربية.
  • التحذير من البدع.
  • الجهاد في سبيل الله.
  • الدروس المهمة لعامة الأمة.
  • الشيخ محمد بن عبدالوهاب (دعوته وسيرته).
  • ثلاث رسائل في الصلاة.
  • إقامة البراهين على من استغاث بغير الله، أو صدق الكهنة والعرافين.
  • وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة.
  • حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله ﷺ.
  • رسالتان موجزتان في الصلاة والزكاة.
  • حاشية على فتح الباري شرح صحيح البخاري، المجلد الأول والثاني والثالث.
  • حاشية على متن الطحاوية.
  • حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
  • الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
  • التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة في ضوء الكتاب والسنة.
  • الجواب المفيد في حكم التصوير.
  • تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام. [3]
  • بيان معنى كلمة لا إله إلا الله.
  • تنبيهات عامة على ما كتبه الصابوني في صفات الله .
  • تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة إلى الشيخ أحمد.
  • الرسائل والفتاوى النسائية.
  • وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • شرح الثلاثة أصول.
  • حكم الغناء.
  • عوامل إصلاح المجتمع مع نصيحة مهمة عامة.
  • الغزو الفكري ووسائله.
  • فضل الجهاد والمجاهدين.
  • موقف اليهود من الإسلام.
  • أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة.
  • رسالة في التبرك والتوسل.
  • مسؤولية طالب العلم.[4]
 

دروسه

تكاثرت وتنوعت دروس سماحته - رحمه الله، فحياته من بدايتها حتى نهايتها كانت حافلة بدروس العلم، هذه الدروس منها ما كان في المسجد، ومنها ما هو في البيت، ومنها ما كان للطلاب في الجامعة الإسلامية ومعهد الرياض العلمي، وقد تخرج من بين يديه علماء ودعاة منتشرون في كثير من أصقاع الدنيا.
هذه الدروس منها ما كان في التفسير، ومنها في الفقه، ومنها في العقيدة، ومنها في الحديث وعلومه، ومنها ما كان في غيرها من العلوم.

مراحل دروسه العلمية:
  • المرحلة الأولى: في مدينة (الدِّلم) منذ تولي القضاء بها من سنة 1357هـ إلى سنة 1371هـ، وقد انتظم في الدروس في أوقات كثيرة، وتتلمذ عليه وقتها أمم من الناس، وصار لمدينة الدلم مقام رفيع، ومنزلة عالية، يتردد الطلاب إليها لطلب العلم، والتتلمذ على الشيخ، من جنسيات كثيرة؛ من السعودية، واليمن، والعراق، وفلسطين، ومصر، والحبشة، وغيرها.
  • المرحلة الثانية: في مدينة الرياض منذ انتقل إليها للتدريس بالمعهد العلمي ثم كلية الشريعة، وقد نظم رحمه الله خلال هذه الفترة دروسًا متعددة، وكان يمتاز وقتها بالاشتغال بكتب الحديث، وخاصة بلوغ المرام، وكذلك نزهة النظر في شرح نخبة الفكر، وكلاهما للحافظ ابن حجر، وقد اجتمع عليه خلالها أفاضل الطلاب وخيار التلاميذ من عام 1371هـ حتى سنة 1380هـ.
  • المرحلة الثالثة: في مدينة رسول الله ﷺ، لما تولى إدارة الجامعة الإسلامية وتأسيسها هناك، فقد رتب رحمه الله دروسه في الجامعة والحرم وغيرهما، واجتمع له الطلاب من كل حدب وصوب، وصار أستاذًا لأخلاط الجنسيات الإسلامية التي تتوافد إلى المدينة من المقيمين والحجاج والمعتمرين والزائرين والطلاب الوافدين للجامعة، وكانت هذه المرحلة من مراحل حياته الذهبية، التي اجتمع له فيها من العلوم والمعارف، والعلاقات والاتصالات، ما لم يكن قبل، من عام 1381هـ إلى سنة 1395هـ.
  • المرحلة الرابعة: في مدينة الرياض بعد أن عاد إليها مرة ثانية، رئيسًا للإفتاء، فنظم الحلقات العلمية بها سنة 1397هـ، واجتمع له في هذه الدروس بالجامع الكبير بالرياض خلائق كثر، وكانوا حلقًا متراصة بين يديه - رحمه الله، وكان - رحمه الله - إمامًا للجامع، وخطيبه الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ، وانتظمت هذه الدروس، اثنين وعشرين عامًا، أربعة أيام في الأسبوع، كلها بعد الفجر يوم الأحد والإثنين والأربعاء والخميس، ثم زادت درسًا خامسًا بعد الجمعة في منزل سماحته، في إرواء الغليل للعلامة الألباني، واستمرت دون انقطاع حتى نهاية عام 1419هـ، حيث سافر آخر ذي الحجة، معتمرًا، ثم قاصدًا المصيف بالطائف. [1]
يقول الدكتور حمد بن إبراهيم الشتوي: "وكنت واحدًا من المواظبين على الحضور في دروسه - رحمه الله، وكان عدد الحاضرين يقرب من ألف نفس، وكان يحضر هذه المجالس كثير من أهل العلم والفضل والدعوة والتعليم، وكان فيها من النشاط في الطلب ما لم ير مثله، وكان الناس يتزاحمون على الشيخ على شكل دوائر مغلقة، لا يستطيع داخلها الحركة، وخاصة في الشتاء إذا كنا في الخلوة الشرقية للجامع أيام بنائه الذي كان من عهد الملك سعود، رحمه الله.
وكانت هناك سؤالات علمية عالية، تلقى على الإمام - رحمه الله - بعد القراءة في الكتب المقررة، فيجيب عنها، ويوضح ما تحتها من المسائل والدلائل والأحكام، ومع هذا كان يستقبل المناقشات الرفيعة، والمباحثات المؤدبة، التي كانت تدور في تلك المجالس، وخاصة فيما يتعلق بالحديث والرجال والمصطلح، وكنا نرى فيه طرازًا جديدًا لم نره ولم نسمع به من قبل، وكانت دروسه تذكرنا ما كان ينقل لنا عن دروس سعيد وقتادة والحسن وأيوب، ثم مالك والسفيانين وابن مهدي والقطان، ثم الشافعي وأحمد وإسحاق وابن معين، تلك الدروس العظيمة التي لم نسمع مثلها في زماننا". [2]

صفات تلك الدروس:
كانت دروس سماحة الشيخ - رحمه الله - تغشاها الهيبة من حيث وقار الشيخ وتعظيمه للعلم، وجلوسه الطويل للطلاب، وحسن طرحه للدرس وسعة صدره ورحابة نفسه في قبول السؤال، وتحمل تكرار السؤال عليه والإنصات من طلابه والمواظبة على المتابعة في أثناء الدرس والإصغاء التام لكلام سماحته، ويزين ذلك دموع طيبة تغلب الشيخ في بعض المواقف خاصة في مواقف السيرة النبوية على صاحبها أتم الصلاة والتسليم، فقد كان - رحمه الله - سريع الدمعة تسبق عبراته عباراته في كثير من المواقف.
ومن الهيبة والوقار أن الطالب إذا حضر في درس سماحته، يشعر بشعور روحاني، ولعل ذلك من نزول السكينة وغشيان الرحمة وإحفاف الملائكة بتلك الحلقة. [3]

الاستعداد قبل الدرس بالتحضير الجيد:
كان - رحمه الله - مهتمًا بالدروس العلمية التي يلقيها على طلابه، ولذا كان يستعد لها فيحضر للدرس الذي يلقيه، ويراجع المادة وما يتعلق بها قبل حضوره، وإذا أشكل شيء أثناء إلقاء الدروس كلف من يبحث ذلك، أو سأل من كان حاضرا من أهل العلم، وإذا سئل عن أمر لا يعلمه قال: لا أدري، لا أعلم، تحتاج المسألة إلى تأمل، سنبحثها إن شاء الله، وهذه العبارات اعتاد طلابه عليها، وذلك لتواضعه وخوفه من القول بغير علم. [4]
يقول عبدالعزيز السدحان: "ترى الشيخ في بيته مع أمين مكتبته الشيخ صلاح - أثابه الله - معتكفًا على التحضير وعلى البحث، فهذا كتاب يقرأ في الحديث، وهذا كتاب يقرأ في التفسير، وهذه مسألة من درس البارحة تحتاج إلى زيادة إيضاح.
ومما يلاحظ على سماحة الشيخ أنه يحرص على سماع البحوث التي يكلِّف بها، بل قد يطلب إعادة القراءة مرتين أو ثلاثًا بل وأحيانًا يسأل الطلبة من يعرف؟ هكذا هو العالم الرباني، وهذا هو التواضع، وهذا هو الخلق الذي كان عليه سلف الأئمة رحمهم الله.
وإن المرء ليعجب من شدة حرص سماحته على الفائدة والإنصات التام من سماحته عند سماعها وطلبه الاستزادة من القراءة فيما يتعلق بها، بل قد يكلِّف سماحته الباحث أو القارئ بزيادة التتبع والاستقراء لأجزائها". [5]
ومما يحسن إيراده في هذا الأمر، وهو متعلق بحرص الشيخ على تحصيل الفائدة ما جاء في هذا الموقف:
كان سماحة الشيخ - رحمه الله - في مجلس ما وكان الشيخ عبدالله بن جبرين يقرأ في كتاب لابن القيم، وسماحة الشيخ عبدالعزيز يعلق على القراءة، فمرت جملة استشكلها سماحة الشيخ، ولم تتضح له وغلب على ظنه أنها سبق قلم من ابن القيم - رحمه الله - فأوضح الشيخ عبدالله بن جبرين مراد ابن القيم من سياقه تلك الجملة، فسرَ سماحة الشيخ عبدالعزيز، وقال هذه فائدة، ثم أمر الشيخ عبدالله أن يعيد كلامه ليستفيد جميع الحاضرين. [6]

عنايته بالدروس العلمية:
اعتنى الشيخ - رحمه الله - بالدورس العلمية للطلاب، وكان يوليها اهتمامًا بالغًا ويفرغ لها من وقته كثيرًا رغم المسئوليات العظمية التي يقوم بها، حتى تخرج عليه جماعة من العلماء، واستفاد من علمه خلق كثير.
ومما يدل على عنايته بها ما ذكره فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي عن سماحته أنه قال: "الدروس أحبُّ شيء إلى نفسي". [7]

أوقات إلقاء الدروس:
أغلب أيام الأسبوع كانت تلقى فيها دروس الشيخ رحمه الله سواء في الفترة الصباحية أو الفترة المسائية، وهذا دأبه من أول ما عين قاضيًا في الدلم ثم رجوعه إلى الرياض مدرسًا في معهد الرياض العلمي، ثم انتقاله إلى المدينة المنورة نائبًا لمدير الجامعة الإسلامية، ثم مديرًا لها بعد وفاة مديرها، ثم الرجوع إلى الرياض عندما عين رئيسًا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
وقد ذكر جل من ترجم له أن أوقات دروسه كانت بعد صلاة الفجر، إلى أن ترتفع الشمس، وبعد صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب وبعد أذان العشاء إلى إقامة الصلاة، وفي يوم الجمعة درس بعد صلاة الجمعة في منزله إلا في رمضان وموسم الحج فإن له برنامجًا آخر في هذه المواسم. [8]
 
الكتب التي قرئت عليه:
قرئت كتب كثيرة على سماحته في مجالسه العلمية ودروسه التي كان يعقدها، من تلك الكتب ما أكمل قراءته، ومنها ما لم يكمل، ومنها ما أعيد قراءته مرات، وهذه الكتب التي كانت تقرأ عليه ذكرها تلاميذه ومن ترجم له، وقد فصل بعضهم في المرحلة التي كان ملازمًا للشيخ فيها وأشار إلى الكتب التي لم يكمل قراءتها، ولكنه لا يدري عن المراحل الأخرى التي سبقت ذلك أو لحقت ماذا تم من قراءة تلك الكتب، ولذا فنذكر هذه الكتب بصفحة إجمالية:
  1. صحيح البخاري وشرحه فتح الباري.
  2. صحيح مسلم وشرحه للإمام النووي .
  3. سنن أبي داود.
  4. جامع الترمذي.
  5. سنن النسائي.
  6. سنن ابن ماجه.
  7. مسند الإمام أحمد.
  8. الفتح الرباني للساعاتي.
  9. موطأ الإمام مالك.
  10. سنن الدارمي.
  11. السنن الكبرى للنسائي.
  12. كتاب التوحيد لابن خزيمة.
  13. العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
  14. الفتوى الحموية لابن تيمية.
  15. الاستقامة لابن تيمية.
  16. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
  17. زاد المعاد في هدي خير العباد.
  18. جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم.
  19. إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان للعلامة ابن القيم.
  20. مفتاح دار السعادة للعلامة ابن القيم.
  21. الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب للعلامة ابن القيم.
  22. الجواب الكافي للعلامة ابن القيم.
  23. كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
  24. الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبدالوهاب.
  25. الدرر السنية في الأجوبة النجدية.
  26. فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبدالرحمن بن حسن.
  27. مسائل كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب.
  28. كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبدالوهاب.
  29. شروط الصلاة للشيخ محمد بن عبدالوهاب.
  30. القواعد الأربعة للشيخ محمد بن عبدالوهاب.
  31. شرح السنة للحافظ البغوي.
  32. إرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل للعلامة الألباني.
  33. تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير.
  34. الروض المربع مع حاشيته لابن قاسم.
  35. بلوغ المرام للحافظ ابن حجر.
  36. رياض الصالحين للإمام النووي.
  37. عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي.
  38. البداية والنهاية للحافظ ابن كثير.
  39. منتقى الأخبار لشيخ الإسلام ابن تيمية الجد.
  40. الإحكام شرح أصول الأحكام للشيخ ابن قاسم.
  41. نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر.
  42. الألفية في الحديث للحافظ العراقي.
  43. الفوائد الجلية في المباحث الفرضية تأليف سماحته رحمه الله.
  44. وظائف رمضان الملخص من لطائف المعارف للحافظ ابن رجب.
  45. صحيح ابن حبان.
  46. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية.
  47. تفسير البغوي.
  48. تفسير ابن جرير.
  49. إعلام الموقعين لابن القيم.
  50. الطرق الحكمية لابن القيم.
  51. متن الآجرومية.
  52. متن الرحبية.
  53. الأربعون النووية.
  54. مختصر المقنع.
  55. قطر الندى. [9]
فهذه هي الكتب التي كانت تدرس أو تقرأ على سماحته، وعند قراءتها كان سماحته يبين ويوضح ويشرح، ويذكر الحكم على الحديث إذا كان في غير الصحيحين، ويبين رجال الإسناد وحالهم، ويذكر الفوائد المتعلقة بذلك الحديث أو تلك المسألة.

مجالسه

كان للشيخ ابن باز - رحمه الله - مجالس عامرة بالعلم والذكر، ونشر الدين، والتربية على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقضاء حاجات المحتاجين، ومناصحة لطلاب العلم والدعاة، مجالس فيها التعرف على أحوال الأمة، والسماع لعلماء الإسلام الذين يفدون عليه من أقطار الإسلام، مجالس فيها التوجيه والإرشاد لما فيه صلاح الفرد والمجتمع، مجالس خير وبركة يقرأ فيها الآيات الكريمات والأحاديث النبوية، وكلام أهل العلم والفضل في شتى الفنون.
هذه المجالس كانت بشكل معتاد وفي أغلب أيام الأسبوع يقول مدير مكتبه محمد الموسى:
"سماحة الشيخ - رحمه الله - يجلس للناس جلساتِه المعتادةَ بعد مغرب كل يوم إذا لم يكن لديه محاضرة، ويجلس يوم الخميس من الساعة الحادية عشرة أو قبلها إلى قبيل العصر، ويجلس يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة إلى العصر، ويجلس بعد مجيئه من الدوام وتناول الغداء إلى أذان العصر إذا كان في الوقت متسع؛ فهذه -تقريبًا- هي جلساته المعتادة للناس عامة، سواء كان في الرياض أو مكة، أو الطائف، أو المدينة". [1]
 
مجلسه بعد صلاة الفجر:
كان سماحته بعد أن يفرغ من صلاة الفجر يتم قراءة أذكار الصلاة والصباح يتهيأ جموع الحضور لسماع شرح وتعليق سماحته للكتب التي تقرأ عليه ليزيدها علمًا ويوضح لها ما خفي عليها.
فإذا كان في الطائف تقرأ عليه كتب عدة في شتى العلوم الشرعية ومنها كتاب تفسير ابن كثير ويقرأه عليه الشيخ عبدالعزيز بن ناصر بن باز حتى إذا ما قرأ عدة آيات وتفسيرها أخذ سماحته يوضح ما غمض على المستمعين ويزيد التفسير إيضاحًا وتفصيلًا.
ثم يأتي بعد ذلك دور كتاب (فتح المجيد) ويقرأه الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالعزيز بن باز .. وكلما قرأ جزءًا فصَّله سماحته وزاده شرحًا وتوضيحًا.
ويعقب هذا قراءة للشيخ الحلواني في كتاب صحيح مسلم، وبعد كل حديث يتوقف ليفصل سماحته شرح ما قرئ عليه، ويبين معاني الكلمات التي وردت في الحديث ويعرض إجمالًا لمعناه ومضمونه وأهمية العمل به.
ثم يقرأ الشيخ محمد الموسى بعض فتاوي ابن تيمية ويعلق عليها سماحته ويوضح ما أشكل على المستمعين.
ويستعرض الدكتور محمد الشويعر تاريخ ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية) ويعلق عليه سماحته أيضا ويظل يشرح ويقارن ويجيب على أسئلة الحضور وطلاب العلم.
ويأتي الوقت المخصص للقراءة في كتاب (جامع العلوم والحكم) ليتناوله سماحته بالتحليل والتوضيح.
وتستمر هذه الحلقة المفعمة بالجو الإيماني الذي يعمر جنبات المسجد وصدور الحضور حتى ترتفع الشمس قليلًا ليودع سماحته الحضور راجيًا لهم توفيق الله وثوابه أملًا أن يكون له معهم لقاء آخر في اليوم التالي ..
وعادة ما يذهب إلى منزله لتناول الإفطار بصحبة تلاميذه من طلاب العلم أو ضيوفه وزواره حيث لا تخلو مائدة طعامه من ضيف أو زائر أو طالب علم. [2]
 
مجلسه بعد الظهر:
هذا المجلس كان في منزله - رحمه الله، فكان بعد أداء صلاة الظهر جماعة في المسجد، يذهب إلى منزله ومعه طلاب العلم وأصحاب الحاجات والضيوف والزوار، وهناك يجلس الشيخ معهم، معلمًا وموجهًا، ومرحبًا بالزوار والضيوف، وقاضيًا لحاجات أصحاب الحاجات، ومع ذلك لا يخلو هذا المجلس من درس.
يذكر الشيخ عبدالعزيز الوهيبي أنه ذهب ومعه أولاده إلى سماحة الشيخ ليسلم عليه في مسجده الذي بالطائف، فسلم هو وأولاده على الشيخ رحمه الله، وتعرف الشيخ على الأولاد ثم دعا الجميع إلى تناول الغداء، يقول الشيخ عبدالعزيز الوهيبي:
"فثار عجبي من ذلك من قوة ذاكرة الشيخ وفطرته، إذ كان ذلك هو اللقاء الأول مع الشيخ ولا يعرفني من قبل، فاستجبنا لدعوته.
فذهبنا إلى بيته المتواضع، فجلسنا في مجلسه ومعنا بعض الناس، وبعد أن قدم الشيخ بدأ بكلمة ترحيبية بالضيوف ثم بدأ برنامج العمل المتواصل علم وعمل لا يتوقف أبدًا. عن يمينه قارئ يقرأ من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ويعلق الشيخ على القراءة.
وعن يساره هاتفان لا يكادان يتوقفان عن الرنين ويرد عليهم الشيخ بكل سرور، ويجيب على الأسئلة الموجهة إليه.
مجلس لا يُمل أبدًا، هذا يريد شفاعة، وهذا يريد جوابًا، وهذا يريد ردًا على معاملته، وهذا يريد مساعدة، والشيخ يستمع وينصت لكل واحد من الناس وكأنه يعرفه منذ سنين.
وبعد أن انتهينا من تناول الغداء أردنا أن نستأذن الشيخ فقال لنا: اجلسوا لتناول الشاي فجلسنا والحاضرون من بلاد شتى هذا من أمريكا، وهذا من فلسطين، وهذا من مصر، وهذا من السودان، وهذا من الكويت، وهذا من السعودية، وهكذا تُعد عشرات الجنسيات في مجلس الشيخ في مجلس لا يُمل أبدًا، مجلس علم وعمل متواصل، ودعوة وفضل، وخير كثير..."[3].
 
مجلس بعد العصر:
كان الشيخ - رحمه الله - بعد أن يؤدي صلاة العصر يقرأ أذكار الصلاة ثم "بعد ذلك يقرأ الإمام ما تيسر من كتاب (رياض الصالحين) للنووي، أو (الوابل الصيب) لابن القيم، أو (كتاب التوحيد) للشيخ محمد بن عبدالوهاب، أو غيرها من الكتب، ثم يشرع سماحته بشرح ما قرئ، ثم توجه إليه الأسئلة، فيجيب عليها، ثم يرجع إلى منزله؛ لأخذ بعض الراحة"[4].
 
مجلس المغرب:
بعد أداء صلاة المغرب يتوجه سماحته إلى مجلسه العام لعامة الناس وخاصتهم المقبلين للسلام عليه أو استفتائه في أمور الدين والدنيا ويستضيفهم الشيخ؛ فيسألون عن أحواله ويسأل عن أحوالهم في جو من الود والتناصح والتشاور .. ويستمر هذا المجلس حتى يحين موعد صلاة العشاء حيث يتأهب سماحته والحضور للخروج من المجلس ذاهبين للمسجد. [5]
 
مجلس العشاء:
كان سماحته عندما يؤذن لصلاة العشاء يتوجه إلى المسجد، وبعد أداء السنة يُقرأ عليه بعض الأحاديث فيقوم الشيخ بشرحها والتعليق عليها، ثم يجيب على بعض الأسئلة. [6]
يقول فهد البكران عن هذا المجلس: "خلال الفترة ما بين الأذان والإقامة يستمع المصلون إلى قراءة من إمام المسجد لبعض الأحاديث الواردة في كتاب (رياض الصالحين) ليقوم سماحته بالشرح والتعليق عليها واستخراج الحكم الواردة فيها مع التأكيد دومًا على أهمية اتباع سنة النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير". [7]
 
وصف ما يدور في مجلس سماحة الشيخ:
يذكر مدير مكتبه محمد الموسى واصفًا هذه المجالس وما يدور فيها وحال سماحته فيه، فيقول:
"وإذا جلس للناس ضاق بهم المجلس، والتفوا حوله على اختلاف أجناسهم وحاجاتهم؛ فهذا عالم، أو مسئول كبير جاء لزيارة سماحته، وهذا آخرُ قَدِمَ للسلام، وهذا قريب لسماحته، وهذا مستفتٍ عن أمر ما، وهذا مطلِّق، وهذا ذو حاجة، وهذا ذو مشكلة، ويريد حَلًا لها، وهذا مريد لشفاعة من سماحة الشيخ في أي أمر من الأمور، وهذا قادم للجلوس ورؤية الشيخ، وكيفية تعامله مع الناس، وهذه وفود أتت من داخل المملكة وخارجها لزيارة سماحته، وهذا فقير أتى؛ لينال ما ينال من بر سماحته وعطفه، وهذا وهذا إلخ.
فإذا قدم سماحة الشيخ إليهم ألقى السلام عليهم، ثم تتابعوا للسلام عليه؛ فإذا أخذ مكانه في صدر المجلس علا المجلس السكينة، والوقار، والأدب.
ويكون عن يمين سماحته وشماله اثنان من كتابه يعرضان عليه القضايا والكتابات التي تأتيه من كل مكان، فيتولى الرد عليها، والإجابة عنها، وهذان الكاتبان يتناوبان؛ إذ إن كل واحد منهما قد ملأ جعبته من الرسائل والمعاملات.
ويكون بجانب سماحته هاتفان لا يكاد يتوقف رنينهما.
وما بين كل فينة وأخرى يتقدم طالب لحاجة أو مستفت فيعرض ما يريد على سماحته، وإذا قدم قادم إلى المجلس توجه إلى سماحته فسلم عليه فيرد سماحته السلام، ويلاطفه، ويسأله عن اسمه إن كان لا يعرفه، وإن كان يعرفه سأله عن أحواله وعن مشايخ بلده، وطلبة العلم فيه إن كان قادمًا من بلد آخر، ثم يلح عليه بتناول طعام الغداء، والعشاء، ويلح عليه بالمبيت عنده.
وهكذا الحال مع كل قادم ولو أدى ذلك إلى قطع المكالمة وطَلَبِ الانتظار ممن يهاتف، ولو أدى أيضًا إلى إيقاف القراءة من أحد الكاتبين.
وبعد ذلك يعاود الحديث مع من هاتفه، أو السماع لمن يقرأ عليه.
فإذا رأيت هذا المشهد من كثرة الناس وكثرة حاجاتهم وتنوعها، ورأيت حال الشيخ مع الهاتف، ومع من يقرؤون عليه من كُتَّابه، ورأيت كثرة القادمين والمسلِّمين أيقنت أن جموعهم لن تَنْفَض، وأن تلك الحاجات والمعاملات تحتاج إلى مدة أسبوع في الأقل؛ ليتم التخلص من بعضها، وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تَنْفَضُّ تلك الجموع بنفوس راضية، وصدور منشرحة؛ حيث يأخذ كل واحد منهم نصيبه من سماحته؛ إما بتوجيه معين، وإما بوعد صادق طيب، وإما بإجابة لسؤال، وإما باستجابة لطلب.
كل الذي تبغي الرجال تصيبه حتى تُبَغِّي أن تُرى شَرْوَاهُ
سيان بادىءُ فِعْلِهِ وتليُّهُ كالبحر أقصاه أخو أدناه [8]
كل ذلك وسماحته يستقبلهم بصدر رحب، وجبين وضَّاح، ونفس كريمة، لا ينهر أحدًا، ولا يكهره، مع ما يلقاه سماحته من كزازة، وسوء أدب، وكثرة إلحاح، ومقاطعة من بعض المراجعين، حتى إن الذي يحضر المجلس أول مرة ليعجب أشد العجب، ويظن أن سماحته يتكلف ما يقوم به، ولكن ذلك هو دأبه وأدبه؛ حتى لكأنه هو المعنيُّ بقول البحتري:
خُلُقٌ أتيت بفضله وسنائه طبعًا فجاء كأنه مصنوع
وحديثُ مجدٍ منك أفرط حسنُه حتى ظَنَنَّا أنه موضوع [9]
وإذا انصرفوا من عنده انصرفوا مسرورين، وكل منهم يظن أن له منزلة خاصة عند سماحة الشيخ.
وإذا أذن المؤذن بالعشاء أو الظهر، أو العصر أيًّا كان وقت ذلك المجلس قطع سماحة الشيخ الحديث مع من يهاتفه، أو يحادثه، أو يسأله، أو يقرأ عليه، وشرع بمتابعة المؤذن ومن ثَمَّ يتوجه إلى المسجد.
وما إن ينتهي ذلك المجلس إلا وقد قام بأعمال عظيمة لا يقوم بها الجماعة من أولي القوة من الرجال، مع أن سماحته كفيف البصر، متقدم في السن، ومع أن كلمته هي الفصل التي يتوقف عليها أمور عظيمة خاصة أو عامة، فهذا دأبه في جميع مجالسه". [10]
 
مجالسه في المكتبة:
"لسماحة الشيخ مكتبة كبيرة في منزله في الرياض، وله مكتبة في منزل الطائف، ومكتبة في منزل مكة.
والمكتبة هي محل أنسه، وهي في الغالب مقر عمله واجتماعاته الخاصة مع العلماء وغيرهم، وهي محل بحثه، ودراسة بعض المعاملات الخاصة الواردة عليه.
وهي مكان التسجيل لبرامج الإذاعة كبرنامج نور على الدرب وغيره، وهي مكان اللقاءات بمندوبي الصحف.
وفيها يراجع كتبه، ودروسه، وبعض المسائل التي يحتاج إليها.
وفيها يتتبع أسانيد الأحاديث، وطرقها؛ إذ كان - رحمه الله - كثير الرجوع إلى كتب الرجال، ككتاب تقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال، وتعجيل المنفعة، وتهذيب الكمال...
وكان يستقبل المكالمات وهو في المكتبة، ويلقي المحاضرات الخارجية عبر الهاتف". [11]
يقول محمد الموسى: "كان - رحمه الله - لا يمل الجلوس بين الكتب، والتنقل في رياضها؛ ففي بعض الأحيان نأتي بالمعاملات من طلاق ونحوه؛ فإذا بدأنا عرضها عليه بعد العشاء ربما ظهر عليه بعض الإعياء والتعب، والنعاس، فيقول: ما عندي نشاط.
ثم يطلب بعض الكتب فإذا بَدَأَت القراءةُ عليه في الكتب نشط، وتأهب، وذهب عنه النعاس، وتفاعل مع الكتاب أو الكتب.
وفي يوم من الأيام بَدَأْتُ أعرض عليه بعض المعاملات في الطلاق وغيره، فلمست منه الإعياء، فقال: ما عندي نشاط، أشعر بالإعياء، وأرى عرضها في وقت آخر.
فخرجت من عنده في الساعة التاسعة من الليل تقريبًا، وذهبت إلى شمال الرياض، لقضاء بعض الأعمال الخاصة بي.
ولما انتهى عملي عدت إلى منزلي، وفي الطريق مررت بمنزل سماحته، ولما حاذيته رأيت سيارة الأخ صلاح الدين عثمان - أمين مكتبة منزل سماحة الشيخ -، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة والنصف.
فلما رأيت السيارة قلت في نفسي: ما الذي أبقى الأخ صلاحًا إلى ذلك الوقت، خصوصًا وأن عهدي بسماحة الشيخ أنه مُجْهَد، ولم يستطع إكمال قراءة المعاملات؛ فوقفت عند منزل سماحته، ودخلت المنزل وإذا بسماحته يخرج من المكتبة متجهًا إلى داخل بيته؛ فسألت الأخ صلاحًا، وقلت له: أنتم جالسون من حين ذهبت من عندكم حتى هذه الساعة ؟
قال: نعم؛ لما بدأت أقرأ على سماحته في الكتب نشط، واشتد عزمه، ولم يذهب داخل بيته إلا الآن - كما ترى!
وفي بعض الليالي نجلس في المكتبة بعد صلاة العشاء ساعة ونصف الساعة تقريبًا، ونلحظ على سماحته الإعياء؛ إذ هو طيلة يومه في جهاد، وعمل متواصل.
وعندما نقوم إلى مكان الطعام لتناول وجبة العشاء يعود للشيخ نشاطه، ونرجع مرة أخرى إلى المكتبة، ويقول رحمه الله: النشاط يعود بعد الأكل، وهو بمثابة البنزين للسيارة.
وأحيانًا يمضي في المكتبة الساعتين، والثلاث دون أن يشعر؛ فإذا سأل عن الساعة وقلنا: الساعة الحادية عشرة قال: إلى الله المشتكى، الوقت يمضي، والجلوس بين الكتب لا يُمَل، نتمنى أن نقرأ كل ما في هذه المكتبة، ولكن المشاغل لا تتركنا.
وفي يوم من الأيام في عام 1418هـ قال سماحته للأخ صلاح أمين المكتبة: لم يتيسر إلى الآن إمرار مسند الإمام أحمد؛ قراءتنا فيه متقطعة، كلما قرأنا منه جزءًا انقطعت القراءة، وإن شاء الله سوف نقرؤه، فبدأ بقراءته، ولكن الأعمال العظيمة لم تتركه.
ولا أعلم أنه عرض على سماحته كتاب يتكون من مجلد أو مجلدين أو ثلاثة، أو أكثر إلا قال: سوف نقرؤه إن شاء الله.
ومما هو جديد بالذكر أن سماحته أوصى قبل وفاته بإهداء مكتبته إلى مكتبة مسجد سماحته في مكة المكرمة". [12]
 
مجلسه قبل الوفاة بيوم:
حتى وهو في مرضه الذي توفي فيه لم يترك الجلوس مع طلابه ومحبيه، يقول محمد الشويعر:
"وفي يوم الأربعاء 1420/1/26هـ، حضرنا للعمل في بيته، بعد أن ترك العمل في المكتب، وبعد أن خرج من المستشفى بالطائف، حيث لم يجلس الضحى للناس، فدعانا بعد الظهر، بعد ما أرسل ابنه أحمد لنفر من الموظفين، خصنا بأسمائنا، فعرضنا عليه بعض المعاملات، فأنجزها ... وتحدثنا معه حيث أحسسنا فيه نشاطًا في هذه الجلسة، حتى زادت الساعة عن الثانية والنصف (2:30) ظهرًا، فقال: تغدوا أنتم ومن جاء من الضيوف، وسوف أجلس - إن شاء الله - للناس بعد المغرب، وسرت البشرى بين الناس، فجاء مجلسه بعد المغرب جمع غفير ... مع أنه لم يستطع الصلاة في المسجد، ولم يستطع المشي، من الهزال والألم، بل صلى في بيته جالسًا، ثم جاء لمجلسه في العربة .. وكنت في الكرسي على يمينه، والأخ محمد الموسى في الكرسي الآخر، على يسار سماحته، فسلم منذ دخل على الحاضرين، وردوا عليه السلام.
ثم تناول سماحة الشيخ سماعة الهاتف الأول ورفعها، وفعل مثل ذلك بالهاتف الثاني .. ثم أقبل على الحاضرين، وقال: كيف حال الإخوان، الله يستعملنا وإياكم في طاعته، الله يتوب على الجميع ودعا لنفسه ولهم، وزادت كلمته عن عشر دقائق، أوصاهم فيها بتقوى الله، والتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وحث على الصلاة وحذر من الشرك، ونبه إلى التوحيد الخالص.
فكأنها كانت موعظة مودع، ثم قام إليه أصحاب الحاجات والطلاق وغيرهما، فأنجزهم في تلك الجلسة ... ولم يبن عليه مظهر الإعياء والتعب، ولم يلاحظ الناس عليه شيئا، سوى حضوره في العربة، إذ لم يأت ماشيًا كالمعتاد.
وبعد أذان العشاء أجاب المؤذن كعادته، ثم سلم على الحاضرين، وودعهم وهو في العربة، ودخل بيته، حيث صلى العشاء فيه قاعدًا...[13].
وكانت آخر جلسة جلسها رحمة الله عليه مع طلابه ومحبيه، توفي بعدها - رحمه الله - في تلك الليلة.
 

فتاويه

ترك الشيخ - رحمه الله - عددًا كبيرًا من الفتاوى المتنوعة والتي تعبر عن سعة علم سماحته، وحرصه على إرشاد المسلمين إلى ما يُصلح دينهم ودنياهم، ونذكر من ذلك:
  • فتاوى اللجنة الدائمة بالاشتراك مع أعضاء اللجنة وقد خرج منها عدد كبير من المجلدات، والبقية قيد الطبع.
  • الفتاوى الكثيرة، التي كانت تنشر في المجلات والصحف، كمجلة الجامعة الإسلامية، والمجلة العربية، ومجلة الدعوة.
  •  مجموع فتاوى ومقالات الشيخ التي جمعها الدكتور محمد بن سعد الشويعر.
  • الفتاوى التي تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
  • بعض الفتاوى الخاصة المكتوبة التي نشر بعضها، ولم ينشر بعضها الآخر. [1]
  • وهناك برنامج "نور على الدرب " والذي استمر أكثر من ثلاثين عاما والتي قاربت حلقاته من الألف حلقة، أجاب الشيخ في كل حلقة على العديد من الأسئلة التي تعد نتاجا وفيرا من الفتاوى التي تمس واقع الناس. 

عمله في المعهد العلمي وكلية الشرعية

تولى الشيخ - رحمه الله - التدريس في المعهد العلمي بالرياض عام 1372هـ، بأمر من شيخه سماحة المفتي العام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله، ثم بعد ذلك انتقل إلى كلية الشريعة لدى افتتاحها سنة 1373هـ وبقي يدرِّس فيها علوم التوحيد والحديث والفقه إلى نهاية سنة 1380هـ، كما درّس في كلية اللغة العربية أول افتتاحها سنة 1374هـ، وقد تخرج على يديه أفواج من أهل العلم والفضل. [1]
وكان الشيخ - رحمه الله - جادًّا في تدريسه وأدائه، مخلصًا في عمله وما يقوم به من أعباء ومسؤوليات، ويرى أن التدريس أمانة عظيمة، ومسئولية جسيمة، لابدَّ من القيام بها. [2]
يقول الشيخ عبد العزيز المسند - رحمه الله - تعالى عن سماحة الشيخ:
"صحبته في العمل، فقد كنت مديرًا لكلية الشريعة وكلية اللغة بالرياض، وكان سماحته أحد أساتذة كلية الشريعة، فكان محافظًا على الدوام، متواضعًا، لا يرى لنفسه ميزة على أقرانه من الأساتذة، وكان لا يضيع دقيقة من المحاضرة، ويبدو في عمله وقوله الإخلاص ومحبة العلم وطلابه، والحرص على البحث ومراجعة المصادر، وكان يشاركنا في المحاضرات العامة بالنادي الأدبي التابع للكليات والمعاهد - التي هي الآن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - ويطرق موضوعات مختلفة مفيدة". [3]
هذه جملة من الأنشطة التي قام بها سماحته - رحمه الله - عندما عين مدرسًا في المعهد العلمي وكلية الشريعة بالرياض.

عمله في الجامعة

في عام 1381هـ عُين الشيخ ابن باز - رحمه الله - نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله، وابتدأ عمله بالجامعة في العاشر من ربيع الأول من السنة المذكورة.
وقد باشر سماحته أعمال الجامعة بهمة عظيمة، وكان من أهم أعماله فيها أن استقدم لها أكابر العلماء، فطلب من شيخه سماحة المفتي أن يسمح له بأخذ عدد من كبار العلماء المدرسين في الرياض، فوافق، وكان أجلهم العلامة الكبير محمد الأمين الشنقيطي، كما انتدب سماحته أمين عام الجامعة معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي وغيره للتعاقد مع عدد من أهل العلم خارج البلاد، وكان أجل هؤلاء الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله.
ومن مشاهير من درس في الجامعة من العلماء في تلك المرحلة أيضًا:
الشيخ تقي الدين الهلالي، والشيخ محمد الجوندلوي، والشيخ محمد المختار الشنقيطي، والشيخ محمد أمين المصري، والشيخ حماد الأنصاري، والشيخ عمر فلاتة، والشيخ عبدالمحسن العباد، والشيخ عبدالله الغنيمان، والشيخ عبدالغفار حسن الرحماني، والشيخ عطية محمد سالم، والشيخ محمد بن عبدالوهاب البنا، والشيخ محمد المجذوب، والشيخ محمد المنتصر الكتاني، والشيخ أبو بكر الجزائري، والشيخ عبدالرؤوف اللبدي، والشيخ ممدوح فخري، والشيخ محمد الصادق عرجون، والشيخ ف. عبدالرحيم، والشيخ عبدالقادر شيبة الحمد، والشيخ عبدالفتاح القاضي، والشيخ محمود الميرة، رحم الله الأموات منهم وبارك في الأحياء. [1]
كما استُقدم الطلاب للجامعة من أغلب دول العالم، ونفع الله بهذه الجامعة في مشارق الأرض ومغاربها، حيث صار أولئك الخريجون منارات لنشر السنة والعلم في أنحاء كثيرة من الأرض، وبعضهم صار ممن يُشار إليه بالبنان، وحصرهم صعب لتفرقهم في البلدان. [2]
وفي عام 1390هـ صدر الأمر الملكي بتعيين سماحته رئيسًا للجامعة الإسلامية بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله. [3]
أما عن نشاطاته في الجامعة، فيقول الشيخ محمد المجذوب:
"مما لا خلاف فيه أن للشيخ ابن باز أثره العميق في كل تقدم أحرزته الجامعة تحت إشرافه نائبًا لرئيسها، ثم رئيسًا مستقلًا لها بعد وفاة رئيسها الأول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ تغمده الله بعفوه.
إنه ليتفقد الفصول بين الحين والآخر، فيستمع إلى دروس المشايخ، ويلقي توجيهاته الحكيمة هنا وهناك، وقد يلاحظ في دروس بعضهم ما لا يأتلف مع أفكاره الوثيقة، فيعقب على ما سمع بما يؤدي الغرض في منتهى الكياسة والتقدير.
ويتردد على قاعات المدرسين فيسألهم عن صحتهم وراحتهم، ويحاورهم في شؤون التعليم، ويشجعهم على المزيد من الجهد في خدمة الطلبة ابتغاء ما عند الله.
ويدعو المدرسين في مطلع كل عام دراسي لاجتماع يضم أساتذة المعاهد مرة، وأساتذة الكليات الأخرى، فيتداول معهم أمور الجامعة وضرورة الانتفاع من الخبرات الماضية، مؤكدا على وجوب الاهتمام بأصول العقيدة، التي يعتبرها الشيخ منطلق العمل لتكوين شخصية الطالب، ثم العناية بلغة القرآن التي عليها يتوقف نجاحه في الفهم عن الله ورسوله، وبخاصة في هذه الجامعة التي معظم طلابها من غير العرب، فلا سبيل لتثبيت العربية في ألسنتهم وأقلامهم إلا عن طريق القدوة والمحاكاة، فعلى المدرس إذًا أن يجتنب كل لغة ملحونة، وأن يلتزم الفصحى وحدها في كل حوار مع الطلاب.
وهكذا الشأن في نهاية العام الدراسي، إذ يعقد مع المدرسين اجتماعًا عامّا آخر، فيتدارس وإياهم شؤون المقررات وملاحظاتهم عليها، ورأيهم في مسيرة الدروس، وفي سلوك الطلاب، وما قد جمعوه من الانطباعات أثناء العام، ويحثهم على الكتابة عن كل ما يرونه مفيدًا للجامعة، ليعرض على مجلس الجامعة لدراستها والانتفاع بكل صالح منها.
وفي دار الحديث التابعة للجامعة تلقى المحاضرات الأسبوعية من قبل الأساتذة في مختلف الموضوعات على مدار العام الدراسي؛ إلا فترة المذاكرة، ويُشرف الشيخ بنفسه على محاضرات الموسم هذه، لا يكاد يغيب عن إحداها إلا تحت ضغط الضرورة، ولا تعدم المحاضرة تعقيبًا منه يوضح غامضها، ويوسع بعض جوانبها على قدر ما يرى من الأهمية.
فإذا كانت المحاضرة له اختار لها الموضوع الذي يمس القلوب والعقول، حتى إذا جاء موعد الأسئلة حول بعض النقاط أفاض على مستمعيه بما يكفي ويشفي، وكثيرا ما ينتهز السامعون هذه الفرصة، فيوردون على الشيخ ألوان الاستيضاحات التي تحمل صفة الاستفتاءات، فتأتي أجوبته عليها جامعة مانعة، لا تلبث أن تتردد على الأفواه...". [4]
ثم ذكر بعض الأنشطة التي كان يقوم بها في الجامعة ومنها إرسال المدرسين باسم الجامعة إلى بلدان المسلمين، وخاصة في الهند، وأفريقية، وباكستان، وكذلك انتداب المتفوقين من الخرجين من الجامعة إلى بلدانهم وغير بلدانهم للقيام بالدعوة إلى الله. إضافة إلى ذلك بذل الجهد في إمداد المسلمين بالكتب التي هم بحاجة إليها في نطاق التدريس أو المطالعة.
إلى أن قال[5]: "وهكذا أصبحت الجامعة الإسلامية بفضل الله، ثم بجهود هذا الداعية الصالح مركز إشعاع لا على نطاق المدينة المنورة وحدها، بل على مستوى العالم كله.
يضاف إلى ذلك عمله الجاد في مد نشاطات الجامعة، فهو لا يرضى الوقوف بها عند حدٍّ مهما يبلغ من الجلال، بل يريد لها تحركًا متصلًا في طريق النمو". [6]
وقال الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز:
"كان لسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز وقت إقامته في الجامعة مشاركة فعالة في تدريس الطلاب إذا غاب أحد المدرسين، وكان لسماحته أيضًا زيارة ميدانية لبعض الفصول للتأكد من سير الدراسة، وكان للطلاب الذين تخرجوا من الجامعة وعادوا إلى بلادهم صلة قوية، وكانوا يراسلون الشيخ ويشكرونه، ويدعون للدولة السعودية التي أكرمتهم وقت دراستهم، ومن حرصه على مصالح الجامعة الإسلامية أنشأ مجلسًا يُعقد كل أسبوع، وكان أعضاؤه نخبة ممتازة من أساتذة الجامعة، وكان هذا المجلس ينظر في مصالح الجامعة". [7]
هذه جملة من الأنشطة التي قام بها سماحته - رحمه الله - عندما عين نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية، وبعد ذلك رئيسًا لها بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله.

عمله في القضاء

تولى الشيخ - رحمه الله - القضاء عام 1357هـ، بناءً على اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة سابقًا، حيث كان الشيخ ابن باز ملازمًا له نحو عشر سنوات، مما جعل الشيخ محمد مطمئنًا عندما رشحه للقضاء؛ لأنه لاحظ في سماحته ملامح النجابة وعلو الهمة، وبناء عليه أصدر الملك عبدالعزيز قرارًا بتعين سماحته قاضيًا على الخرج، كان قضاء الخرج متمركزًا في الدلم، ويشمل بلادًا وقرى كثيرة، منها: السيح والسهباء والهياثم ونعام، فأصبحت كلها تتبع سماحة الشيخ وكان عمره وقتئذ لا يتجاوز السابعة والعشرين عامًا. [1]
وقد وافق الشيخ - رحمه الله - على هذا المنصب طاعًة لولاة الأمر؛ مع أنه لم يكن يحب القضاء ولا يرغب فيه، وعندما وصل إلى الدلم قبيل العصر يوم الخميس من شهر شعبان سنة 1357هـ استقبله أمير الدلم ناصر بن سليمان بن ناصر الحقباني - رحمه الله - وجمع غفير من الأهالي استقبلًا يليق بمكانته، فدخل إلى المسجد الكبير وصلى ركعتين تأسيًا بالنبي ﷺ في أسفاره، وبعد الفراغ من التعارف والسؤال عن الأحوال وقف سماحته في الناس خطيبًا، فقال:
"أما بعد، فإنني والله! ثم والله! ثم والله! لا أرغب القضاء، ولا أحب عمل القضاء، وإنما حملني على الموافقة هو أمر الله سبحانه وأمر رسوله بالسمع والطاعة لولاة الأمور" [2]، ثم بدأ يتكلم كعادته في نصح الناس وحثهم على طاعة الله وتقواه، حتى فرغ من المجلس، وقام.
وهذا إن دلَّ فإنما يدل على ورع الشيخ وزهده في المناصب الدنيوية، وقد استمر سماحته في قضاء الخرج أربع عشرة سنة ونيفًا إلى عام 1371هـ ، فكان يجلس كل يوم للقضاء من الضحى إلى صلاة الظهر، وأحيانًا إلى بعد العصر.
"وقد رتب الشيخ دخول الرجال في مجلس القضاء حسب وصولهم إلى المجلس، وأمر بأن لا يدخل عليه أحد حتى يأذن بالدخول، وساعده في ذلك رجال الإمارة آنذاك في تنظيم الدخول.
وقد أدخل السجلات في عمله، بعد أن رتب مجلس القضاء منذ ولي القضاء في الخرج، حيث يسجل له كاتبه في السجلات القضايا ووثائق الأوقاف وغيرها، ثم يعطي صاحب القضية وثيقة بذلك، إذا دعت الحاجة إليه؛ وهذا قبل تأسيس المحكمة الشرعية في الدلم بصورتها الرسمية في عام 1368هـ.
ومن سجية سماحته - رحمه الله - حسن الخلق وانبساط الوجه لكلا الخصمين على السوية فيسوي بينهما في مجلس القضاء، ولا يقدم أحدهما على الآخر، وكان يتثبت من صدق الدعاوى والبينات وغيرها، وقد اتصف ببديهة سريعة ونباهة عالية وصدق مع الله وإخلاص له وتجرد عن حظوظ النفس، مما أورث قناعة الناس بأحكامه ورضاهم بها، حتى إنه في بعض الأحيان بعد الحكم بين الخصمين مباشرة يذهب الخصمان وينفذان ما حكم به لأحدهما على الآخر طواعية دون إكراه، وفي أغلب الأحيان يعرض الصلح على المتخاصمين.
وممن عمل لديه كاتبا إلى جانب طلبه العلم عنده: معالي الشيخ راشد بن صالح بن خنين المستشار بالديوان الملكي، وعضو هيئة كبار العلماء سابقا، ومعالي الشيخ عبد الله المسعري رئيس ديوان المظالم سابقا، والشيخ صالح بن حسين العلي - رحمه الله، والشيخ عبد اللطيف بن شديد - رحمه الله - والشيخ صالح بن عبد العزيز بن هليل - رحمه الله.
ولقد كان سماحته يقوم بأعمال أخرى إلى جانب عمله في القضاء وهي مرتبطة عادة بالقاضي وهي:
  • خطابة الجمعة في الجامع الكبير في الدلم وإمامته.
  • العناية بالمساجد وأئمتها والأوقاف.
  • الاهتمام بالحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • قسمة التركات وتنفيذ الوصايا والولاية على القُصَّر.
  • حفظ الأموال الضالة كالحيوانات.
  • الإفتاء الشرعي في البلد والمملكة عمومًا.
  • عقود الأنكحة". [3]
ومع ذلك لم يأخذ الشيخ - رحمه الله - إجازة من العمل منذ توليه القضاء حتى وفاته!!. [4]
ومما عُرف عنه أنه كان في قضائه وسائر أعماله قويًّا من غير عنف، ولينًا من غير ضعف، وكان ينفذ الأحكام بنفسه حتى على أمراء القرى والوجهاء والأثرياء، وأعطاه الله محبة ومهابة لدي الناس، بحيث كانت أحكامه نافذة على الجميع. [5]

عمله في الإفتاء

عندما كان سماحته في المدينة المنورة رئيسًا للجامعة الإسلامية صدر أمر من الملك خالد بن عبد العزيز في 14 شوال عام 1395هـ قضى فيه بتعيين سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برتبة وزير. فانتقل إلى الرياض ليقوم بعمله في هذا المنصب.
ثم في 14 محرم 1414هـ أصدر الملك فهد الأمر الملكي القاضي بتعيين سماحته مفتيًا عامًا للمملكة، ورئيسا لهيئة كبار العلماء، ورئيسا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، وظل في هذا المنصب الرفيع يخدم دين الله ولا يدخر جهدًا في القيام بعمله حتى توفاه الله في عام 1419هـ. [1]
ولا يعني ذلك أنه لم يكن يفتي قبل هذا الأمر، بل كان يمارس عملية الإفتاء أثناء أعماله السابقة، فعندما كان قاضيًا في الدلم، كان يفتي، وعندما تولى رئاسة الجامعة الإسلامية كذلك، وبعد ذلك، كل هذه المراحل كان سماحته مفتيًا، وكانت لفتاويه قبولًا بين الناس.
ومن خلال ما ذكره مدير مكتبه الشيخ محمد الموسى عن عمله الرسمي يتبين لنا شيء من عمله في الإفتاء، فقد قال:
"بعد أن يأتي سماحة الشيخ من درس الفجر في المسجد يدخل منزله، ويرتاح قليلاً، ويتناول الإفطار، ثم يمضي إلى عمله في المكتب في الرئاسة، وإن لم يكن عنده درس في المسجد فإنه يأتي بعد الفجر لمكتب البيت، ويستمر مدة ساعتين أو أكثر تعرض عليه المعاملات، وتقرأ عليه الكتب، والبحوث، والمقالات، ثم يدخل منزله ويرتاح قليلاً، ثم يتناول الإفطار، ويمضي إلى عمله في المكتب بعد أن يؤدي صلاة الضحى.
وفي الطريق من المنزل إلى العمل يقرأ عليه منذ خروجه من المنزل حتى يصل.
وإذا ترجَّل من السيارة عند وصوله مقر العمل استقبله الناس على اختلاف طبقاتهم وحاجاتهم، وفي طريقه من السيارة إلى مكتبه في رئاسة الإفتاء أو اللجنة يقضي حاجات كثيرة، ويجيب عن أسئلة عديدة في تلك الخطوات القليلة المعدودة.
وسماحة الشيخ يذهب إلى مكتبه، في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يوم الأحد قبل الظهر، ويوم الثلاثاء قبل الظهر.
وإذا كان في اللجنة استمع إلى الفتاوى المعدة من قبل اللجنة، وبعد ذلك يتم تداول الرأي فيها مع أعضاء اللجنة قبل صدورها.
وبعد الظهر من يوم السبت يذهب سماحته إلى اللجنة الدائمة لقراءة الفتاوى الصادرة من اللجنة لإقرارها، ثم طبعها تحت إشراف صاحب الفضيلة الشيخ أحمد بن عبدالرزاق الدويش.
أما ما عدا هذه الأوقات فيمضي وقته في مكتبه في الرئاسة، وهناك تعرض عليه أنواع المعاملات من مقالات، وأقوال صحف، وبحوث، وشفاعات، ونحوها.
وهناك يستقبل طلبات الناس، ويجيب عن أسئلتهم.
وهناك يرد على الهاتف، ويمنع من طرح سماعته.
وهناك يستقبل الزائرين، والمسلِّمين.
وهناك يعرض عليه الموظفون المعاملات الخاصة من مكاتبهم عبر الهاتف، أو يأتون إليه بها.
وهناك تعرض عليه أنواع المعاملات المتعلقة بالشؤون الإدارية للرئاسة، والمكاتبات الرسمية الواردة إلى سماحته من الجهات الحكومية، وكثير مما يتعلق بشؤون الدعوة إلى الله في الداخل والخارج، وقضايا الحسبة، والطلبات الشخصية من مشارق الأرض ومغاربها، ومن جموع المسلمين الذين يتوافدون إلى مكتبه؛ التماسًا لمساعدته لهم، وتعرض عليه الاستفتاءات، ولا سيما قضايا الطلاق، والرضاع التي ينظر فيها سماحته بنفسه.
وهكذا يستمر عمله إلى نهاية الدوام، فيكون هو آخر الموظفين خروجًا، أو من آخرهم.
وإذا كان في مهمة عمل خارج المكتب سواء كان في الديوان الملكي، أو في اجتماع في مكان آخر، أو كان في مراجعة للمستشفى، أو كان في محاضرة في بعض القطاعات، ثم انتهى من مهمته سأل عن الساعة. فإذا قيل مثلًا: الساعة الثانية أو أكثر أو أقل قال: نذهب إلى المكتب، فإذا قيل له: ضاق الوقت، وما بقي إلا القليل، ولا يستحق أن يُذْهَب لأجله قال: ولو! نقضي بعض الأعمال في هذا الوقت.
وإذا كان في الطائف فإنه لا يعود إلى الرياض إلا بعد نهاية الانتداب، أو أن يؤذن له من ولي الأمر دون طلب منه.
وفي الطائف يواصل إلقاء الدروس، ويلقي محاضرات كثيرة في أماكن عدة، كالقاعدة الجوية، ومدارس سلاح الإشارة، وفي السجن.
وفي عامه الأخير بدأ الانتداب إلى مكة المكرمة في 1/12/1419هـ حتى 21/12/1419هـ، ولكنه مكث في الرياض بسبب مشورة الأطباء؛ لأنه لم يتحمل الذهاب للحج.
ولما سئل عن المدة التي مكثها في الرياض؛ لتحسب له، قال: لا تحسب لي انتدابًا؛ لأنني لم أذهب !!
ولما أخبر بأن الموظفين الذين كانوا معه ليس لديهم مانع من السفر إلى مكة، ولكنهم جلسوا؛ مراعاة لمصلحته، أبى أن تحسب لهم انتداب تلك المدة.
فلما ألحوا عليه، قال: نعطيهم من عندنا". [2]
وكذلك كان سماحته يجيب على أسئلة المستفتيين في البيت، إما مباشرة من السائل أو ما يرد عليه عبر الهاتف، يقول الشيخ محمد الموسى وهو يصف ما يدور في مجلس سماحته في البيت:
"سماحة الشيخ - رحمه الله - يجلس للناس جلساتِه المعتادةَ بعد مغرب كل يوم إذا لم يكن لديه محاضرة، ويجلس يوم الخميس من الساعة الحادية عشرة أو قبلها إلى قبيل العصر، ويجلس يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة إلى العصر، ويجلس بعد مجيئه من الدوام وتناول الغداء إلى أذان العصر إذا كان في الوقت متسع؛ فهذه تقريبًا هي جلساته المعتادة للناس عامة، سواء كان في الرياض أو مكة، أو الطائف، أو المدينة.
وإذا جلس للناس ضاق بهم المجلس، والتفوا حوله على اختلاف أجناسهم وحاجاتهم؛ فهذا عالم، أو مسؤول كبير جاء لزيارة سماحته، وهذا آخرُ قَدِمَ للسلام، وهذا قريب لسماحته، وهذا مستفتٍ عن أمر ما، وهذا مطلِّق، وهذا ذو حاجة، وهذا ذو مشكلة، ويريد حَلاً لها، وهذا مريد لشفاعة من سماحة الشيخ في أي أمر من الأمور، وهذا قادم للجلوس ورؤية الشيخ، وكيفية تعامله مع الناس، وهذه وفود أتت من داخل المملكة وخارجها لزيارة سماحته، وهذا فقير أتى؛ لينال ما ينال من بر سماحته وعطفه، وهذا وهذا إلخ.
فإذا قدم سماحة الشيخ إليهم ألقى السلام عليهم، ثم تتابعوا للسلام عليه؛ فإذا أخذ مكانه في صدر المجلس علا المجلس السكينة، والوقار، والأدب.
ويكون عن يمين سماحته وشماله اثنان من كتابه يعرضان عليه القضايا والكتابات التي تأتيه من كل مكان، فيتولى الرد عليها، والإجابة عنها، وهذان الكاتبان يتناوبان؛ إذ أن كل واحد منهما قد ملأ جعبته من الرسائل والمعاملات. ويكون بجانب سماحته هاتفان لا يكاد يتوقف رنينهما.
وما بين كل فينة وأخرى يتقدم طالب لحاجة أو مستفت فيعرض ما يريد على سماحته...". [3]
وفي مكتبته كان يتم تسجيل برنامج نور على الدرب.
وقد ترك - رحمه الله - ثروة هائلة من الفتاوى منها المكتوب ومنها المسجل ومن ذلك:
- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
- تحفة الإخوان، بأجوبة مهمة تتعلق باركان الإسلام.
- مجموع فتاوى ومقالات، جمع الدكتور محمد بن سعد الشويعر.
- فتاوى نور على الدرب.
- فتاوى اللجنة الدائمة بالاشتراك مع أعضاء اللجنة وقد خرج منه 17 مجلداً كبيراً، والبقية قيد الطبع.
- الفتاوى الكثيرة، التي كانت تنشر في المجلات والصحف، كمجلة الجامعة الإسلامية، والمجلة العربية، ومجلة الدعوة.
كانت هذه بعض ثمار عمله في الإفتاء، وكانت لها آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي، فكم نفست من كروب وحلت من إشكالات، وحسمت من خلافات، وأصلحت بين أسر وجماعات، رحم الله سماحة الشيخ رحمة واسعة.

أعماله الخيرية

كان لسماحته - رحمه الله - همة عالية في الأعمال الخيرية التي تعود بالنفع على عامة المسلمين، ومن ذلك ما يلي:
 
المساهمة في بناء المساجد:
لقد اهتم الشيخ –رحمه الله- اهتمامًا كبيرًا بالمساجد؛ وذلك لعلمه بمكانة المسجد في الإسلام، حيث ساهم مساهمات كبيرة في بناءها وتشييدها وإعمارها، انطلاقا من قوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]، وقول النبي ﷺ: من بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة[1].
فبعد تعين الشيخ على الدِّلم بعام واحد، عام 1358هـ، أمر بهدم "الجامع الكبير" وإعادة بنائه من جديد؛ وذلك لقدمه وعدم دخول أشعة الشمس إليه، وتمَّ ذلك بمساعدة الأهالي وتعاونهم مع الشيخ.
وفي العام التالي قام سماحته بتجديد بناء "جامع المحمدي" الواقع في شمال الدِّلم، كما قام بتجديد "جامع العذار" و"الحوشة" و"زميقة" وغيرها من المساجد في نواحي الدِّلم[2].
واستمر في بناء المساجد وإعمارها الواحد تلو الآخر، ولكثرة اهتمامات الشيخ وانشغاله قام بتعيين وكيلًا له في القيام بهذه المهمة وهو الشيخ عبدالله بن رشيد البراك –رحمه الله- حيث كان يقوم بالإشراف على البناء والنفقة بعد الرجوع إلى سماحة الشيخ[3].
وكان كثيرًا ما يكتب للمحسنين، ويشير عليهم ببناء المساجد في القرى والأماكن البعيدة والتي تفتقر إلى المساجد، فكم من قرية نائية بعيدة كل البعد تجد فيها مسجدًا قائمًا معمورًا على أحسنِ طرازٍ، فإن سألت عن بنائه، تعلم أن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- قد توسط في بناءه عن طريق أحد المحسنين[4].
ولم تكن جهود سماحة الشيخ في بناء المساجد محصورة داخل بلاد الحرمين فحسب، بل تعددت هذه الجهود لتشمل الكثير من البلدان سواء العربية أو غير العربية [5].
يقول مدير مكتبه الشيخ محمد الموسى: "كان رحمه الله حريصًا  كل الحرص على عمارة بيوت الله، وقد شُيِّد على يديه من المساجد مالا يحصى سواء في الداخل أو الخارج؛ أما طريقته في عمارة المساجد فكان يَتَثَبَّت من مدى الحاجة لإقامة المسجد؛ فإذا رفع إليه أحد من الناس سواء من المحاكم، أو الجمعيات، أو المراكز الإسلامية أو غيرها، تثبت من ذلك، وكتب إلى قاضي البلد، أو إلى مركز الدعوة، أو إلى أي جهة رسمية، أو إلى من يعرفه ويثق به، فيطلب من هؤلاء أن يفيدوه عن الحاجة إلى المسجد، وعن المساحة الكافية، ثم يطلب وضع المواصفات اللازمة لعمارته، ثم يطلب عرض المناقصة على ثلاث مؤسسات معمارية، أو على ثلاثة من المعنيين بالبناء، ثم تُقَدم إليه العروض، فيُوقِعُ الاختيار على أنسبهم.
وبعد ذلك يكتب للمحسنين، و على رأسهم خادم الحرمين، أو أحد الأمراء، أو أحد الموسرين، فيطلب منهم التبرع بتكلفة البناء.
وإذا جاءه المبلغ المطلوب أحاله إلى الجهة التي تمت المكاتبة بينه وبينها من محكمة أو غيرها؛ ليكون متابعة التنفيذ للمشروع تحت إشرافها.
وقد تم على يد سماحته إعمار الكثير من المساجد، وبيوت الأئمة والمؤذنين، بأسعار مناسبة بعد التحري الدقيق، والتثبت بواسطة الثقات -رحمه الله، وجعل ذلك في موازين حسناته-.
ولعل من آخر تلك المساجد وليس آخرها -مسجده الذي أقيم في مكة المكرمة، وأصبح معلمًا بارزًا من معالمها، ذلك المسجد الذي بذل فيه سماحته جهدًا كبيرًا حتى قام واستوى على سوقه"[6].
 
الاهتمام ببناء المدارس:
كما اهتم الشيخ بإعمار المساجد وبنائها اهتم كذلك ببناء المدارس كأحد الوسائل المعينة على نشر العلم، فمع انتشار المدارس النظامية واتجاه الطلاب إليها شعر بأهمية دور هذه المدارس، فسعى إلى فتح أول مدرسة نظامية في الدلم عام 1367هـ، وذلك عندما طلب من ولي العهد – آنذاك - الأمير سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-  افتتاح مدرسة ابتدائية هناك، وبالفعل صدر الأمر لمدير المعارف الشيخ محمد بن مانع -رحمه الله- بافتتاح مدرسة ابتدائية في الدِّلم، بإشراف سماحة الشيخ ابن باز، وقد تولى إدارتها الشيخ صالح بن حسين العرقي، ومعه خمسة مدرسين من طلاب الشيخ ابن باز، وقد سميت هذه المدرسة باسم "المدرسة السعودية الابتدائية"، وتسمى حاليًّا "مدرسة ابن عباس".
 وكان الشيخ –رحمه الله- يحرص على رعايتها وزيارتها من وقت لأخر، ويلتقي بالطلاب فينصحهم ويسألهم، وقد حثَّ سماحته الأهالي على إلحاق أبنائهم بهذه المدرسة عند امتناع بعضهم عن ذلك[7].
 
إعادة بناء بيت القاضي:
ومن أعمال سماحته الخيرية اهتمامه بإعادة بناء بيت القاضي، فعندما عُين قاضيًا على الدلم لاحظ أن بيت القاضي قد تعرض للخراب، وأوشك على السقوط، وذلك لتقدم العهد به، ولِمَ يمثله هذه البيت من أهمية في الفصل بين المتخاصمين، وإعادة الحقوق لأهلها، عمد الشيخ إلى السعي لإعماره وإعادة بناءه، حيث طلب من الملك عبدالعزيز رحمه الله التكرم بالأمر بتعميره فوافق على ذلك، وعمد الوزير عبد الله بن سليمان رحمه الله بما يلزم بتعميره حسب توحيه سماحته، فاشترى دارًا مجاورة وضمَّه إلى بيت القاضي لتوسعته ونظمه من جديد، فأمر ببناء مجلس القضاء وجعل فيه (حبسًا) للجلوس، وجعل مكانًا لانتظار الرجال، وآخر لانتظار النساء به نافذة صغيرة يستمع من خلالها إلى شكوى المرأة صاحبة الدعوى، وبجوار مجلس القضاء جعل غرفة صغيرة للكاتب وسجل أوراق القضاة، وجلب له مكتبًا صغيرًا وكرسيًا، وبهذه الغرفة نافذة صغيرة تطل على مكان جلوس الشيخ فيملي من خلالها على الكاتب ما يريد كتابته، وعمَّر بقية البيت لسكناه، فأمر ببناء مكتبة للكتب وغرفة أخرى للجلوس. [8]

الاهتمام بدار الحديث الخيرية:
ومن أعماله التي كان يوليها سماحته اهتماه دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، وقد كان رئيسًا لها وقد تأسست عام 1352هـ بأمر من الملك عبدالعزيز رحمه الله.
وهذه الدار مدرسة أهلية تقوم على تبرعات أهل الخير، ويدرس فيها المئات من أنحاء الدنيا، وقبل أكثر من ثلاثين سنة من وفاة سماحته وهو يرعاها، ويجمع لها الأموال من المحسنين ويدفع أجرتها، ويصرف رواتب مدرسيها وطلابها وموظفيها وجميع ما تحتاج إليه. والدار المذكورة لها مجلس أعلى كان يرأسه سماحة الشيخ رحمه الله.
وأخيرًا بني للدار بناية خاصة بها، كافية للدراسة والسكن، وصدر لها أوقاف كثيرة تقوم بحاجتها.
والفضل بعد الله إلى من أسسها، ثم إلى سماحة الشيخ الذي كان يتعاهدها ويرعاها.
وقد نفع الله بهذه الدار كثيرًا، فهي تضم القسم المتوسط، والثانوي، والقسم العالي، وقد استفاد منها خلق كثير، صار منهم الأئمة والدعاة[9].
ومما يدل على عناية سماحته بهذه الدار ومنزلتها عنده أنه رحمه الله "لما رشح عام 1402هـ لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام -ألقى كلمة في ذلك الاحتفال الكبير الذي ضم العديد من الأمراء، والعلماء، وكان ذلك الحفل تحت رعاية الملك فهد، ولم ينس في تلك الكلمة دار الحديث، حيث إنه ضَمَّن كلمته في ذلك الحفل إشادة بدار الحديث، ونوه بدورها، وأعلن في تلك الكلمة أنه قد تبرع بجائزته التي فاز بها لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، وكان مقدار الجائرة ثلاثمائة ألف ريال"[10].
 
اهتمامه بالجامعات الإسلامية والمراكز الشرعية:
ومن أعمال سماحته رحمه الله أعانته للجامعات الإسلامية الخاصة في خارج المملكة، والمراكز الشرعية التي تدرس طلبة العلم العلوم الشرعية، وذلك بمد يد العون لها بالمساعدات المالية التي تعينها على القيام بدورها وتحقيق أهدافها، فإنه رحمه الله كان لديه حساب في مصرف السبيعي الرياض-فرع الديرة، باسم جامعة ابن تيمية بالهند، يصرف لبعض مشاريعها، وإليك ذكر ما كان يصرف من مكتب سماحته من مساعدات للمراكز والمدارس الإسلامية، يقول مدير مكتبه الشيخ محمد الموسى: "وعدد المستفيدين في الخارج من المدارس والمراكز الإسلامية (20) .
وإجمالي المستحق (516.000) ريال في السنة.
وإجمالي السنوي المستحق الذي يصدر من مكتب البيت سواء في الداخل أو الخارج يبلغ (863.800) ريال.
وإليك ذكر لأسماء بعض المراكز المستفيدة من المساعدات السنوية في الخارج.
1- مدرسة الروضة بعلواق: 15000 ريال.
2- مدرسة النجاح في كينيا: 12.000ريال.
3- معهد أوجير في كينيا: 36.000 ريال
4- إعاشة طلبة معهد أوجير: 20.000 ريال.
5- الشيخ ...: 12000 ريال.
6- ....المغربي: 5000 ريال.
7- معهد خولان باليمن: 20000 ريال.
8- مدرسة نور الإسلام في كينيا: 30000 ريال.
9- المركز الثقافي في أستراليا: 36000 ريال. .
10- مدرسة دار الحديث بساحل العاج: 120000 ريال.
11- صحيفة النور في المغرب: 10000 ريال.
12- معهد الأسد لتحفيظ القرآن في سوريا: 10000 ريال.
13- معهد الصديق في صنعاء: 50000 ريال.
14- مدارس بني عامر في موريتانيا: 50000 ريال.
15- مدرسة الفيصل بأستراليا: 10000 ريال.
16- مدرسة الإرشاد في جيبوتي: 20000 ريال.
17- مدرسة السلام في كينيا: 20000 ريال.
18- مركز منديرا الإسلامي في كينيا: 20000 ريال.
19- مدرسة العلوم الخيرية: 20000 ريال.
20- جماعة الدعوة للقرآن والسنة في أفغانستان: 20000 ريال.
كل هذا من غير المقطوعات التي تصرف لكثير من المراكز والجمعيات إما لتأسيسها، أو لرواتب موظفيها، أو غير ذلك، ومبالغ المقطوعات كثيرة جدًّا"[11].
 
الحرص على تسجيل الأوقاف:
فقد كان الشيخ - رحمه الله - بحكم عمله قاضيًا حريصًا كل الحرص على المحافظة على الأوقاف وتوثيقها، ولو كانت ممن قبله، فيأمر كاتبه بنسخ حروفها، ونقلها في سجل القضاء حفظًا لها، وكان يسعى سماحته إلى استغلال ريعها في المشروعات العامة التي تعود بالنفع على المسلمين. [12]

إنشاء مساكن للطلاب المغتربين:
ومن أعمال سماحته الخيرية أنه ساعد على إنشاء مساكن للطلاب المغتربين، الذين ليس لهم مأوى، وكان سببًا كذلك في صرف رواتب لتساعدهم على التفرغ للعلم، لاسيما وأكثرهم من بلاد بعيدة وجنسيات مختلفة. [13]

الاهتمام بشق الطرق وتوسيعها:
ومن الأعمال الخيرية التي اهتم بها الشيخ –رحمه الله- شقِّ الطرق وتوسيعها، وذلك لخدمة عامة الناس وتيسيرًا لهم، حيث أمر بتوسعة الطريق الواصل بين الدِّلم والمحمدي، وكذلك أمر بتوسيع الطريق المتجه من الدِّلم غربًا إلى وادي تركي المسمى بطريق الشبيلي، فتمَّ نزع ملكية جزء من الأراضي وتبرع المزارعين بالجزء الآخر من أجل المصلحة العامة للطريق[14].
لقد تعددت أعمال الشيخ عبدالعزيز بن باز وجهوده، واتسعت دائرة اهتماماته لتشمل شئون الناس الدينية والدنيوية، فرحم الله الشيخ عبدالعزيز بن باز، وجزاه خيرًا على ما قدم من أعمال وخدمات لخدمة الإسلام والمسلمين، وجعلها جميعًا في ميزان حسناته.

أعماله الاجتماعية

لقد اعتنى الشيخ – رحمه الله- بهذا الجانب عناية فائقة واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وقد تعددت صور هذا الاهتمام، لترسم لنا جانبًا مضيئًا آخر من جوانب حياته الزاخرة، ونضع بين يدك عزيزي القارئ طرفًا من أعماله الاجتماعية:

تقديمه المساعدات المالية للمحتاجين:
عُرف الشيخ –رحمه الله- بالبذل والكرم وحب الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، فالمساعدات المالية التي قدمها طيلة حياته لا يمكن حصرها؛ لكثرتها وتشعبها.
فكانت أكثر المساعدات إعانات للمستحقين من الفقراء، والمساكين، والغرباء، والمنقطعين، والأرامل واليتامى، وطلبة العلم ممن لا دخل لهم، أو لهم دخل لا يفي بحاجتهم الضرورية، أو يعجزون عن دفع إيجارات مساكنهم، أو أَلَمَّت بهم ظروف طارئة: من مرضٍ، أو سفرٍ، أو غيرها مما يستدعي المساعدة والعون، سواء كانوا من السعوديين أو غيرهم من الجنسيات المختلفة[1].
وكان منها ما يُصرف شهريًّا، ومنها ما يُصرف سنويًّا، ومنها المساعدات غير المنتظمة والتي كانت تُصرف في حال توافرها وتكون بدون التزام شهري أو سنوي[2].
وقد تم تحديد عدة جهات لتتولى أمر توزيع هذه المساعدات؛ ليتيسر على المنتفعين الحصول عليها، فكان مكتب الشيخ الخاص الموجود في منزله أحد هذه الجهات، وكذلك مكتب المفتي العام في الرئاسة، ومكتب مساعدات سماحة الشيخ في مكة المكرمة، ومكتب وكيل سماحة الشيخ في المدينة النبوية[3].
وقد استفاد من هذه المساعدات عددٌ كبير من المحتاجين، داخل المملكة وخارجها، فبعض هذه العطاءات والمساعدات كان يصل إلى عددٍ من المؤسسات الخيرية التي تهتم بشئون المسلمين خارج المملكة، وكذلك بعض المدارس والمعاهد العلمية في عددٍ من الدول، مثل: كينيا وموريتانيا وجيبوتي وأستراليا وساحل العاج وغيرها من البلدان[4].
وهذه نماذج من تلك الإعانات التي كانت تقدم من سماحته للمحتاجين من الفقراء والمساكين:
يقول أحد موظفي دار الإفتاء: "جاءت رسالة من الفلبين لسماحة الشيخ رحمه الله فإذا بامرأة تقول: إن زوجي مسلم أخذه النصارى وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة، وأطفالي يتامى، وليس لي أحد بعد الله جل وعلا، فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني بعد الله!!! قالوا لا يوجد إلا الشيخ عبد العزيز بن باز فآمل أن تساعدني، فكتب الشيخ رحمه الله للجهات المسئولة في الإدارة بمساعدتها وجاءت الإجابة أنه لا يوجد بند لمساعدة امرأة وضع زوجها في بئر، فالبنود المالية محددة، فقال الشيخ لكاتبه: أكتب إلى أمين الصندوق: مع التحية اخصم من راتبي عشرة آلاف ريال وأرسله إلى هذه المرأة"[5].
ومن أروع القصص ما ذكره معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله السلام قائلا: "لقد روى لي صديق: أن أرملة تعول أولادها لم تستطع دفع انثي عشر ألف ريال أجرة سكنها، فعرض هذا الصديق على أحد المحسنين موضوعها، فدفع إليه المبلغ ليسدد عنها أجرة السكن، وحين ذهب ليدفعه وجد الشيخ ابن باز رحمه الله قد سبق إلى سداده، وهذا يعطي دليلا صادقا على اهتمامه بأمور الناس، وتفقد أحوالهم والاستجابة السريعة لمساعدتهم ومواساتهم، ويقول الصديق: إن المحسن جزاه الله خيرا عندما عاد له المبلغ؛ لأنه سق دفعه، كلفه بأن يدفعه للأرملة للاستفادة به في حياتها وأولادها"[6].
ومن القصص التي تدل على تفريج الشيخ للكربات ما ذكره معالي الدكتور محمد بن سعد الشويعر المستشار الخاص لسماحته، قال: "وفد سعودي ذهب في إحدى المهمات إلى غابات أفريقيا فجاءت عجوز عند هذا الوفد، وقالت لأحد رجال الوفد: أنتم من السعودية؟ فقال: نعم، فقالت: أبلغ سلامي إلى الشيخ ابن باز، فقال: كيف عرفته؟! فقالت: لقد كنت أنا وزوجي عائلة نصرانية أسلمنا، ولكن طاردنا أقاربنا وضاقت بنا الدنيا، فسألت عن مساعد بعد الله؛ فقالوا: مالك بعد الله إلا ابن باز! فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة؛ ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل علي وتطلبني بمراجعتها، وإذا بسماحته قد أرسل لي بمساعدة عشرة آلاف ريال ... فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك بعد ما عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون"[7].
وتقول وفاء محمد الباز: "سألت التي اتصلت -للعزاء- بعد وفاته وهي من كوسوفو كيف عرفت الشيخ ابن باز؟ قالت: كيف لا أعرفه ومصروفي يصلني من عنده"[8].
والقصص كثيرة في تفريج الشيخ لكرب المكروبين وقضاءه حوائج المحتاجين من الأرامل والفقراء والمحتاجين[9].
 
مساعدته لراغبي الزواج:
مع كثرة اهتمامات الشيخ –رحمه الله- ومسؤولياته لم ينس الشباب وما يحيط بهم من الفتن والشهوات، حيث سعى إلى تيسير سُبل الزواج عليهم سواء بالنصح إلى أولياء الأمور للحدِّ من غلاء المهور، أو ببذل المساعدات المالية التي تعين الشباب على أمور الزواج والعفة.
وذلك من خلال المشروع الذي تبناه الشيخ لمساعدة الراغبين في الزواج والعاجزين عن تكاليفه، وقد بدأ ذلك المشروع في عام 1400هـ، برئاسته، وعضوية عدد من العلماء، ويقدم المشروع مساعدة لمن يرغب في الزواج قدرها خمسة وعشرين ألف ريـال[10].
وقد استفاد من هذا المشروع عددٌ كبيرٌ من الشباب والفتيات بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بسبب جهود الشيخ -رحمه الله- ونفقات المحسنين.

مشاركته في المشكلات الطارئة:
من أعظم الأعمال الاجتماعية التي تُحسب للشيخ –رحمه الله- مشاركته للناس في مشكلاتهم الطارئة، فلم يكن سماحته في معزلٍ عنهم بحكم مكانته العلمية والوظيفية، بل كان كثيرًا ما يهرع الناس إليه في المشكلات والملمات، من ذلك:

مشاركته في مواجهة السيول:
في عام 1360هـ تعرضت منطقة الدِّلم لموجةٍ من السيول الشديدة حتى دخلت المياه ساحات البيوت، فما كان من الناس إلا أن توجهوا إلى سماحة الشيخ لثقتهم في رأيه، فأمر بفتح الآبار المجاورة؛ من أجل تصريف المياه، ولم تمر عدة ساعات حتى زال الخطر وسلمت البيوت[11].
وعندما تكرر الأمر مرة أخرى وارتفع منسوب مياه السيول، أمر ببناء بعض السدود والحواجز التُرَابية وأمر كذلك بفتح الطرق المنحدرة، وخرج مع الناس بنفسه، ونادى في الناس بإحضار الأدوات، فخرج الجميع لإجابته، وتعاونوا حتى فرَّج الله عنهم الكرب[12].

مشاركته في القضاء على الجراد:
في عام 1364هـ هاجمت أسرابُ الجراد المزارع، وراحت تأكل الأخضر واليابس، فخرج الناس واجتمعوا على قتله بالجريد، وقد خرج الشيخ –رحمه الله- معهم؛ وذلك لشدِّ أزرهم وتشجيعهم على حماية مزارعهم[13].

الدعاء بالاستسقاء:
يذكر أن الأمطار قد تأخرت في عامٍ من الأعوام، فصلى الشيخ بالناس صلاة الاستسقاء، ودعاهم إلى التوبة والاستغفار؛ فاستجاب الله -تبارك وتعالى- لهم وأنزل غيثًا عظيمًا، وجرت السيول، فأرسل سماحته رسولًا إلى الملك عبدالعزيز – رحمه الله- يبشره بالغيث، فلما قرأ الملك الكتاب سأل الرسول، فأخبره أن الشيخ استسقى، فقال الملك: جزاه الله الخير، يا ليته أخبرنا قبل حتى نستغيث معه[14].

المساعدة على اختيار الأمير:
عندما توفي أمير الدلم ناصر الحقباني –رحمه الله- سنة 1367هـ، خشي الشيخ من تفرق الكلمة واضطراب الناس، فقام سماحته بجمع الأهالي ورتَّب طريقة للشورى فيما بينهم، من أجل اختيار أمير جديد للمنطقة، حيث طلب من كل أسرة أن ترشح رجلًا يتحدث بلسانها ويعبر عن رأيها، وبالفعل تمت الشورى باختيار عبدالعزيز بن حسن بن سيف أميرًا عليهم، وكتب الشيخ تأييدًا لذلك، وأرسله للملك عبدالعزيز –رحمه الله- فأقرَّ سموه ما فعل سماحته[15].
فقد كان سماحة الشيخ في هذه المنطقة كالحاكم بتأييدٍ من الملك عبدالعزيز -رحمه الله- نظرًا لبُعد الشُّقة عن العاصمة (الرياض) وصعوبة المواصلات في هذه الأثناء فضلًا عن الاتصالات[16].

قضاء الحوائج والشفاعات:
لقد عرف الشيخ –رحمه الله – بقضاء حوائج الناس قدر استطاعته، حتى أصبح هذا الأمر من أبرز أعماله المبرورة، ومساعيه المشكورة، فلم يلجأ إليه أحدٌ لقضاء حاجةٍ إلا وبذل له الشيخ جاهه وكتب له شفاعة، وعندما سُئل –رحمه الله- عن حرصه على ذلك ذكر للسائل قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا[النساء:85] وقول النبي ﷺ: «اشفَعُوا تُؤجَروا» [17].[18].
وقد كان –رحمه الله-  إذا وُفق لقضاء بعض حوائج الناس يفرح أشدَّ الفرح ويشكر الله أن أعانه على تفريج كرباتهم وإقالة عثراتهم، وكان يرى أن ذلك من أقل الواجبات عليه، وكان يقول: "ليس البخيل بخيل المال، بل البخيل بخيل الجاه ولكل شيء زكاة وزكاة الجاه الشفاعة للمعسورين والمحتاجين"[19].
وقد تعددت أنواع الشفاعات التي كان يبذلها وتنوعت، فمنها:
الشفاعة في رفع الظلم عن المظلومين سواء في الداخل أو الخارج.
الشفاعة في منح الإقامة النظامية.
الشفاعة في المِنَح الدراسية.
الشفاعة في قبول الطلاب إذا توافرت فيهم الشروط.
الشفاعة في قضاء الديون عن المدينين.
الشفاعة في تعمير المساجد، وبيوت الأئمة والمؤذنين في الداخل والخارج.
الشفاعة في إصلاح الطرق والمرافق العامة.
الشفاعة في إصلاح ذات البين، سواء بين الأفراد، أو الجماعات، أو الدول.
الشفاعة في نقل المدرسين والمدرسات.
الشفاعة في دعم المراكز والجمعيات الإسلامية.
الشفاعة لبعض المسجونين في الداخل والخارج.
الشفاعة في فتح المدارس، والمعاهد، والكليات الإسلامية.
الشفاعة في افتتاح مراكز الدعوة والإرشاد.
الشفاعات في الوظائف الحكومية لمن تتوافر فيهم الشروط.
الشفاعات في التكفل بطباعة الكتب النافعة وتوزيعها.
الشفاعة في بناء المدارس الخيرية.
الشفاعة في علاج المرضى.
الشفاعة في المنح الرعوية السعودية.
الشفاعة في إصلاح المناهج الدراسية، وإبعاد ما لا فائدة فيه.
الشفاعة في حفر الآبار، وسقي القرى والهجر.
الشفاعة في تأمين سيارات لنقل الماء، وسقي المحتاجين إليه.
الشفاعة في تركيب مكائن الكهرباء للبيوت والمساجد.
الشفاعة في تسوير المقابر، وحفظها من الامتهان.
الشفاعة في إيصال الكهرباء إلى بعض القرى والهجر.
الشفاعة في تأمين سيارات للدعاة خارج المملكة.
الشفاعة في تعيين الأكفاء من الموظفين في جميع المجالات.
ويُذكر أن الشيخ عندما كان قاضيًّا على الدِّلم كتب لبعض المسؤولين يطلب منه تعيين شخص ليكون أميرًا على قرية من القرى، فرد عليه ذلك المسؤول: بأن هذا ليس من اختصاصك، وأنه من اختصاص جهات معينة، وأنت قاضٍ وينبغي أن تترك مثل هذه الأمور. فرد عليه الشيخ وقال: إذا كان القضاة والعلماء لا يدخلون في مثل هذه الأمور، فمن الذي يدخل؟ فالقضاة أولى من غيرهم، فسكت ذلك المسؤول، واستجاب لشفاعة سماحة الشيخ[20].
وقد انتفع خلقٌ كثيرٌ داخل المملكة وخارجها بهذه الشفاعات التي كان لها المكانة العالية، بسبب مكانة الشيخ في قلوب الجميع، فلم يشفع الشيخ –رحمه الله- في أمرٍ من الأمور إلا وسارع الجميع في تنفيذ هذه الشفاعة.
لقد تعددت الأعمال الاجتماعية للشيخ –رحمه الله- والتي تعبر عن علو همة الشيخ وحرصه على نفع المسلمين بشتى الطرق، جعل الله ذلك كله في ميزان حسناته، وجزاه الله خيرًا على ما قدم في خدمة المسلمين.

اهتمامه بالدعوة إلى الله

لقد كانت الدعوة إلى الله، هي هاجس الشيخ - رحمه الله - وأكبر اهتماماته، عملًا بقول الله سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].
هذه الآية الكريمة، التي تتردد عنده كثيرًا، في حديثه مع الدعاة، وعند سماعه، أو قراءته تقريرًا عن أعمال بعض الدعاة الحسنة، وما تحقق على أيديهم من آثار للدعوة في داخل المملكة وخارجها، وفي كلماته وتوجيهاته.
اهتمامه بالدعوة كان من بدايات حياته حتى آخرها، فمنذ أن كان عمره عشرين سنة تقريبًا عُين قاضيًّا في الدلم، فكان رحمه الله قاضيًّا ومعلمًا وإمامًا وخطيبًا، يقول الدكتور محمد الشويعر: "كان يوطن تلاميذه على هذا العلم عندما كان في الخرج قاضيًّا، ويخرج بهم إلى القرى، وفي النزهة أيام الربيع خارج البلد، وفي الصيف إلى البساتين، ويعلمهم الرياضة: السباق، والرماية والمشي، وأوجد هيئة للأمر بالمعروف، كلهم محتسبون وبلا مرتبات، ويخرج معهم للدعوة ولإزالة المنكر، وللأمر بالمعروف". [1]
يقول واحد من أقدم تلاميذ سماحة الشيخ - رحمه الله - وهو الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن جلال: "عندما كان قاضيًّا في الدلم بالخرج من عام 1357هـ إلى عام 1371هـ في مقابلة معه بجريدة الرياض في أبرز صفات الشيخ: بأن من صفات الشيخ البارزة: الحلم والكرم وحب الآخرين، والشفاعة لهم، وإنكار المنكر، كانت تلك الصفات معروفة عند الشيخ ابن باز منذ كان قاضيًّا في الدلم حتى وفاته رحمه الله، والمواقف على تلك الصفات كثيرة، حتى إن أحدهم قال للشيخ: إنك أرسلت لمنطقة الخرج قاضيًّا، فاترك باقي الأمور، ولا تتعب نفسك في الشفاعات وغيرها.
فقال سماحته: أما الشفاعة وحاجات الناس، فأعملها وقصدي الأول حديث رسول الله ﷺ: اشفعوا تؤجروا[2]، فإن حصل شيء، فخير لي، وإن لم يحصل فالأجر حاصل.
فبلغ ذلك من دعاه إلى ذلك الأمر، فدعا للشيخ ورضي بقوله، وسأل له الخير...[3].
ويمكن أن ندرك مدى اهتمامه بالدعوة إلى الله من خلال الإشارة إلى بعض الأمور التي كان يقوم بها - رحمه الله - ومنها:

تنشيط الدعوة بين الجاليات العاملة في المملكة:
من ضمن اهتمام الشيخ ابن باز - رحمه الله - بالدعوة وحرصه على نشرها داخل المملكة وخارجها اهتمامه بالجاليات العاملة في المملكة، فقد كان يحرص على تنشيط الدعوة بين الجاليات ويشجع على فتح مكاتب لتوعيتها، وقد أعطت هذه الجهود منه ثمارًا طيبة: "في الترغيب في الإسلام وتوعية غير المسلمين، فأسلم أعداد كبيرة، ... وترجمت كثير من الكتب الصغيرة، المعرِّفة بدين الإسلام وتعاليمه السمحة، ونظمت المحاضرات لهم، المنتظمة ليليًّا في أوقات الفراغ، مراعاة لظروفهم في العمل مع مكفوليهم، فكان من تشجيعه حضورها، والتحدث فيها، وتيسير عمل هذه المكاتب معنويًّا وماديًّا، والإجابة على كل تساؤل يطرح: شفويًّا أو كتابيًّا"[4].

كفالة الدعاة، والإنفاق على وسائل الدعوة:
كان الشيخ - رحمه الله - يدرك أن الدعوة لا يمكن أن تنتشر إلا ببذل وعطاء على حامليها والوسائل التي تصل بها؛ ولذا كان ينفق على الكتب والأشرطة الدعوية، والمعاهد والمراكز العلمية، ويخصص مرتبات للدعاة، ويعينهم بما يحتاجونه في سبيل الدعوة، من البنود المخصصة بميزانية الرئاسة، فإذا ضاقت ميزانية الرئاسة كتب للمحسنين ولمحبي الخير في المملكة على مختلف مستوياتهم، ويسمي ما يرد منهم: البند الخيري، والبند الخيري يصرف منه ما يأمر به سماحته من الأمور التي يراها داخلة في الدعوة إلى الحق، سواء مما يرد من المحسنين، أو على نفقته الخاصة. [5]

تعيين الدعاة داخل المملكة، وخارجها:
مما يدل على اهتمامه وحرصه على الدعوة وتبليغها داخل المملكة وخارجها تعيينه الدعاة إلى الله وإعانتهم بما يقدر عليه من مال، يقول الدكتور محمد الشويعر: "ومن اهتمامه بالدعوة كان يأمر بتعيين الدعاة على بند نشر الدعوة، فإذا ضاق مع رغبته - رحمه الله - بالتوسع، خاصة في الخارج لما يسمع من قلة العلماء والدعاة، وكثرة الجهل والبدع، حيث يأمر بأن يتم التعيين على حساب البيت، وقد خصص سجلات للوارد والمنصرف، من أهل الإحسان بما يعين على تنشيط الدعوة إلى دين الحق.
وكلما أحس عجزًا في حساب الدعوة إلى الله على حساب البيت أعد رسائل لأهل الخير، الذين يحبون المساهمة في الدعوة إلى دين الله الحق، بخفاء، ودون إشهار لأسمائهم، ابتغاء مرضات الله وثوابه.
وعند وفاته كان عدد الدعاة في الخارج على حساب البيت يقارب الألف داعية، اهتمت بهم الدولة وفقها الله وألحقوهم بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد". [6]
وإليك هذا الكتاب الذي كتبه قبل وفاته بثلاث وثلاثين سنة، وذلك لما كان في الجامعة الإسلامية، حيث كتبه بشأن القائمين على التعليم والدعوة في مرخة من بلاد بني هلال. وهذا نص الكتاب الذي وجهه سماحته لوكيل وزارة الحج والأوقاف آنذاك:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سعادة وكيل وزارة الحج والأوقاف الشيخ أحمد مجاهد سلمه الله وتولاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
إشارة إلى برقية سعادتكم رقم 5439 في 10/4/1387هـ أفيدكم أننا أجرينا لازم عمل المسيرات للقائمين بالدعوة إلى الله - سبحانه - والتعليم في مرخة من بلاد بني هلال، وهي إليكم برفقه.
وأود أن أذكر لسعادتكم هنا أن القائمين بالدعوة هناك كانوا أربعة أرسلناهم من المدينة ابتداءً من جمادى الأولى سنة 1386هـ، أحدهم الشيخ يعقوب بن حسين معولي، راتبه شهريًّا ثمانمائة ريال، والثاني الشيخ محمد عطاء الله الهندي راتبه الشهري أربعمائة ريال، والثالث علي بن مرشد قائد اليماني من طلبة الجامعة الإسلامية راتبه أربعمائة ريال، والرابع مرشد بن علي بن محمد اليماني من طلاب دار الحديث بالمدينة راتبه أربعمائة ريال.
والداعي لبعثهم إلى مرخة أن بعض شيوخها تقدم إلى جلالة الملك حفظه الله بطلب إرسال من يرشدهم، وتوسطوا بي في ذلك، فشفعت لهم في الموضوع؛ لشدة حاجة سكان تلك البلاد إلى من يرشدهم، ويوجههم، ويعلم شبابهم، حتى تم إرسال الأشخاص المذكورين.
والبلاد بعيدة عن وسائل الحضارة الجديدة، وسكانها شبه بادية، والطريق إليها فيه صعوبة وخطر فيما بينها وبين نجران بسبب الحرب القائمة في اليمن.
ولهذا لم يكن وصول الدعاة إليها بالأمر الميسور في السنوات الأخيرة، وقد رجع الثالث والرابع من الأشخاص المذكورين في أول رجب سنة 1386هـ لمباشرة الدراسة، واستمر الأول إلى نهاية صفر سنة 1387هـ، أما الثاني وهو الشيخ محمد عطاء الله فلم يزل مستمرًا في عمله هناك إلى حين التاريخ كما يتضح ذلك من المسيرات.
وقد عيَّنا في مرخة شخصًا خامسًا بدلًا من أحد الشخصين الذين رجعا في أول رجب سنة 1386هـ يقوم بالدعوة والتعليم هناك، وهو من أهل البلد، وقد أشار به الشيخ يعقوب بعد وصوله هناك، وعينا له مائتين وخمسين ريالًا كل شهر اعتبارًا من رجب سنة 1386هـ.
وجل المقصود منه تعليم الشباب، وغيرهم ممن يحضر معهم القرآنَ الكريم، ومبادئ العلوم الشرعية، وتوجيههم إلى الأخلاق الكريمة حسب معلوماته، وحسب حال البلاد وأهلها.
ولم نزل نلتمس من يقوم مقام الأخوين علي بن مرشد، ومرشد بن علي في الدعوة والتعليم هناك، ولكن لم نجد من يوافق على السفر إلى تلك البلاد بمثل راتبهما؛ للصعوبات التي ذكرناها آنفًا، ونرجو أن يتيسر من يصلح لذلك، ويوافق على السفر إلى تلك البلاد، والصبر عليها في الأيام القريبة إن شاء الله.
ولهذا فإني أرى أن ترسلوا جميع الرواتب المقررة للأربعة إلى نهاية ربيع الثاني حسب الأمر السامي؛ حتى نسلّم منها للأشخاص الثلاثة الموضحة أسماؤهم في المسيرات المرفقة استحقاقهم، والباقي نحتفظ به حتى نساعد به من يصلح للدعوة هناك من حين نتمكن من وجود من توافر فيه الشروط المطلوبة.
ونحن - إن شاء الله - إن لم نزدها لم ننقصها، وإن أشكل عليكم ذلك فأرجو عرض الموضوع على معالي الوزير، وفيما يراه معاليه وسعادتكم بركة - إن شاء الله.
والقصد هو التعاون على البر والتقوى، وتسهيل إرسال من يتولى الدعوة والتعليم في هذه البلاد المضطرة إلى ذلك، ونرجو أن نكون جميعًا شركاء في الأجر.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وجعلنا وإياكم من دعاة الهدى، ووفق حكومتنا لكل ما فيه صلاح المسلمين، ويقظتهم، وفقههم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة؛ إنه على كل شيء قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. [7]

حث العلماء والدعاة إلى تعليم الناس:
من اهتمامه - رحمه الله - بالدعوة إلى الله أنه كان يحث الدعاة إلى الله أن يفرغوا من أوقاتهم لتعليم أمور دينهم والجلوس لهم لأخذ العلم عنهم، فهذا كتاب بعثه سماحة الشيخ لما كان نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية إلى رئيس المحكمة الكبرى بالدمام فضيلة الشيخ سليمان بن عبدالعزيز السليمان يحثه على الدعوة إلى الله، وإقامة الدروس العلمية، ويوصيه بِحَثِّ من لديه من طلبة العلم على ذلك. وهذا نص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ سليمان بن عبدالعزيز السليمان رئيس المحكمة الكبرى بالدمام وفقه الله لكل خير، ونفع المسلمين بجهوده آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعده يا محب، أرجو أنكم والعائلة والمشايخ والإخوان بتمام الصحة والعافية، كما أنا ومن لدينا - بحمد الله - كذلك، أوزعنا الله وإياكم شكر نعمه، وصرف عن الجميع أسباب سخطه، ونقمه.
ثم يا محبُّ لا يخفاكم حاجة الناس الشديدة إلى التعلم والإرشاد، ولا سيما في جهتكم؛ لهذا أقترح على فضيلتكم أن تهتموا بالتدريس في الأوقات المناسبة لكم، ولو درسًا واحدًا بعد العصر، أو بين المغرب والعشاء، ولو بين هذين الوقتين، ولو في بعض أيام الأسبوع، وتُرَغِّبوا من لديكم من أئمة المساجد، وطلبة العلم لحضور الدرس؛ لعل الله ينفع بذلك.
وإذا تيسر الترغيب لمن يعرف بالذكاء والميول إلى العلوم الدينية من طلاب المدارس الثانوية وطلاب الخامسة والسادسة الابتدائية فهو مناسب، ولو درسين في الأسبوع.
والقصد هو النظر في هذا الأمر، وبذل الوسع في إيجاد درسين أو أكثر في الأسبوع يحضرها من أمكن حضوره من الأئمة والطلبة والعامة.
ويكون ذلك إما في التفسير، أو في الحديث؛ ليعم النفع للجميع.
وإذا رأيتم إيجاد درس خاص للطلبة الصغار والعامة في ثلاثة الأصول، وشروط الصلاة، والقواعد الأربع ثم في كتاب التوحيد، والعقيدة الواسطية؛ لتثبيت التوحيد، والعقيدة السلفية في قلوب الناشئة والعامة فحسن.
وإن لم يتيسر كفى ملاحظة ذلك في دروس التفسير والحديث؛ لأنهما مليئان بجميع المواد العلمية فيما يتعلق بالعقائد وغيرها.
سدد الله خطاكم، وأعانكم على كل ما فيه رضاه، ونفع عباده، وبارك لنا ولكم في الأوقات، والعلم، والعمل؛ إنه على كل شيء قدير، والله يتولاكم، والسلام.
ملاحظة:
إذا عزمتم على هذا الأمر فينبغي إعلانه بعد صلاة الجمعة، وإيضاح الأوقات للناس؛ حتى يحضر من لديه رغبة، وحتى يتعالم الناس بذلك، يسر الله لكم وبكم كل خير. [8]

توجيه الدعاة ونصحهم:
ومن اهتمامه بالدعوة أنه كان يقوم بتوجيه الداعين للحق، والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر إلى الطريق الأمثل في الدعوة، ويدافع عنهم في عملهم، ويوجههم إذا أخطأوا.
فهو يناصح الدعاة ويخطئهم إذا جهلوا أو تجاوزوا الرفق في الدعوة إلى التشدد، ويدعوهم إلى اللين والحكمة، ومن ظهر له منهم التمادي مرة أخرى يزيله من ميدان الدعوة؛ لأنه يرى عدم صلاحه لممارسة هذه المهمة، التي هي سبيل الأنبياء، والطريق الذي وجههم الله إليه.[9]
وهذا كتاب بعثه الشيخ إلى فضيلة الشيخ عثمان بن إبراهيم الحقيل رئيس محكمة الظهران يحثه فيها على الدعوة إلى الله، ويوصيه بإلقاء الدروس، وحث طلاب العلم على ذلك.
وقد كتب هذا الكتاب في 29/3/1383هـ، وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ عثمان بن إبراهيم الحقيل رئيس محكمة الظهران وفقه الله لكل خير آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
أرجو أنكم والعائلة ومن لديكم من المشايخ والإخوان بخير وعافية، كما أن محبكم، وجميع المشايخ والإخوان بطرفنا بخير وعافية - لله الحمد.
نسأل الله أن يوزع الجميع شكر نعمه، وأن يثبتنا على دينه؛ إنه سميع قريب.
ثم يا محب لا يخفاكم شدة حاجة الناس بطرفكم إلى حلقات الذكر والوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله وإلى سبيله بالموعظة الحسنة؛ خصوصًا في هذه الأوقات التي قل فيها الدعاة إلى الله، وغلب على الناس فيها الجهل بالأمور الشرعية، والإقبال على العلوم المادية الصِّرْفة البعيدة عن الدين، وعن كل ما يقرب إلى رب العالمين.
فالواجب عليكم، وعلى إخوانكم من طلبة العلم هو القيام بالدعوة إلى الله، وتبصيرهم بأمور دينهم، وتحذيرهم مما يضرهم دنيا وأخرى؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وسرج الله في الأرض، وقد عهد الله إليهم بهذه المهمة، وكلفهم بها فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187].
فمهمة العلماء مهمة خطيرة، وأمانتهم أمانة عظيمة واجب عليهم القيام بها، والعمل على تأديتها بكل أمانة وإخلاص.
إلى أن قال - رحمه الله: "وبناء على ما ذكر أرجو من فضيلتكم تعيين عدة دروس في المسجد لديكم، والتكلم عليها وشرحها حسب الاستطاعة، والإعلان عن هذه الدروس؛ لكي يحضرها أكبر عدد ممكن من المستمعين؛ حتى تعم الفائدة، ويعظم أثرها.
كما أوصيكم أيضًا بتشجيع زملائكم القضاة في هذه الناحية، والكتابة إليهم، ووصيتهم بالقيام بهذا الأمر العظيم حسب القدرة ولو بتعيين درسين أو ثلاثة في الأسبوع في الأوقات المناسبة.
سدد الله خطاكم، وبارك في مساعيكم، وجعلنا وإياكم من أنصار الحق ما بقينا؛ إنه جواد كريم.
وهذا شيء في نفسي أحببت إبداءه لكم ولبعض الإخوان من أهل العلم من باب التواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والله المسؤول أن يحسن العاقبة للجميع، إنه على كل شيء قدير. والله يتولاكم، والسلام.
حرر 29/3/1383هـ. [10]

التعاون مع العلماء والدعاة داخل المملكة وخارجها:
كانت له - رحمه الله - علاقات وطيدة ومتينة مع علماء الإسلام في عصره، يتواصل معهم، ويشد من عضدهم، ويثني على جهودهم المسددة، ويبارك خطواتهم الموفقة، ويتعاون معهم فيما فيه صلاح الإسلام ومصلحة المسلمين.
وفي مجالسه التي كانت تجمعهم والمقابلات التي كان يلتقي فيها بهم كانوا يعرضون عليه همومهم وأسئلتهم التي يطلبون لها إجابة، سواء "عن ظواهر انتشرت عندهم، أو كتابات بدرت من بعض الكاتبين فيها شطط، وميلان عن الطريق المستقيم، أو مشاكل يعانون منها، فكان يتبادل الرأي معهم، ويناصحهم ويبين لهم دور العلماء في التصدي للشرور، ونشر الدعوة إلى الحق.
ويظهر لهم رغبته في مساعدتهم التي لا يدخرها، بأي أسلوب يرونه معينًا، ويمدهم بما يعينهم، ويكتب الكلمات والاستنكارات التي حصلت، حمية لهم، وشدًا لهم في التعاضد على دعوة الحق، فيرون منه التعاون، ويخرجون من مجلسه بكل ارتياح لسعيه في مصالحهم، حيث يرونه سندًا قويًّا في الدعوة الى الحق". [11]
وهكذا يدرك المتابع لجهود وأعمال سماحته اهتمامه البالغ بالدعوة إلى الله وشعوره بأهمية التعاون بين المسلمين، بما فيه صلاح دينهم ودنياهم. [12]

إنجازاته الدعوية

إن الدعوة إلى الله من أجل وأشرف الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى مولاه، وقد قال الله في شأنها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33].
ويعد الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - واحدًا من الدعاة الذين بذلوا أعمارهم في الدعوة إلى الله وإنذار الناس وتعليمهم أمور دينهم، وقد تعددت أعماله وجهوده الدعوية، ونذكر منها:

حرصه على إلقاء الدروس والمحاضرات:
إن المتتبع لسيرة الشيخ وحياته يعلم أن جُلَّ وقته كان يقضيه في الدعوة إلى الله ونشر العلم وتذكير الناس بالآخرة وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا، وذلك لعلمه بأن الدعوة إلى الله من أشرف المنازل التي يرقى إليها الإنسان، وأن هداية رجلٍ واحدٍ خيرٌ من كثيرٍ من متاع الدنيا الزائل، كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: فَوَاللهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ[1].
فلقد كان - رحمه الله - يؤم الناس في المسجد الكبير، ويقوم خطيبًا فيهم، ويحرص على إلقاء الدروس والمحاضرات، ولم تقتصر جهود الشيخ الدعوية على المسجد، بل تعددت وسائل الدعوة وصورها لديه لتشمل المقالات التي كان ينشرها في عددٍ من المجالات العربية وغير العربية، واستخدم وسائل الإعلام المرئية وغير المرئية كمنابر ينشر من خلالها العلم والفقه في الدين، إلى جانب الندوات واللقاءات العامة التي كان يعقدها الشيخ في جميع أنحاء المملكة. [2]
وبفضل الله ثم اجتهاد الشيخ في نشر العلم ذاعت شهرته وانتشرت سيرته وراحت دعوته تعبر البُلدان، وأصبحت دروسه ومحاضراته منتشرة في كل حدبٍ وصوبٍ.
وقد ساعد الشيخ على ذلك ما تميز به من أسلوبٍ خاصٍ في الدعوة إلى الله، وحرصه على نشر العقيدة الصحيحة فكان دائمًا ما يبدأ دروسه ولقاءاته بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وإيضاح ذلك بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم المحققين، ثم يتكلم عن موضوع المحاضرة أو الموعظة بأسلوبٍ يجذب السامع ويجعله يخرج بنتائج علمية وعملية، الأمر الذي جعل طلاب العلم والدعاة إلى الله يتوافدون عليه ويتسابقون على تسجيل محاضراته ودروسه ومواعظه. [3]

 الاهتمام بالحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لما كان للحسبة من أهمية فقد أولاها الشيخ عناية كبيرة؛ لأن رجال الحسبة آنذاك كانوا يتبعون القاضي، فكان له الإشراف المباشر مع أعضاء الحسبة على كثيرٍ من القضايا، فكثيرًا ما كان يجتمع مع رئيس الحسبة وأعضائها، فيناصحهم ويحثهم على بذل المزيد من الجهد، ويختار لها أفضل طلابه، ممن عرف عنه الرغبة في هذا العمل؛ فانتشر المعروف وقلَّت مظاهر المنكر بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بسبب إشراف الشيخ وتوجيهاته. [4]
ومن الصور التي توضح مدى حرص الشيخ - رحمه الله - على الحسبة، أنه كان يقوم بها بنفسه، فقد عرف عنه أن كان يخرج أحيانًا للسوق حيث اجتماع الناس يومي الاثنين والخميس للبيع والشراء، فيقوم خطيبًا في وسط السوق مقابلًا للرجال وقريبًا من النساء اللاتي كن يبعن في السوق، فيعظ الجميع ويذكرهم وينصحهم، ثم يجيب عن أسئلة المستفتين. [5]

 الاهتمام ببيان الحق للمخطئين:
لقد اهتم الشيخ ابن باز - رحمه الله - بالرد على المخالفين وكان هدفه من ذلك النصح لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولعامة المسلمين وخاصتهم، وذلك بما أوجبه الله على أهل العلم من قول الحق وعدم كتمانه، والقيام بالدعوة إلى الله والإرشاد إلى سبيله والدفاع عن دينه والذب عن حياضه.
وقد جاهد - رحمه الله - بقلمه ولسانه، ووقف في وجه الدعوات الهدامة والاتجاهات المنحرفة، وشارك في معالجة كثيرٍ من القضايا المستجدة، فكانت جهوده في هذا الجانب إما مُوجِهَةً للجاهلين، أو مصححةً للمخطئين، أو مناقشةً للمجتهدين، أو ردًا على المعاندين. [6]
ولم يمنعه من الصدع بالحق مكانة المخالف العلمية أو الاجتماعية؛ لأنه لا يعتبر الرد على المخالف قدحًا في منزلته، ولا تنقيصًا من مكانته، بل يراه من البرِّ والإحسان إلي هذا المخالف. [7]
فقد قام بالرد على عددٍ من العلماء والدعاة في بعض المسائل، مثل: البوطي، وجاد الحق، والصابوني، والقرضاوي، وسيد طنطاوي، وغيرهم. [8]
وكذلك قام بالرد على بعض الأمراء والسلاطين، مثل: رسالته لأحد أمراء دول الخليج يطلب منه إزالة قبر كان يُعبد من دون الله في بلاده، ورسالته لحاكم العراق التي يستنكر عليه فيها إعلان النظام الاشتراكي، ورسالته للقذافي التي يحثه فيها على التوبة إلى الله مما في شأن إنكاره للسنة، ورده على الرئيس التونسي، وغيرها من الرسائل. [9]
كما قام الشيخ كذلك بالرد على بعض الكتَّاب والصحفيين، مثل: الرد على الكاتبة قماشة الإبراهيم في مقالها "قسوة القدر"، والرد على مصطفى أمين في دعوته لتعظيم الآثار الإسلامية في مقاله "آثار المدينة المنورة"، والرد على صالح محمد جمال في حثه على إقامة المولد، وغيره من الردود. [10]
وكان - رحمه الله - ملتزمًا عند الرد على المخالفين بالآداب والضوابط الشرعية والتي منها: التثبت من الكلام وأنه  صدر عن قائله، وكذلك عدم التعريض بالمخالف أو رميه بالسِبَاب والقدح أو السخرية والاستهزاء منه، إنما كان ملتزمًا بالطريقة التي رسمها القرآن في الرد على المخطئين والمخالفين بالتي هي أحسن، بهدف بيان الحق دون مماراة أو مداهنة، بأدبٍ جمٍّ، وأسلوبٍ هادئ وتوجيه حكيم وكلماتٍ مهذبة، وكل كتابات الشيخ في هذا الميدان تشهد بذلك. [11]

الاهتمام بالمؤسسات الدعوية حول العالم:
لم تقتصر جهود الشيخ ابن باز الدعوية على ذلك، بل كانت له نشاطات عدة تصب في مصلحة الدعوة إلى الله والاهتمام بأمور المسلمين، ومن ذلك:
دعمه للمؤسسات والمراكز الإسلامية المنتشرة في كافة أنحاء العالم الإسلامي، والتي تقوم بأمر التعليم الإسلامي والدعوة إلى الله ورعاية شئون المسلمين خاصة الأقليات منهم، كما أن دعم سماحته ملموس للجهاد الإسلامي في فلسطين وأفغانستان والفلبين وغيرها، ودعوته المسلمين القادرين إلى مساعدتهم.
كما أولى سماحته تعليم وتحفيظ القرآن الكريم اهتمامًا خاصًا، وحث إخوانه وتلاميذه وأعضاء الجماعات الخيرية لتحفيظ القرآن على مضاعفة الجهود في هذا الصدد، ويشاركهم في كل ما من شأنه تقوية هذا التوجه ودعم القائمين على الجماعات المهتمة بكتاب الله بما يضمن استمراريتها في أداء رسالتها. [12]
اهتمامه بالدعاة ومساعدتهم وكفالتهم، ويبلغ عدد الدعاة في العالم الإسلامي الذين يكفلهم الشيخ - رحمه الله - أكثر من ألفي داعية، وقد وضع لهم بندًا خاصًا بهم من بنود الرواتب، وها هم الآن في جميع أنحاء المعمورة يسيرون على العقيدة الصافية والهدي النبوي الكريم، ناشرين للتوحيد، محاربين للشرك، متأسين بالشيخ - رحمه الله - في الرفق واللين في الدعوة إلى الله؛ فأثمرت دعوتهم، وآتت أكلها، وأصبحت دعوة مقبولة، ولله الحمد. [13]
ومما ساعد الشيخ على ذلك عضويته ورئاسته للعديد من المؤتمرات الإسلامية والعالمية التي مهدت له ويسرت له سُبل الاتصال بالكثير من الدعاة ورجال العلم وزعماء العمل الإسلامي والشخصيات البارزة في حقل الدعوة الإسلامية والشبابية والطلابية، والتعرف عن قرب على مشكلاتهم والأخطار التي تحدق بهم؛ الأمر الذي مكن له أن يحيط إحاطة كاملة بشؤون الدعوة والدين والمسلمين في معظم البلاد والدول، ومكن له أيضًا من الوعي بظروف الدعوة وأتاح له فرصة السعي إلى إيجاد حلول عملية لكثيرٍ من المعضلات بشكل أدق وأعمق. [14]
ومن خلال هذا الاستعراض الموجز لجهود الشيخ وأعماله الدعوية نلاحظ كيف أن هذه الجهود قد تجاوزت حدود وطنه الصغير لتصل إلى أقطار العالم الإسلامي وكافة المسلمين في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يدل على إدراك سماحة الشيخ وحرصه الشديد على ترسيخ مفهوم الأخوة الإسلامية الواسعة النطاق، كما يدل على شعوره الشخصي بأنه مسؤول عن السعي في أمر أي مسلم وتبني قضاياه والعمل على حل مشكلاته ما وجد إلى ذلك سبيلًا. [15]
فرحم الله سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز وأسكنه فسيح جناته.

مرضه وأيامه الأخيرة

متَّع الله تعالى سماحة الشيخ - رحمه الله - بالصحة والعافية في أغلب فترات حياته، غير أنه كانت تُصيبه أمراض عارضة، فيُصرّ على مواصلة العطاء دون أخذ قسطٍ من الراحة، ويتحامل على نفسه لقضاء مصالح المسلمين.
وقبل وفاته بنحو خمس سنوات راجع مستشفى الملك فيصل التخصصي لإجراء بعض الفحوصات، فلما رأى الأطباء ضعف قواه وكبر سنه طلبوا من أبنائه إقناعه بتخفيف الأعباء عن نفسه وأخذ قسط من الراحة، لكنه - رحمه الله - لما أُخْبر بذلك أبى أن يأخذ راحةً ويترك مصالح المسلمين، وواصل عمله المعتاد دون تغيير.[1]
بداية المرض:
بدأ مرض الشيخ الأخير الذي تلته الوفاة - وهو سرطان المريء - في أواخر شهر شعبان سنة 1419هـ، حيث شعر الشيخ بألم شديد في أعلى بطنه تحت التجويف الصدري، ولكنه صبر على الألم أيامًا راجيًا زواله، فلما استمر معه الألم واشتد بدأ في مراجعة المستشفى التخصصي بالرياض.
واشتدت معاناته - رحمه الله - في شهر رمضان من العام نفسه؛ حيث عانى من آلام شديدة عند تناول الطعام والشراب، فلم يكن يستطيع بلع الطعام بسهولة، وكان يتقيَّأ أحيانًا، بل إنه في آخر رمضان لم يكن يأكل شيئًا، واكتفى بتناول بعض السوائل، حتى نزل وزنه في مدة أربعة أشهر من 80 كيلو إلى 45 كيلو، ومع هذا حرص على مواصلة نشاطه اليومي وكأن شيئًا لم يكن، فكان يتحامل على نفسه ويخرج إلى الناس ويجلس في مجالسه المعتادة لقضاء مصالحهم، فتُقرأ عليه المعاملات، ويستقبل أسئلة السائلين، ويُلقي الدروس، دون أن يُشعر من حوله أنه مريض. [2]
عمل متواصل في المستشفى:
اشتد المرض على الشيخ في شهر شوال، حتى إنه في يوم جمعةٍ لم يستطع أن يخرج إلى صلاة الجمعة ولا إلى غيرها من الصَّلوات طيلة اليوم، فنُقِلَ إلى المستشفى التخصصي بالرياض في حالة إعياء وإرهاق، فرأى الأطباء بقاءه في المستشفى إلى أن تتحسن حالته.
وفي المستشفى لم يكن سماحة الشيخ - رحمه الله - يضيع لحظةً واحدةً بلا عمل، بل استمر في نشاطه العلمي والعملي المعتاد، ناقلًا ما كان يقوم به في المكتب والبيت إلى المستشفى، وعن هذا الأمر يحدثنا الشيخ محمد الموسى قائلًا:
"اتصلت ببعض المرافقين له وسألتهم عن حالته، قالوا: إنه بخير، ولكنه يُحب أن تُقرأ عليه المعاملات أو الكتب، فقام أحد المرافقين له بالقراءة، فقرأ قدرًا لا بأس به، ثم ناموا، فلما جاء وقت التهجد قام سماحته على عادته، فصلى ما شاء الله أن يصلي إلى أن حان وقت أذان الفجر، فصلى الفجر بمن معه، ثم استقبلهم بوجهه وألقى عليهم كلمة، ثم أتى بالأذكار كاملة، وبعد ذلك سأل الأخ صلاح - أمين المكتبة - ماذا معك يا صلاح؟ قال: معي (فتح الباري)، و(فتح المجيد). فقال له: سمِّ الله، اقرأ. فقرأ عليه إلى حوالي السابعة والنصف، ثم ذهبتُ إلى المستشفى لأطمئن على سماحته في الساعة الثامنة والنصف، فلما دخلت على سماحته - وكنت أظنه نائمًا - وجدته جالسًا على كرسي يقرأ القرآن، فسلَّمتُ عليه، فرد السلام، وقال: ماذا معك؟ فقلت: معي معاملات كثيرة، ومعي الجزء الثاني عشر من فتاوى اللجنة الدائمة، حيث صدر حديثًا من المطابع. فقرأت عليه معاملةً طويلةً تتكون من اثنتي عشرة صفحة، ثم بدأت بكتاب فتاوى اللجنة، فقرأت عليه أربعين صفحة، فجاء ابنه عبدالله، فبدأ يكمل القراءة إلى أن بلغ الصفحة الخمسين".[3]
هكذا كان - رحمه الله - طيلة حياته، يعمل بجدٍّ واجتهادٍ، ويتحامل على نفسه، حتى إنَّه في اليوم الذي خرج فيه من المستشفى أبى أن يذهب إلى البيت ليرتاح، وأصرَّ على الذهاب إلى مكتبه ليمارس عمله المعتاد، قائلًا لمن حوله:
"أصحاب الحاجات - الله يلطف بنا وبهم - ينتظرون".[4]
عدم القدرة على الحج:
وفي شهر ذي القعدة ازدادت الحالة الصحية لسماحة الشيخ سوءًا، وكان قد عزم على الحج - كعادته كل عام - فألح عليه الأطباء والأمراء والمقربون من سماحته بترك الحج هذا العام خوفًا على صحته، وبعد إلحاح شديد وافق وقلبه يتمزَّق ألما، وعيناه تذرفان الدموع، حيث إنه لم ينقطع عن الحج منذ سبعة وأربعين عامًا.[5]
وحرص - رحمه الله - في تلك الأثناء على متابعة الخدمات المقدمة للحجيج من خلال خيمته، عن طريق الاتصال اليومي بمستشاره الدكتور محمد بن سعد الشويعر المُكَلَّف بتنظيم ضيافة الحجيج في خيمة الشيخ، فقد اعتاد عددٌ من الحجيج التوافدَ على خيمة الشيخ للسؤال عما يُشْكِل عليهم، وطلب قضاء بعض المصالح، إضافةً إلى إطعام الفقراء والمساكين في بيت سماحته بمكة.[6]
العمرة والإقامة في الطائف:
لم يستطع سماحة الشيخ - رحمه الله - مقاومة شوقه إلى بيت الله الحرام، فقرر التوجّه إلى مكة في الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1419هـ لأداء العمرة، وذلك رغم تعبه الشديد ونصح الأطباء له بعدم السفر واستكمال العلاج في الرياض، إلا أنه أصرَّ على أداء العمرة بعدما فاته الحج، ومكث في مكة إلى نهاية ذي الحجة، ثم سافر إلى الطائف.
يقول مستشاره الدكتور محمد بن سعد الشويعر: "كنتُ مع سماحته في الطريق إلى الطائف والإعياء ظاهر عليه، لكنه قوي بالصبر والتحمّل، وكثرة الشكر والحمد لله".[7]
وفي الطائف ازدادت حالة الشيخ سوءًا، فلم يكن يتناول أي طعام، واكتفى بشرب كأس صغير من الحليب يوميًّا، وقليل من الشوربة، وكان يشرب ذلك بصعوبةٍ بالغةٍ، ويقول: لا أجد لذلك طَعْمًا. واستمر - رحمه الله - على تلك الحال إلى وفاته.
ومع هذه الآلام والأوجاع التي عانى منها سماحته إلا أنه لم يُغَيِّر من نظامه المعتاد شيئًا، بل تحامل على نفسه، مؤثرًا قضاء مصالح المسلمين على الاهتمام بصحته، ومُستشعرًا عظم الأمانة التي يحملها على كاهله. [8]
آخر ما قام به سماحة الشيخ:
لما وصل الشيخ إلى الطائف بدأ بإلقاء الدروس المعتادة حين يكون هناك، فكان الدرس يستمر أحيانًا لأكثر من ساعتين دون كللٍ أو مللٍ منه، رحمه الله.
وكان آخر درس ألقاه يوم الاثنين السابع عشر من محرم سنة 1420هـ - أي قبل وفاته بعشرة أيام - واستمر ذلك الدرس قرابة ثلاث ساعات.
وكان يوم الثلاثاء الثامن عشر من محرم سنة 1420هـ هو آخر يوم في الدوام الرسمي للشيخ في مكتب الطائف، إذ إنه في اليوم التالي شعر بالتعب والإرهاق ولم يستطع الخروج للعمل أو الصلاة في المسجد.
وفي يوم الخميس العشرين من محرم سنة 1420هـ نُقِل الشيخ إلى مستشفى الهدى بالطائف، وانتقلت معه المعاملات والرسائل والفتاوى، فقد حوَّل سماحتُه غرفتَه في المستشفى إلى مكتب عمل، فكانت نفسه تأبى أن يرتاح ويترك مصالح المسلمين تنتظر مَن يقضيها، فلعله يكون سببًا في دفع مَضَرَّةٍ عن مسلمٍ، أو جلب خيرٍ له.
وكثرت في تلك الآونة الزيارات لسماحته للاطمئنان عليه، فكان يأتيه الأمراء والعلماء والأعيان والوجهاء وغيرهم من عامة الناس، والشيخ يستقبلهم بترحاب وسرور، مخفيًا عنهم آلامه وأوجاعه، واستمر على تلك الحال إلى يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 1420هـ.
وبلغ من نشاط الشيخ في تلك الفترة أنه لم يكن يُهمل أي رسالةٍ تأتيه برغم شدة وطأة المرض عليه، حتى إنه رتَّب كل ما له وما عليه بالنسبة لأوضاعه المالية، وجدَّد وصيَّته، وكأنه يشعر بقرب رحيله عن الدنيا. [9]
اقتراح السفر للخارج للعلاج:
قرر الشيخ - رحمه الله - الخروج من المستشفى يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من محرم سنة 1420هـ، بعدما لم يجد فائدةً من الأدوية والعلاجات التي تُعطى له، فقد زاد عليه التعب والإعياء، وتورمت قدماه، وأصبح مشيه ضعيفًا، ومع ذلك قضى معظم هذا اليوم منذ خروجه من المستشفى في قضاء مصالح الناس، واستقبال مَن يأتونه من المسْتَفْتين والمسَلِّمين، وحين أشار عليه ابنه عبدالله بالراحة؛ لأن حالته الصحية لا تسمح بالإجهاد قال له:
"لقد خرجتُ من المستشفى لخدمة المسلمين، ويُسعدني أن أخدم المسلمين حتى لو كنتُ مريضًا، وراحتي هي خدمتهم".[10]
وفي تلك الأثناء حاول محبو الشيخ إقناعه بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، ولكنه - رحمه الله - لم ينشرح صدره لذلك، وحين كثر الإلحاح عليه قال:
"لقد تأمَّلتُ موضوع السفر كثيرًا، واتفقت أنا والأبناء على أن يذهب بعضُهم إلى أمريكا، ويعرض التقارير على المستشفيات المشهورة هناك، ويُؤخذ رأيهم، وبعد ذلك ننتظر ماذا يختار الله لنا"، ولكن الأجل عاجله قبل ذلك، حيث توفي بعد هذا بيوم، رحمه الله. [11]
اليوم الأخير في حياة الشيخ:
لم يستطع سماحة الشيخ - رحمه الله - النوم في مساء يوم الثلاثاء الذي خرج فيه من المستشفى، لذلك لجأ إلى أخذ قسط من الراحة ضحى اليوم التالي - الأربعاء السادس والعشرين من محرم 1420هـ - وبعد الظهر طلب من العاملين معه عرض ما لديهم من معاملات ورسائل، يقول الشيخ محمد الموسى:
"فلما جلسنا إليه وجدناه مرتاح البال، منشرح الصدر، فاستبشرنا كثيرًا، وحمدنا الله على سلامته". [12]
ولاهتمام الشيخ بأمر المسلمين فقد سأل أول ما سأل عن أخبارهم، فعرض عليه مستشاره الدكتور محمد بن سعد الشويعر بعض صحف ذلك اليوم، وقرأ النشرة الإخبارية لسماحته، ثم جعل يتناوب الدكتور الشويعر مع الشيخ محمد الموسى في عرض المعاملات والرسائل على سماحته، فيُعلِّق سماحته عليها بما شاء، ويأمر بإجراء اللازم في كلٍّ منها.
واستمر ذلك المجلس إلى الساعة الثالثة إلا الربع، حيث أنهى سماحته الجلسة وأخبر مرافقيه بأنه سيجلس للناس بعد المغرب، ثم دخل منزله.
استبشر الناس بذلك الخبر، وجعلوا يتناقلون البشرى بسلامة الشيخ، وتوافد الكثيرون على منزل سماحته للسلام عليه والاستئناس بحديثه.
جلس الشيخ - رحمه الله - للناس بعد المغرب، وألقى على مسامعهم موعظةً بليغةً، كأنه يُودِّعهم، ثم جعل يستمع إلى المعاملات والرسائل التي وردته ويُعلِّق عليها بما يلزم، إلى جانب الرد على أسئلة المستفتين عبر الهاتف، وحين سمع أذان العشاء أجاب المؤذن كعادته، ثم سلَّم على الحاضرين مودِّعًا لهم، ودخل إلى منزله، وصلَّى فيه العشاء قاعدًا.
بعد صلاة العشاء جلس الشيخ مع أسرته وبعض أقاربه الذين قدموا للسلام عليه من الرياض والمدينة والقصيم، واستمر ذلك المجلس حتى الثانية عشرة ليلًا، ثم انصرفوا، وجعل الشيخ بعد انصرافهم يذكر الله تعالى ويُصلِّي إلى الساعة الواحدة والنصف، ثم اضطجع على فراشه فنام. [13]

من وصاياه

حرص سماحة الشيخ - رحمه الله - على تطبيق السنة النبوية المطهرة في كل حياته، ومن ذلك جانب الوصية، فكان له وصايا عامة، ووصايا خاصة، ونستعرض في الأسطر القادمة أبرز ما جاء في هذه الوصايا:
الوصايا العامة:
من الوصايا العامة لسماحة الشيخ:
  1. الحرص على تقوى الله سبحانه.
  2. الاعتناء بالقرآن الكريم: حفظًا، وتدبُّرًا، وعملًا.
  3. تطبيق السنة النبوية المطهرة، والاقتداء بصاحبها ﷺ.
  4. الاعتناء بكتب العقيدة، وحفظ ما تيسر منها، كالعقيدة الواسطية، والتدمرية، وكتاب التوحيد، والأصول الثلاثة، وكشف الشبهات.
  5. الاهتمام بكتب الحديث، كصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وغيرهما، وحفظ ما تيسر منها.
  6. الحرص على الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك.
  7. التزام الجماعة، ووحدة الصف، ونبذ الفرقة والاختلاف.
  8. اتباع أسلوب المصارحة والتَّصافي بين المسلمين.
  9. الحث على صلة الأرحام، والتحذير من قطيعتها. [1]
الوصايا الخاصة:
من الأمور التي أوصى بها سماحته فيما يخصه الآتي:
  1. جمع الفتاوى والمقالات في كتابٍ واحدٍ، وطباعتها وتوزيعها مجانًا على طلبة العلم، تحت إشراف ابنه أحمد، والدكتور محمد بن سعد الشويعر.
  2. جمع حواشيه وتعليقاته على "فتح الباري" و"بلوغ المرام" و"المنتقى" و"سبل السلام" و"المغني" و"الفروع" وغيرها في كتابٍ واحدٍ، تُرتَّب على أبواب الفقه، وتُطبع وتُوزع مجانًا على طلبة العلم، تحت إشراف ابنه أحمد والدكتور الشويعر.
  3. حث أبنائه على التعاون والتكاتف والتَّصافي وعدم الاختلاف.
  4. أوصى بإهداء مكتبته الخاصة إلى مكتبة مسجد سماحته في حي العزيزية بمكة المكرمة. [2]

وفاته

خلد سماحة الشيخ - رحمه الله - إلى النوم في وقتٍ متأخِّرٍ من مساء يوم الأربعاء السادس والعشرين من محرم سنة 1420هـ، بعد يوم حافل باللقاءات وقضاء مصالح الناس، وبعد أن صلَّى ما كتب الله له من قيام الليل، وفي حوالي الساعة الثالثة والنصف ليلًا جلس - رحمه الله - وتبسَّم، فسألته زوجته أم أحمد إن كان يريد شيئًا؟ فلم يُجبها، واضطجع مرةً أخرى، وبعد ذلك بدأ نَفَسُه يرتفع، وحشرج صدره، وحاولت زوجته أن تُوقظه فلم يرد، فاستدعت أبناءَه؛ فجاءوا مُسرعين وحاولوا إسعافه، لكنه كان في غيبوبةٍ، فأحضروا له سيارة الإسعاف، وحُمِلَ إلى مستشفى الملك فيصل، ولكن روحه فاضت إلى بارئها قبل وصوله إلى المستشفى، وكان ذلك قبل فجر يوم الخميس السابع والعشرين من محرم سنة 1420هـ، وقد تجاوز عمره التاسعة والثمانين بشهرٍ وأربعة عشر يومًا. [1]
فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدَّمه لأمته الإسلامية، فقد كان منارةَ هدى، ومصباح رشادٍ لأبناء الأمة كلها، فكم فرَّج الله بسببه من كُرَبٍ، ورفع من بلايا، وعّلم من جهل.
نسأل الله أن يجعله في عِلّيين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا.

 

جنازته

وُضِعَ جثمان سماحة الشيخ - رحمه الله - في ثلاجة مستشفى الملك فيصل بالطائف، ثم نُقِلَ إلى ثلاجة مستشفى القوات المسلحة بالهدى.
وبدأت المداولات بين أبناء الشيخ والمسؤولين لتحديد زمان الصلاة على الشيخ ومكانها ومكان دفنه، واستقر الأمر على أن تكون الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة الثامن والعشرين من محرم 1420هـ في المسجد الحرام، ويدفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة.
وبدأ الإعداد لذلك؛ حيث نُقل الجثمان إلى بيته في مكة المكرمة صبيحة يوم الجمعة لتغسيله وتكفينه. [1]

توافد الناس على مكة:
ما إن انتشر خبر وفاة الشيخ، وأُعلن عن الترتيبات الخاصة بالجنازة حتى تقاطر الناس على مكة المكرمة تقاطر النحل على رحيق الأزهار، فأقبل المحبُّون من داخل المملكة وخارجها، وانشغلت كافة خطوط الطيران المتجه إلى جدة أو الطائف، كما امتلأت العربات القادمة من كافة أنحاء المملكة إلى مكة. [2]

في بيت سماحته بمكة:
وصل الجثمان الطاهر إلى المنزل في حي العزيزية بمكة في صبيحة يوم الجمعة الثامن والعشرين من محرم 1420هـ، حيث تم تغسيله وتكفينه، وقام بذلك كلٌّ من: الشيخ عبدالله بن محمد بن الحمود الزيد والشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الغيث، والشيخ عبدالعزيز بن محمد الوهيبي.
وبينما كان جثمان الشيخ يُجَهَّز حضر إلى المنزل عددٌ كبيرٌ من العلماء وطلبة العلم، على رأسهم سماحة الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ والشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي والشيخ عبدالله بن قعود - رحمه الله - والشيخ عبدالمحسن العباد، والشيخ عبدالرحمن البراك، وغيرهم كثير.
وبعد الانتهاء من تجهيز جثمان سماحته - رحمه الله - دخل عليه بعض العلماء الحاضرين، وألقوا عليه نظرة الوداع وقلوبهم تتمزق ألما وحزنًا، وعيونهم تسكب العبرة تلو الأخرى.
وأمَّ سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ أهل بيت شيخنا ابن باز في الصلاة على الجثمان قبل أن يُنْقَل إلى المسجد الحرام، فحضرت زوجتا الشيخ وبناته وغيرهن من قريباته، ثم حُملت الجنازة إلى بيت الله الحرام. [3]

مشهد الوداع:
وصل الجثمان إلى الحرم الساعة الحادية عشرة تقريبًا، وقد امتلأ الحرم عن آخره في مشهدٍ يُذَكِّر بامتلاء الحرم ليلة السابع والعشرين من رمضان، وساد الحزن والأسى، فكان الناس ما بين مُنْتَحِبٍ ومُسترجعٍ وداعٍ للشيخ بالرحمة والمغفرة.
وقد تحدَّث خطيب الجمعة فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله السبيل عن فضل العلم والعلماء، وذكر بعض مناقب شيخنا - رحمه الله - وأياديه البيضاء على المجتمع السعودي خاصَّة والمسلمين في العالم عامَّة، وعزَّى الأمة في فقيدها، ودعاها للصبر والدعاء لسماحة الشيخ.
وبعد أداء صلاة الجمعة قُدِّمَت الجنازة وصلَّى عليها المسلمون، وكان في مقدمة المصلين على سماحة الشيخ - رحمه الله - الملك فهد، وولي عهده الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وجمع كبير من الأمراء. [4]
كما أُدِّيت صلاةُ الغائب على الشيخ في كافَّة مساجد المملكة، بل وفي خارج المملكة أيضًا في كثير من المساجد في أوروبا وأمريكا واستراليا وآسيا وإفريقيا. [5]
وما أن انتهت الصلاة على الجنازة إلا وانكبت الجموع على الجثمان الطاهر تريد حمله، فكان الجثمان يسير على رؤوس الناس في خِفَّةٍ وسرعةٍ حتى خرج من الحرم ووُضع في سيارة الإسعاف التي سارت به بصعوبةٍ وسط الجموع الغفيرة من المشيعين المحيطين بها من كل مكان، فقد قُدِّر عددُ مَن شاركوا في تشييع جنازة الشيخ - رحمه الله - بنحو أكثر من مليوني مسلم.
ورغم بُعْد المسافة بين المسجد الحرام ومقبرة العدل - نحو أربعة كيلو مترات - إلا أن الناس ساروا على أقدامهم تلك المسافة حتى وصلوا إلى المقبرة، فقد غلبهم شوقهم وحبهم للشيخ، وتناسوا مشقة السفر وعناء الطريق. [6]

وفي مقبرة العدل رقد الشيخ:
وصلت سيارة الإسعاف إلى مقبرة العدل بمكة، ولم يُسمح بدخول أحد إلى المقبرة إلا الأمراء والعلماء والمرافقين لسيارة الإسعاف؛ وذلك لمنع التزاحم والتدافع، ولإنهاء إجراءات الدفن في أسرع وقت، وبعد الدفن فُتحت الأبواب للناس، فأقبلوا على قبر الشيخ يدعون له بالرحمة والتثبيت، ويسألون الله تعالى أن يُجزل له المثوبة على ما قدَّمه لدينه وأمته. [7]
وهكذا وارى التراب جسد الشيخ - رحمه الله - بعد رحلةٍ طويلةٍ من العطاء استمرت قرابة التسعين عامًا، كان فيها مشعلَ نورٍ يُضيء لأمته الطريق في ظلمات الفتن ومُدْلَهِمَّات الخُطوب، فكم هدى الله به من الضَّلال، وأرشد به إلى الحق مَن كان في متاهات الغِوَاية، ونفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجمعنا به في دار كرامته.



المصدر : الموقع الرسمي للشيخ رحمه الله ، بتصرف.
https://binbaz.org.sa/